جوزي عنده محل بقالة في بيت عيلة 2 .... اماني سيد

لمحة نيوز


لو الهواء طير بسكوتة، هيعرف مين اللي طيرها.
حماتي كانت هتشل من الغيظ، عيونها كانت هطق من مكانها، بصتلي بشر وقالت ماشي يا سمر.. والله لأخلي جمال يطلقك ويرميكي في الشارع، وهحرمك من عيالك، ومش هخليكي تدوقي طعم الراحة في البيت ده أبداً!
رديت عليها بمنتهى الهدوء لما جمال يتصل الأول ويسأل على عياله اللي ميعرفش بيتعشوا إيه، يبقى يحلها الحلال.. اتفضلوا بقى عشان بنرص المحل وعندنا شغل وزباين واقفة.
خرجوا يجروا ديل الخيبة وراهم، وطلعت الشارع كله بيتفرج عليهم بعد ما كانوا فاردين عضلاتهم عليا ومفكرين إني ضعيفة وماليش ضهر.
بدأت مرحلة جديدة في حياتي، مرحلة مفيهاش نوم ولا راحة. كنت بصحى الساعة خمسة الفجر، أصلي وأجهز لقمة لعيالي وألبسهم للمدرسة، وأنزل أفتح المحل من ستة الصبح قبل ما العمال والموظفين ينزلوا. بدأت أعمل عروض على البضاعة، وأجيب حاجات طازة وطلبات بيوت بتطلبها ستات المنطقة بالاسم، بقيت أتعامل مع الزباين بضحكة صافية وبأمانة خلت كل زبون في الحارة يفضل يشتري مني وميروحش للسوبر ماركت الكبير اللي على أول الشارع الرئيسي.
اليوم كان طويل ومتعب، رجلي كانت بتورم من الوقفة، وعيني بتوجعني من الحسابات والتدقيق، بس كل قرش كنت بحطه في الدرج كان بيطفي نار القهرة اللي كانت جوايا. كنت باخد نصيب المعلم شوقي اليومي وأحطه في خزنة مقفولة، والنصيب التاني أدور بيه البضاعة اللي بتخلص، وأخر اليوم أطلع مصروفي ومصروف عيالي بالحلال.
بعد أسبوعين اتنين بس، بدأت حماتي وسلايفي يحسوا بالحصار. كانوا متعودين على الرفاهية والراحة وأكل الجاهز على قفا الدكان، فجأة ملقوش باكو شاي يدخل شقتهم إلا بفلوس. محروس بقى يدور على قروش السجاير في جيوب هدومه القديمة، وسلايفي اتزنقوا في مصاريف ولادهم ومبقوش يلاقوا المنظفات والبامبرز ببلاش. نزل محروس في يوم بالليل وحاول يسايسني، دخل المحل وهو منزل راسه في الأرض وقال سمر.. هاتي بس علبة سجاير كليوباترا، وأنا وحياة أمي هحاسبك عليها بكرة الصبح أول ما أقبض من الورشة.
بصيت له وقولتله بحزم السجاير هناك أهي يا محروس، تمانية وخمسين جنيه على الترابيزة، تاخد العلبة، ممعاكش، انزل هات من غيري، أنا مراقبة بالكاميرا وعهدة المحل مش بتاعتي.
ضرب الأرض برجله وخرج وهو بيشتم في سره، وأنا حسيت براحة مكنتش حستها من سنين.. حسيت إن كرامتي اللي اتهانت في التراب رجعتلي تالت ومتلت.
في نص الشهر التاني، كانت الأمور استقرت جداً. المحل بقى بيحقق مبيعات خيالية لأن بضاعتي كانت دايمة وطازة ومسحوبة على طول، وسددت للمعلم شوقي أكتر من نص الدين القديم، والمعلم شوقي بقى يحترمني جداً وبيعتبرني شريكته مش مجرد مديرة، وبقى يقول للحاج إبراهيم في الفرن الست دي بمية راجل، دي بتدير المحل أحسن من جوزها اللي سافر وفشل!
وفي ليلة من الليالي، كنت قاعدة بحسب حسابات نهاية الأسبوع، والمحل كان هادي والشارع بدأ ينام، وفجأة تليفوني رن.. بصيت على الشاشة لقيت الرقم الدولي، رقم جمال.
قلبي دق دقة واحدة بس مش من الخوف، من القوة اللي بقيت حاسة بيها. فتحت الخط ومردتش، استنيته هو يتكلم.
صوته جه من الناحية التانية، بس مكنش نفس الصوت المتكبر اللي كلمني من شهرين، صوته كان مكسور ومخنوق وفيه ذل الدنيا الو.. أيوة يا سمر.. أنتي عاملة إيه؟ وعيالي عاملين إيه؟
رديت ببرود تام كويسين، عايشين، بناكل وبنشرب ومستورين بفضل الله ثم بفضل شقايا وتعبي.
