رجعت أجري اول ما سمعت صرخة طفلين توأم

لمحة نيوز


كلّها، وبيستخدم الفلوس دي في مشاريعه من غير ما حد يعرف. ولما واجهته بالحقيقة.. غضب مني جداً، وقال لي إنّي ولده وما ليش حقّ أطالبه بحاجة، وإنّ كل حاجة باسم العيلة تبقى باسم الكبير.
يوم مات أبونا، وجدنا المفتاح اختفى! سليم اتهمني إني سرقته، وقال إنّي عاوز آخذ كل الورثة لوحدي. حاولت أبرّر نفسي، بس ما صدقني حد. وفي نفس الليل، هاجمني هو وعمر مع بعض، ضربوني وقيدوني، وقالوا إنّهم هيسلّموني للناس كلصّ ويخلّوني أدفع التمن غالي.
أنا هربت منهم في الظلام.. ركبت العربية وطلعت أجري، وكنت خايف يلحقوني، فمشيت في الطرق الجانبية اللي ما حدش بيمشي فيها. وفي الطريق.. اكتشفت إنّ المفتاح كان فعلاً معايا! مش عارف إزاي.. ممكن يكون أبونا هو اللي حطّه في جيبى قبل ما يموت، عشان يضمن إنّه يوصل للي يستحقّه حقاً.
من ذلك اليوم وأنا بعيش باسم مستعار.. اخترعت اسم سليم تكريماً لما كان مفروض يكون أخي، وقلت لنفسي ربما يتغير ويرجع لصوابه. بس هو ما نسينيش.. بعت ورايا عيونه كتير، وتتبّع أثري لحد ما وصلوا للمنطقة دي. واليوم.. كانوا ورايا في الطريق، حاولوا يوقفوني بالقوة، وده سبب انقلاب العربية في الترعة! هم اللي دفعوني.. هم اللي حطّوا حياتي وحياة الولاد في خطر!
سكت شويّة، ودمعة نزلت على خده المغطّى بالتراب والدم، ثم أكمل بصوت مرتعش
الولاد دول.. يا ليلى.. دول مش ولادي. دول ولاد خالتى اللي ماتت قبل شهر، ووصّتني أكون حارس لهم لحد ما يكبروا ويقدروا يستلموا حقّ أمهم اللي سليم وعمر بيحاولا ينهبوه. أنا كنت مسافر بهم عشان أودّيهم لشخص نثق بيه.. عشان أحميهم منهم.. وهم عاوزينهم عشان يضغطوا عليّ، ويجبروني أسلّمهم المفتاح، وبعدين..
ما كمل الكلام، بس عينيه قالت كل حاجة وبعدين.. هنكون كلّنا في عداد المفقودين.

