رجعت أجري اول ما سمعت صرخة طفلين توأم
تقول كده؟!
أخوك؟ ردّ سليم ببرود. أنا ما عنديش أخ يسرق حقّي.. اخلع عليه يا عمر.. خلّه يتنحّى!
ليلى سمعت صوت ضربة قوية، وصوت كريم اللي أنين بصوت خافت، فدمها غلي في عروقها. ما هيش مجرد خوف.. هي غضب على الظلم اللي شايفه قدّام عينيها. فتحت الشباك الصغير اللي بيطلّ على الخلفية، بصّت تحت.. المطر نازل بغزارة، والأرض موحلة، بس المسافة مش كبيرة لو قفزت بحذر. بس تسيب كريم تحت أيديهم؟ مستحيل.
بصّت للمفتاح.. وبصّت للولاد اللي بدأوا يصحوا ويبكوا بصوت خافت. وفجأة.. تذكّرت حاجة! تذكّرت كلام كريم قبل ما يطلعوا الشيخ عبد الرحيم.. هو اللي عرفني بالمكان ده.. هو صديق أبونا القديم.. وعايش في الطرف التاني من القرية.
نزلت ببطء، فتحت الباب شويّة من فوق، وصوتها طلع حازم وصل لهم كلّهم اسمعوني كويس.. المفتاح معايا.. وأنا مش هسلّمه لحد غير اللي يستحقّه! سليم.. أنت بتقول إنّ كل حاجة لك.. طيب تعالى نروح مع بعض لشيخ عبد الرحيم.. هو اللي يحكم بيننا.. ونشوف مين اللي على الحقّ!
سليم ضحك بصوت عصبي أنا مش محتاج حكم حد.. الحقّ معايا من غير ما أحد يقول لي!
إذًا ليه خايف تروح؟ ردّت ليلى بسرعة. لو الحقّ معاك، هتاخد كل حاجة قدام الكل.. وتبقى بريء! وإن ما رضيتش.. فده معناه إنّك عارف إنّك غلط.. وإنّك مش عاوز غير تنهب حقّ الغير!
سليم تردّد.. هو عارف كويس إنّ الشيخ عبد الرحيم كان صديق والده، وعارف كتير من أسرار البيت الكبير. لو رفض، الكل هيعرف إنّ عنده حاجة يخفيها.
ماشي.. قال أخيراً بلهجة حادة. هنروح.. بس متأكدة إنّك هتندمي على الكلام ده! وإن رجعت وما لقيتش المفتاح.. هتشوفي مني يوم أسود!
سمعت خطواتهم بتبعد.. وسليم قال لعمرو روح وراهم.. ما تسيبهمش يختفوا.. لو حصل أي حاجة، نعرف نرجع نجيبهم!
ليلى تنهدت براحة بس ما استسلمتش للراحة.. جمعت الولاد في بطانية سميكة، ونزلت السلم بهدوء لقت كريم ملقى على الأرض، جبينه منزوع الدم، وحركته ثقيلة. قعدت جنبه، مسحت الدم عن وجهه بكمّها، وقالت بهدوء قوم يا كريم.. ما نقدرش نبقى هنا.. لازم نمشي الحين قبل ما يغيروا رأيهم.
فتح عينيه ببطء، بصّ لها بضعف ليلى.. ما تروحيش معاهم.. دول نذلّين.. هيخدعوكِ..
مش هخدع ردّت وهي تساعده يقف على رجليه. أنا ماشية ورا الحقّ.. والحقّ بيحمي أصحابه. قوم معايا.. عشان نشوف النهاية مع بعض.
سندته على كتفها، وخرجوا من الباب الخلفي اللي ما حدش انتبه له، ومشوا في الطرق الوعرة وسط المطر والظلام.. الطريق للشيخ عبد الرحيم كان طويلاً، كل خطوة فيها تعب وألم، بس كان كل ما يهمّهم إنّهم يبتعدوا عن الخطر ويقتربوا من الحقيقة.
الفصل الرابع المفتاح والخزنة المخبأة
وصلوا لبيت الشيخ عبد الرحيم بعد مشي ساعة كاملة، المطر ما زال ينزل، وملابسهم غارقة بالمية والطين. البيت كان هادئاً، ومصابيح الزيت بتضيء بضعف، والشيخ نفسه راجل طاعن في السن، وجهه مشرق بملامح الصدق والوقار. لما شافهم، استقبلهم بترحاب، وعرف كريم من أول نظرة، فدمعت عينيه وقال جيت يا ولدي.. كنت منتظرك من زمان.. أبووك كان عارف إنّك هتجي يوماً.
دخلهم، أشعل لهم النار، وسخّن لهم الشاي، وطلب من زوجته تجهيز مكان للولاد ليرتاحوا. لمّا هدأت الأمور، بصّ الشيخ لكريم وقال أبوك ما كانش قاسٍ بطبعه يا كريم.. كان خايف. كان عارف إنّ سليم وعمر طماعين، وإنّهم ممكن يدمّروا نفسهم ويدمّروا العيلة كلّها عشان المال. فخبّى الحقائق عشان يحميكم.. والمفتاح ده سلمه لي قبل ما يموت، وقال لي لو رجّعته لي.. فده معناه إنّه وجد الشخص اللي يستحقّه.. وها أنت جيت.. ومعك من أثبت جدارته.