سكت شوية وقال بصوت واطي أمي كلمتني، ومحروس كلمني، وسلايفك قالوا كلام كتير.. قالوا إنك بهدلتي أهل بيتي، ودخلتي المعلم شوقي في المحل، وغيرتي اليافطة، وكتبتي وصولات على نفسك، ومبقيتيش تحترمي حد فيهم، ده حقيقي يا سمر؟
ضحكت ضحكة سخرية صغيرة، ضحكة وجع، وقولتله أمك مقالتلكش إنها نهبت المحل وكانت السبب إن التاجر يجي يهددني بالحبس ويهددك بالنيابة بسبب الشيكات اللي أنت ماضيها على بياض؟ أخوك مقالكش إنه مد إيده عليا وكان عايز يضربني في الشارع عشان علبة سجاير؟ مقالولكش إنك كنت سايبني بستلف من الجيران عشان أأكل عيالك عيش حاف وأنت قافل تليفونك ومش سائل؟
جمال بلع ريقه وقال بنبرة مليانة كسرة أنا آسف يا سمر.. أنا هناك اتبهدلت، الشغل طلع نصب والفيزا اللي خدتها طلعت فيزا سياحة ومش لاقي شغل ثابت، وكنت شغال في مطعم باليومية وبنام في سكن مشترك على الأرض، وكنت مكسوف أقولك إني فاشل وممعاييش أبعت مليم.. والله العظيم كنت بتعذب، بس مكنتش متخيل إن أهلي يعملوا معاكي كده.
قولتله وأنت مصدقتش كلامي ليه لما استغثت بيك؟ ليه قولتلي أمي خط أحمر والقرشين اللي بياخدوهم بركة، وليه قولتلي متذلينيش بوقفتك في المحل؟ أنت رمتني في النار يا جمال، رمتني لسباع جعانة في بيت أهلك، وكانوا هيدفنوني بالحيا، بس أنا مطلعتش ضعيفة زي ما كنتم فاكرين.
جمال بدأ يعيط على التليفون، راجل طول بعرض بيبكي في غربته من الندم أنا غلطان يا سمر، غلطان بحق السما والأرض.. حقك على راسي، سامحيني، أنا راجع مصر الأسبوع الجاي، حجزت تذكرة عودة بالقرشين اللي حوشتهم من مرمطة المطعم، هرجع وأقف معاكي في المحل وأحطك تاج على راسي وأعرف أهلي مقامك.
خدت نفس عميق، وبصيت للأرفف المليانة بضاعة، وبصيت لدفتر الحسابات، وقولتله بصوت قاطع مفهوش ذرة تردد ترجع تنور بلدك يا جمال، عيالك
مشتاقين لأبوهم.. بس اسمع الكلمتين دول كويس عشان تبقى عارف رجلك هتنزل على إيه.. المحل ده مش محلك لوحدك بعد النهاردة، المحل ده أنا سددت نص ديونه من لحمي ودمي، والمعلم شوقي عامل عقد إدارة معايا أنا باسمي وبطاققتي، ومالكش فيه غير النصيب اللي يخص دينك، وأهلك خط أحمر عندك، لكن عندي أنا مبقاش ليهم وجود.. اللي عايز منهم حاجة يدفع تمنها، وإيدك لو اتمدت تديهم قرش من غير حساب، أنا هصفي نصيبي وأسيبلك المحل بديونه وهاخد عيالي وأمشي.. وشقتنا اللي فوق، مفيش مخلوق من أهلك هيدخلها ولا يكسر خاطري بكلمة، والكلمة الأولى والأخيرة في رزق ولادي هتبقى ليا أنا.. وافقت، أهلاً بيك في بيتك.. موافقتش، يبقى ورقة طلاقي توصلي مع شنطة هدومك من المطار.
جمال اتصدم من قوتي، كان متعود على سمر الطيبة المسالمة اللي بتقول حاضر ونعم، سكت للحظات وعرف إن الست اللي سابها وراه اتغيرت للأبد، وإن الضعف مات وخلى مكانه ست فولاذية حمت بيته وشرفه واسمه من السجن.
قال بصوت مبحوح موافق يا سمر.. موافق على كل اللي تقوليه، أنتي اللي حميتي بيتي لما أنا رميته، والكلمة كلمتك والشورة شورتك.
قفلت التليفون معاه، بصيت للسما ودمعة نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دمعة قهرة ولا ذل، كانت دمعة فخر ونصر.
قفلت باب الصاج بتاع المحل، ولفيت القفل الحديد الكبير وسمعت صوت التكة بتاعته بترن في الشارع، تكة قفلت على أيام الضعف والخوف، وفتحت باب لحياة جديدة مبنية على الكرامة، والوقفة الصح، وإن الحق عمره ما بيضيع لو وراه صاحب حق بيعرف يحارب وميستسلمش. طلعت شقتي لعيالي، نمت جنبهم وأنا حاطة راسي على المخدة، مرتاحة ومطمنة، وعارفة إن بكرة شمس جديدة وطالعة عليا وحدي.. شمس العزة اللي مبقتش محتاجة لحد عشان تنور طريقي.

 

تم نسخ الرابط