الفصل الثاني الحصار والخطر القادم
الخبطات رجعت تاني، وأقوى من قبل، وصوت عمر طلع برّا آخر إنذار يا ليلى.. العدّ خلاص! إما تفتحي وإلا نكسر الباب!
ليلى بصّت للمفتاح اللي في إيدها، وبصّت لسليم لكريم اللي واقف قدامها بكل ضعفه، وسمعت صوت الولاد اللي بدأوا يبكوا جوا الحجرة التانية، خوفاً من الصوت العالي. في اللحظة دي، عرفت إنّها مش هتسلّمهم.. لا هي ولا الأمانة اللي بين إيديها. هي كانت أرملة، عاشت حياتها بتكافح لوحدها، ما خضعتش لأحد، وما سمحتش لأي حد يأخذ حقّها أو حقّ من تحت حمايتها.
كريم.. اسمعني كويس قالت وهي بتقف بكل شموخ، وتحطّ المفتاح جيبها بثبات. أنا ما بعرفش حكايتك كلّها، بس اللي شفتوه بعينيّ.. راجل بيحاول ينقذ أطفال مش معاه دم، وبيحارب لوحده ضد ظلم عايش فيه سنين. وأنا مش هسيبهم يأذوك ولا يأذوا العيال دول. اتفقنا؟
كريم بصّ لها بدهشة، وعينيه امتلأت بالدمع دمع امتنان ما شعر به في حياته كلّها. ليلى.. ده خطر كبير.. دول ما عندهم رحمة.. ممكن يعملوا أي حاجة!
وأنا كمان ما عندي خوف من الحقّ ردّت عليه بثبات، ولفّت عشان تجمع كل ما ممكن يستخدموه للدفاع عن البيت. البيت ده بيتي.. واللي جايين يهددوا ناس تحت حمايتي.. يطلعوا من هنا إما أقدامهم مكسورة أو رؤوسهم مرفوعة بالحقّ! شوف أنت فين تقدر تخبّي الولاد.. وأنا أجهّز لهم الاستقبال اللي يستحقّوه!
بسرعة، كريم ركض لغرفة النوم الخلفية، وفتح باب السقيفة الصغيرة اللي في السقف مكان مخفي ما حدش بيعرفه غير أهل البيت ووضّع الولاد جواها، وأوصاهم يهدأوا ويصمتوا مهما سمعوا أصوات. نزل بسرعة، ولقى ليلى مسلحة بمديّة حادة كانت تستخدمها في الجبن، وعصا خشبية ثقيلة من خشب الزيتون. أخذ العصا منها، وقف بجانب الباب، وجراحه بتألمه بس ما كانش يهمّه.
لو دخلوا.. أنا أصدّهم من هنا قال لها. وانتِ اروحي ورا.. لو حصل أي حاجة، اهربي بالمفتاح والولاد.. واوصلي لبيت الشيخ عبد الرحيم.. هو صديق قديم لي، وهو اللي حددلي المكان ده.. هو اللي هيساعدك.
ما هرُبش من غيرك ردّت عليه بصرامة. إما نخرج كلّنا أو نموت كلّنا! وصلنا؟
قبل ما يردّ، سمعوا صوت تكسير الباب الخشبي القديم.. المفصّلات بدأت تتنزّع، والباب بيتمايل يمين وشمال تحت الضربات المتتالية.
استعدّوا همس كريم، وقلبه بيدق.. بس المرة دي، مش خوفاً على نفسه خوفاً على ليلى وعلى الولاد اللي ائتمنوه عليهم.
الباب انفتح فجأة بضربة قوية، ودخل سليم أولاً.. بملابسه الفاخرة الملوّثة بالطين، وعينيه بتلمع بالغضب والطمع، وراه عمر اللي كان أطول وأعرض، ووجهه قاسٍ بلا أي تعبير.
قلنا لكم ما حدش يتأذى قال سليم وهو بيدخل خطوة بخطوة، وبصّ لليلى باحتقار. بس انتو اللي اخترتوا الطريق الصعب. فين المفتاح يا كريم؟ سلّمه لي وخلّصنا.. وهديّ الفلوس دي كلّها هتخليك تعيش مرتاح لباقي حياتك.
الفلوس دي مش لك ردّ كريم بصوت عالٍ، واتقدّم خطوة قدام ليلى. دي حقّ ناس تانية.. دي حقّ الولاد وحقّ اللي اتظلموا سنين! وأنت عارف كويس إنّ أبونا ما كانش يقصدك بيها أبداً!
سليم ضحك بصوت عالٍ، ضحكة سخرية واضحة وأنت بقى اللي عرفت مقصود أبوك؟ أنا الكبير.. كل حاجة لي! واللي معاه المفتاح بيكون معاه الكل! سلّمه لي قبل ما أكون قاسٍ معاكِ يا ستّ الحاجة.. وبصّ لليلى بنظرة تهديد.
ليلى ما خافتش.. اتقدّمت هي كمان خطوة، وقالت بكل صلابة المفتاح ده مش معاه.. معايا! واللي عاوزه ياخده.. ياخده من جثتي!
عمر اتقدّم بسرعة ومسك ذراعها بقوة، وسحبها ناحيته، وسليم ضحك وقال كده أسهل.. خليها تخلّف المفتاح وإلا..
ما كمل كلامه، لأنّ كريم انقضّ على عمر بالعصا الخشبية وضربه في كتفه، فأفلت ليلى بصيحة ألم. سليم هجم على كريم، واتصارعوا مع بعض على الأرض.. كريم مجروح وضعيف، وسليم قوي وغاضب، وكل ثانية بتمرّ والوضع بيزيد خطورة.
اهربي يا ليلى! خد الولاد واهربي! صرخ كريم وهو تحت سليم اللي كان بيضربه بكل قوته.
ليلى بصّت حولها بسرعة.. شافت المفتاح وقع من جيبها في وسط الصالة، وسليم شافه كمان ومدّ إيده ياخده. هي ركضت، وقبل ما يلمسه، خبطت يده برجلها، والتقطته بسرعة، وركضت ناحية السلم اللي بيطلع للسقيفة.
تعالى هنا يا حيوانة! صرخ عمر وراها وركض وراها. هي طلعت السلم بسرعة، وقفلت الباب وراها بالمزلاج الخشبي الثقيل، وسندت جسمها عليه، وهي بتسمع الضربات تتهالك عليه من تحت.
فتحت باب السقيفة بسرعة، وشافت الولاد لسه نائمين من التعب، حمدت ربّها في سرّها، ووقفت تتنصّت.. سمعت صوت الكلام والصياح تحت، وسمعت صوت كريم وهو بيصارع عشان يمنعهم يصعدوا.
كانت محاصرة.. فوق، مع طفلين صغار، ومفتاح ثمين، ورجالة قاسية جايين يأخذوها.. وما معهاش أحد غير ربّها ونفسها.

الفصل الثالث الجذور والحقّ الضايع
الليل كان طويل ومظلم، والعاصفة ما زالت تضرب السقف بلا هوادة. ليلى كانت واقفة جنب فتحة السقف، والمفتاح في إيدها، بتسمع كل كلمة بتتقال تحت.
المفتاح معاها في فوق! صرخ سليم. اكسر الباب يا عمر.. خلّني أجيبها بنفسي!
كريم ما بيسمح لي ردّ عمر بصوت عصبي. هو متمسك بالسلم ومش بيخلّي حد يعدّي.. يلا نضربه ونخلّص!
إياك! صرخ كريم بصوت مجروح. أخوك.. دمي في دمك.. إزاي تقدر
 

تم نسخ الرابط