بصّ لليلى بابتسامة هادئة وأنتِ يا بنتي.. ما جيتيش صدفة.. الحقّ بيقود أصحابه حتى في ظلام العواصف.
في تلك اللحظة، دقّ الباب بقوة.. دخل سليم وعمر، وجههما محتقن من الغضب والمطر.
قولتلكم اجتمعنا هنا قال الشيخ بصوت هادئ لكنه حازم. والآن الكل موجود.. والوقت جاء لكشف كل مستور.
طلب منهم يجلسوا، وبعد ما استقرّوا، أخذ نفساً عميقاً وبدأ قبل عشرين سنة، كان حمدي أبوكم شاباً طموحاً طيّب القلب.. تزوّج بحبّ، ورزق بثلاثة أولاد. ثم توفّت زوجته في ولادة كريم، وتغيّر كل حاجة. انطوى على نفسه، وصار قاسياً ظناً منه إنّ القوة هي الحل. لكنه في أعماقه كان بيتمنى إنّ أولاده يكونوا أفضل منه.
أشار للمفتاح اللي في إيد ليلى المفتاح ده بيفتح خزنة حجرية موجودة تحت الأرض في البيت القديم.. اللي الكل بيتجنّبه. جوة الخزنة مش فلوس فقط.. جوة كل شيء الوصايا، العقود، والأوراق اللي تثبت حقّ كل واحد منكم.. وسرّ كنز العيلة الحقيقي.
قام الشيخ، وأخذ منهم المفتاح، وقال تعالوا معي.. الحقيقة تُعرف ولا تُخفى.
مشوا معاه في طريق ضيق ومظلم، لحد ما وصلوا لبقايا بيت قديم مهجور، محاط بالأشجار الكثيفة. في القاع، تحت حجارة ثقيلة، كانت البوابة الحجرية العتيقة.. نقش عليها رموز قديمة، وقفلها كبير جداً لا يفتح إلا بذلك المفتاح الصغير.
هنا كل شيء قال الشيخ، وأعطى المفتاح لكريم. أنت اللي تفتح يا ولدي.. لأنّه اختارك أبووك من بين الكل.
كريم أخذ المفتاح بيد مرتعشة، واقترب من القفل.. أدخله ببطء، وأدارّه.. صوت صرير خفيف، والباب انفتح ببطء كأنه يستيقظ من نوم طويل.
دخلوا جميعاً.. المكان واسع، مضاء بمصابيح قديمة ما زالت تعمل، والهواء نقي كأنّه لم يُغلق لقرون. في الوسط، كانت طاولة حجرية عليها صناديق خشبية ومجلّدات ورق عتيقة.
اقرأوا قال الشيخ وأشار لأوراق مفرودة بعناية في المقدمة. ده كلام أبوكم بخط إيده.
سليم اقترب بلهفة، وأخذ الورقة الأولى.. قرأ بصوت مرتعش
إلى أولادي الثلاثة.. إن كنتم تقرأون هذه الكلمات، فهذا يعني أنني قد رحلت، وأنّ المفتاح وصل لمن يستحقه.
لم أترك لكم ثروة لتتخاصموا عليها.. بل تركت لكم مسؤولية.
المال الموجود هنا ليس ملك أحد منكم بمفرده.. هو أمانة من أجدادكم جمعوها بجهد عمرهم، لتكون لخدمة أهل هذه الأرض.. لبناء مدارس، ومستشفيات، ومساعدة من ضاقت بهم السبل.
يا سليم.. أنت الأكبر، وكنت أتمنى أن تكون الحكيم.. لكنك أحببت السلطة أكثر من الخير، وكنت قاسياً على من حولك. لم أختارك لحمل الأمانة لأنّك لم تتعلم بعد أن المال وسيلة لا غاية.
يا عمر.. كنت تتبع الآخرين وتنسى نفسك.. ليس لك ذنب سوى أنك لم تجرؤ يوماً على قول لا للخطأ. عدّ مسارك قبل فوات الأوان.
يا كريم.. أنت لم تبحث عن المال يوماً، ولم تؤذِ أحداً.. ولهذا اخترتك. ليس لتملك، بل لتحمل المسؤولية.
وأخيراً.. من يظنّ أنّ هذا الكنز له وحده، سيجد في الصناديق الأخرى ما يوضح له الحقيقة كاملة.. ثروة العيلة الحقيقية كانت دائماً في توحّدكم، وليس في تنافسكم.
سليم وقع الورقة من إيده، وكأنّها أصبحت حجراً ثقيلاً.. بصّ حوله للصناديق اللي كان يتخيّل إنّها مليئة بذهب فقط، فوجد كتباً عن العطاء، وسجلات بمساعدات قدّمها أجدادهم للناس، ووصايا متتالية تؤكد أنّ المال للناس جميعاً.
مفيش ذهب؟ سأل بصوت مذهول. كل ده مجرد كلام؟!
الذهب اللي كنت تبحث عنه ما كانش هنا يا سليم قال كريم