احمد خطيبي ج٢ لمحمد عبده
من معرفة الحقيقة كاملة.
الجزء قبل الأخير
اتجمعنا كلنا في المكتب الصغير اللي كان جدي بيقعد فيه زمان.
كريم قفل الباب بالمفتاح، وعمر وقف قدامه.
الأصوات في الصالة كانت بتقرب.
حد كان بيفتح الأدراج وبيقلب في الأثاث بعنف.
همست
هنخرج إزاي؟
كريم أشار لرف الكتب.
ورا المكتبة فيه باب قديم بيوصل للجراج.
أحمد قال
أنا هطلع الأول وأشغلهم بعيد عنكم.
مسكته من دراعه.
لأ.
بص لي باستغراب.
إنت آخر شخص هثق فيه.
عارف.
بس مش هسمحلك تضيع بسبب حاجة إنت بدأت فيها.
سكت أحمد.
ثم قال
أنا استاهل اللوم على قراراتي لكن إنتِ مالكيش ذنب.
عمر فتح الباب السري.
خرجنا واحد ورا التاني.
وأثناء ما كنا بنمشي في الممر الضيق، سمعنا صوت تكسير جاي من المكتب.
ثم صوت رجل بيصرخ
فتشوا كل مكان!
وصلنا للجراج.
لكن المفاجأة كانت إن العربية مش موجودة.
كريم قال
حد خدها.
عمر بص لنا.
هنمشي على رجلينا.
خرجنا من باب خلفي وجرينا في الشارع لحد ما وصلنا لطريق رئيسي.
بعد دقائق، وقف تاكسي.
ركبنا كلنا.
كنت قاعدة جنب مريم، وكريم قدام، وعمر جنب السواق.
أحمد فضل واقف في الخلف للحظات، وبعدين ركب.
طول الطريق محدش اتكلم.
لحد ما مريم قالت
لازم نفتح الفلاشة.
وصلنا لمكتب عمر.
دخلنا بسرعة.
شغل الكمبيوتر ووصل الفلاشة.
ظهر تسجيل قديم.
الصوت كان واضح.
صوت جدي
أنا عارف إنك بتسحب فلوس من الشركة يا محمود.
اتجمدت.
محمود اسم أبويا.
ثم جاء صوت أبي
دي فلوسي زي ما هي فلوسك.
جدي رد
لا. دي أموال الشركة، وأنا هبلغ مجلس الإدارة.
سكتة قصيرة.
ثم صوت أبي
ولو بلغت؟
هحمي حفيدتي منك.
الصوت اتغير فجأة.
نهى؟
أيوه. كل حاجة هتروح لها.
ثم سمعنا صوت أحمد، وكان أصغر سنًا
عمي، خلينا نحل الموضوع بهدوء.
جدي صرخ
إنت ما تدخلش! أبوك هو اللي ورطك في الموضوع ده.
انقطع التسجيل لثوانٍ.
ثم سمعنا صوت سقوط شيء.
بعدها صوت كريم وهو بيصرخ
جدي!
توقفت التسجيلات.
كنت ببكي بصمت.
عمر قال
كده بقى عندنا دليل على إن والدك كان بيضغط على جدك.
لكن كريم هز رأسه.
لسه في جزء ناقص.
فتح ملف تاني على الفلاشة.
ظهر مستند ممسوح ضوئيًا.
كان عقدًا قديمًا.
قرأه عمر بسرعة.
ثم قال
دي مفاجأة كبيرة.
سألته
إيه؟
والد أحمد كان شريك والدك، لكن جدك خرج الاتنين من الشركة قبل سنوات.
أحمد قال
يعني أبويا كان عنده سبب قوي للانتقام.
عمر أومأ.
بالضبط.
فتحت عيني.
يعني أبو أحمد هو اللي بدأ كل ده؟
أحمد قال
أيوه.
ثم نظر لي مباشرة.
لكن في حاجة ما قلتهاش لك.
