أخت جوزي بتكرهني ج2...... منى السيد

لمحة نيوز

الفصل الثالث 
التاكسي كان بيشق زحمة شارع فيصل بالعافية، وصوت الكلاكسات برة كان عامل دوشة تصدع الحجر، لكن جوايا كان فيه هدوء غريب.. هدوء يشبه السكون اللي بيجي قبل العاصفة ما تقتلع الشجر من جذوره. كنت ساندة راسي على قزاز الشباك الساقع، وببص على وشوش الناس في الشارع؛ الستات اللي شايلين أكياس الخضار وراجعين بيوتهم مهدودين، والرجالة اللي خارجين من أشغالهم بيجروا رجليهم. افتكرت نفسي من كام ساعة بس، لما كنت مستسلمة للموت بالبطيء، حاطة وشي في المخدة وبقول يا رب خدني وريحني من التعب والهمدان.
كنت فاكرة إن التعب اللي في جسمي سببه نقص الحديد والأنيميا، بس في اللحظة دي فهمت إن نص التعب كان قهر، والنص التاني كان خذلان متخزن بقاله سنين. لما روح البني آدم بتتكسر وبتتساب لوحدها تعافر في ساقية مابتوقفش، الجسم بيعلن العصيان ويقع.
طلعت الموبايل من جيبي وفتحت المحفظة الصغيرة اللي شيلتها في عبايتي. اتأكدت من الورق قسيمة جوازي، بطاقتي الشخصية، وصورة عقد الشقة اللي أبويا الله يرحمه دافع نص تمنها وكاتبها باسمي واسم طارق، ورقم المتر رشوان محامي والدي القديم. خدت نفس طويل، وطلعت ورقة تانية كانت مطبقة أربع تّرباع.. وصل أمانة قديم بميتين ألف جنيه، كان طارق ماضيه لوالدي لما جه يفتح ورشة النجارة ومردش منه مليم، وكان أبويا مسامحه فيه عشان خاطري وبيقولي ده جوزك وأبو عيالك يا سمر، عيبه عيبنا ومالنا ماله. طلع مالنا مش ماله.. طلع مالنا مداس لمروة ولأخوها عشان يركبوا بيه على أكتافنا.
الساعة كانت تمانية إلا عشرة لما التاكسي وقف جنب محطة المترو. نزلت، وحاسبت الراجل، وبصيت على العمارة القديمة اللي على ناصية الشارع الجانبي. مدخل رخام أصفر باهت، ويافطة نحاس مطفية متعلقة على الحيطة مكتب المأذون الشرعي.. الأستاذ عبد الحميد الفقي.. الدور الأول.
طلعت السلم خطوة ورا خطوة. رجلي كانت خفيفة، مفيش الهمدان اللي كان بيخليني أزحف من الأوضة للصالة. الغضب كان بيضخ في عروقي طاقة عمري ما حسيت بيها من يوم ما ولدت التوأم. وقفت قدام الباب الخشب الكبير، كان موارب سِنة وصوت الضحك والهمهمات طالع من جواه.
قربت ودني بحذر. صوت مروة كان يلعلع، نبرة فيها انتصار وفرحة كأنها فاتحة عكا يا حاج جابر، والله العظيم طارق ده جوهرة، بكره تشوف وتعرف ذوقي، ده حتة سكرة ومبيكسرش كلمة، وبنتك هناء في عينيه الاتنين.. كفاية بس إنه داخل على شقة جديدة وناس نضاف يقدروا قيمته، مش زي الهم اللي كان غرقان فيه!
وصوت راجل كبير، رزين وفيه هيبة يا مروة يا بنتي، إحنا شارين الراجل عشان أخلاقه وسمعته في السوق، وأنا قولتله من الأول بنتي هناء متتعوضش، مطلقة من سنتين وملهاش عيال، والحمد لله مستورة ومكتفية، بس عايزين راجل يسندها ويصونها، ومفيش مانع يساعدها في الحضانة وشغلها.. بس يا طارق يا ابني، إنت قولتلي إنك مخلص كل أمورك مع مراتك الأولانية ومفيش بينكم غير ورقة الطلاق اللي هتطلع قريب؟
سكتوا ثانية، وسمعت صوت طارق.. صوته اللي كان بيترعش سِنة بس بيحاول يبان واثق يا حاج جابر، يشهد ربنا إن الموضوع منتهي على الورق وفي الواقع.. هي ست مريضة وأهلها استلموها وعايشة مع عيالها في الشقة، وأنا متكفل بمصاريفهم كاملة ومش مقصر، ومفيش أي مشاكل هتعكر صفونا.. إحنا هنا عشان نفتح صفحة جديدة على سنة الله ورسوله.
على بركة الله.. هات يا ابني البطايق ودفتر الجوازات يا أستاذ.
هنا، مديت إيدي على أوكرة الباب. زقيت الباب بكل قوتي.
الباب خبط في الحيطة ورا برزعّة خلت كل اللي في المكتب يتنطروا من أماكنهم. وقفت في نص العتبة. عبايتي السودة مفرودة، طرحتي مظبوطة، وشي ممسوح منه أي ذرة خوف، وعيني جت في عين طارق مباشرة.
السكوت نزل على الأوضة كأن حد رمى مية متلجة فوق روسهم. طارق كان قاعد على كرسي جلد قدام مكتب المأذون، لابس بدلته الرمادي القديمة اللي كان متجوزني بيها بس كاويها على السنجة، ومفرود قدامه دفتر المأذون، وفي إيده القلم.. وفي جيب الجاكيت علبة القطيفة الحمرا كانت طرفها باين!
جنبه كانت قاعدة مروة، لابسة فستان سواريه نبيتي وطرحة دهبي وحاطة ميكب كامل كأنها العروسة، والناحية التانية قاعدة واحدة تلاتينية وشها مليان وبيضاوية، لابسة فستان بيج شيك وساكتة هناء، وجنبها راجل بستينات العمر دقنه بيضا ولابس جلابية صوف ونضارة قراءة الحاج جابر، ووراهم اتنين رجالة شكلهم شهود وقرايب.
مساء الخير يا عرايس.. جيت في وقتي ولا اتأخرت على كتب الكتاب؟
صوتي طلع هادي، هادي لدرجة تخوف، مفيهوش زعيق ولا شتيمة، بس كان طالع من بير غويط مليان نار.
مروة وشها جاب ألوان الطيف كلها في ثانية، وقفت واتلجلجت، شنطتها وقعت من إيدها على السجادة س.. سمر؟! إنتِ.. إنتِ بتعملي إيه هنا؟ وجيتي إزاي؟!
طارق القلم فلت من صوابعه ووقع على الدفتر، وشه اتقلب رصاصي كأنه شاف الموت بعينيه. قام وقف وركبه بتخبط في بعضها، لسانه كان متلجم ومش عارف ينطق حرف س.. سمر.. إنتِ.. مين قالك..؟
مين قالي؟ دخلت خطوتين لجوة، وقفلت الباب ورايا بهدوء وسندت ضهري عليه، وربعت إيديا. قالي طقم الدهب اللي بتسعة وسبعين ألف جنيه، اللي مستخبي ورا الكنبة المكسورة اللي الحيطان بتصرخ منها يا ست
 

تم نسخ الرابط