إيه؟
قبل ما أتقدم لك، أبويا قال لي إن عنده دليل يثبت إنك مش حفيدة جدك الحقيقية.
سكت الجميع.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
إيه؟
أحمد أخرج ورقة قديمة من الملف.
قال لي إنك متبنية.
حدقت في الورقة.
وكان مكتوب فيها اسم امرأة لم أسمعه في حياتي.
والدة نهى البيولوجية.
رفعت عيني لأحمد.
إنت عرفت ده من إمتى؟
قال
من أول سنة في علاقتنا.
شهقت.
وسكت خمس سنين؟
لأني لما بدأت أهتم بيكي بجد، حاولت أتأكد من الحقيقة.
سألته
وعرفت إيه؟
هز رأسه.
إن الورقة مزورة.
تنفست براحة للحظة.
لكن عمر كان لسه بيقرأ المستند.
وفجأة قال
لا.
بصينا له.
إيه؟
رفع الورقة.
الورقة دي مش مزورة.
اتجمدت.
يعني إيه؟
نظر لي بحذر.
معناها إن في حاجة جدك أخفاها عن العيلة كلها.
ثم قلب الصفحة الأخيرة.
وكان فيها اسم والدتي
وتاريخ ميلادها.
والتاريخ كان قبل ميلادي بتسعة أشهر بالضبط.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في السطر الأخير
تم تسليم الطفلة إلى عائلة الجمل بعد وفاة والدتها.
رفعت عيني وأنا مش قادرة أتكلم.
وسألت
يعني أمي ماتت وأنا طفلة؟
عمر قال
واضح إن فيه قصة أكبر بكتير.
وفي اللحظة دي، وصلتنا رسالة من رقم مجهول
لو عايزة تعرفي مين أمك الحقيقية تعالي لوحدك للمكان اللي اتولدتي فيه.
ثم ظهرت صورة قديمة للمستشفى.
وتحتها عنوان
مستشفى الشفاء القاهرة.
الجزء الأخير
فضلت باصة للصورة على الموبايل، وكأني بحاول أفتكر حاجة من طفولتي.
مستشفى الشفاء أنا عمري ما سمعت الاسم ده.
عمر قال
إحنا مش هنروح لوحدنا.
كريم هز راسه.
وأنا هاجي معاها.
أحمد قال
وأنا كمان.
بصيت له.
إنت بالذات لأ.
رد بهدوء
عارف إني فقدت حقّي في ثقتك، بس أنا الوحيد اللي ممكن أعرف مين بعت الرسالة.
ما رديتش.
بعد ساعات، وصلنا للمستشفى القديم.
المبنى كان شبه مهجور، لكن السجلات القديمة كانت لسه محفوظة في غرفة أرشيف صغيرة.
عمر أظهر هويته، وبعد بحث طويل، الموظف جاب لنا ملف قديم.
على الغلاف كان مكتوب
طفلة أنثى مجهولة الأب تم تسليمها لعائلة الجمل.
إيدي بدأت ترتعش.
قلبت الصفحة.
اسم الأم كان موجودًا.
ليلى حسن.
همست
ليلى
وفجأة مريم شهقت.
أنا أعرف الاسم ده.
بصيت لها.
إزاي؟
قالت
أمي كانت بتتكلم عنها زمان.
مين كانت؟
مريم سكتت.
وبعدين قالت
كانت موظفة عند جدك.
عمر قلب باقي الأوراق بسرعة.
وفجأة لقى تقريرًا طبيًا.
هنا مكتوب إن ليلى توفت بعد الولادة بأيام.
سألت
طب ليه جدي أخدني؟
كريم بدأ يقرأ.
ثم رفع عينه.
عشان أبوكي كان رافض يعترف بيكي.
اتجمدت.
أبويا مش أبويا؟
عمر قال
حسب الورق لا.
فتحت عيني.
يعني إيه؟
كريم قرب مني.
والدك البيولوجي هو
قبل ما يكمل، ظهر رجل مسن من آخر الممر.
وقال
أنا أعرف مين هو.
اتجه ناحيتنا ببطء.
كان عاملًا قديمًا في المستشفى.
قال
أمك كانت بتحب واحد من عيلة الشامي.
نظر الجميع إلى عمر.
لكن الرجل هز رأسه.
مش الأستاذ عمر.
ثم أضاف
كان أخوه الأكبر.
أحمد اتجمد.
أخويا؟
الرجل أومأ.
والدك الحقيقي هو والد أحمد.
ساد الصمت.
بصيت لأحمد.
كان مصدومًا مثلي تمامًا.
عمر قال
يعني نهى وأحمد
الرجل قاطع كلامه
إخوات من الأب.
أحمد رجع خطوة للخلف.
أما أنا، فحسيت إن كل شيء انهار فوق رأسي.
كل المشاعر.
كل السنوات.
كل الخداع.
كل الخطة.
اتضح إن الحقيقة كانت أصعب من أي شيء تخيلته.
لكن الرجل أخرج ورقة أخيرة وقال
في حاجة تانية.
فتحتها.
كانت نتيجة تحليل قديم.
لكنها لم تكن لي ولأحمد.
كانت بيني وبين كريم.
حدقت في النتيجة.
ثم رفعت عيني لأخي.
إيه ده؟
كريم بدأ يبكي.
كنت عارف إن في حاجة غلط.
عمر أخذ الورقة.
وبعد لحظات قال
النتيجة بتثبت إن كريم هو أخوها البيولوجي.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
كريم قال
إحنا إخوات من الأم.
مريم وضعت يدها على فمها.
أما أحمد، فكان واقفًا مصدومًا.
وفجأة فهمت كل شيء.
جدي لم يكن بيحاول يحميني من أبي فقط.
كان بيحاول يحميني من عيلة كاملة كانت مستعدة تستخدم حياتي وفلوسي.
والأهم
أحمد نفسه لم يكن يعرف الحقيقة كاملة.
بعد أيام، ظهرت كل المستندات أمام الجهات المختصة.
اتثبت تزوير توقيعي، والتحويلات المالية، ومحاولات الاستيلاء على أموالي.
أبويا وأبو أحمد تم توقيفهما للتحقيق، ومريم قررت تتعاون مع التحقيقات.
أما أحمد، فاعترف بكل اللي عمله.
لكن اعترافه ما رجعش الخمس سنين اللي ضاعوا.
ولا رجع الثقة اللي راحت جوايا.
انتهت علاقتي بيه نهائيًا.
وفسخت الخطوبة.
أما فلوس الفرح، فما صرفتش منها جنيه على الحفلة اللي كنت بحلم بيها.
استخدمت جزءًا منها في تأسيس مشروع صغير باسمي.
وبعد شهور، بدأت حياتي من جديد.
وفي يوم افتتاح المشروع، وقف كريم جنبي وقال
جدي كان عارف إنك أقوى مما تتخيلي.
ابتسمت.
وأنا كنت فاكرة إن أكبر مشكلة في حياتي إني اكتشفت إن خطيبي كان مخبي عني حياة كاملة.
ضحكنا.
طلعتِ غلطانة.
بصيت له.
أيوه.
ثم نظرت للسماء وقلت
بس يمكن أحسن حاجة حصلتلي إني اكتشفت الحقيقة قبل ما أخسر نفسي.
ومن يومها، بطلت أندم على الفلوس اللي راحت.
ولا على الفرح اللي ما حصلش.
ولا حتى على الخمس سنين اللي عشتها مع رجل كنت فاكرة إنه بيحبني.
لأني في النهاية اكتشفت شيئًا أهم
أحيانًا أكبر صدمة في حياتك مش هي اللي تكسر قلبك لكنها اللي تكشف لك مين يستحق يفضل
فيها، ومين لازم يخرج منها للأبد.
تمت
حكايات محمد عبده