خدامة برتبة زوجة ج1 ــــــ منى السيد

لمحة نيوز

الدنيا دي هيعملي اعتبار.
فجأة، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم. الخطوات كانت تقيلة وبطيئة... دي مش خطوات طارق. دي خطوات عمي، الحاج إسماعيل، أبو طارق.
الراجل ده طول عمره في حاله، صامت، ملوش في حوارات الحريم، بس كلمته سيف لما بينطق، وحماتي بتعمله ألف حساب وحساب، بس في نفس الوقت بتعرف تلعب بيه وتلوي الحقايق لصالحه من وراه.
الباب خبط، خبطات هادية ورزينة يا هدى... افتحي يا بنتي، أنا عمك الحاج.
اتنفست بعمق، مسحت دموعي بسرعة بطرحة الإسدال، وفتحت الباب. عمي كان واقف، راجل في أواخر الستينات، دقنه بيضا ولابس جلابيته الصوف وسبحته في إيده. كان باصص في الأرض باحترام، ولما رفعت عيني فيه، شفت في عينيه نظرة عتاب تقيل.
ادخل يا عمي، اتفضل.
دخل الصالة وقعد على الكنبة، حط إيده على ركبته وبصلي اقعدي يا هدى.
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وأنا منزلة راسي احتراماً لسنه ومقامه عندي، فالراجل ده بالذات مخرجش منه العيب معايا في يوم من الأيام.
خير يا عمي؟ طارق اشتكالك؟
الحاج إسماعيل هز راسه بأسى طارق مشتكيش لوحده يا بنتي... البيت كله مقلوب تحت. أمك فايزة ضغطها عالي، وقاعدة في الأوضة رافضة تاخد العلاج وبتقول كرامتي اتهانت في بيتي ومرات ابني ردت عليا الكلمة بعشرة. وأنا عمري ما شوفت البيت ده يدخله الزعيق والصوت العالي ده إلا من ساعة ما الحكاية دي حصلت الصبح.
بلعت ريقي وحاولت أكون هادية وحضرتك سمعت منها يا عمي... سمعت مني أنا؟
بصلي باهتمام وقال أنا جاي عشان أسمع منك. طارق نازل يزعق ويقول عايز أطلقها، وأنا مسكته وهديته وقولتله البيوت مبتهدش في ساعة ڠضب. قوليلي يا هدى، إيه اللي حصل يخليكي تقولي لأمه أنا مش متجوزة أهلك؟ الكلمة تقيلة يا بنتي، عيب تتقال من بنت أصول.
الكلمة تقيلة يا عمي لما تتقال في الهوا كده، بس لما تكون رد على تراكمات شهور، تبقى كلمة حق اتأخرت كتير. فتحت كف إيدي ووريتهاله شايف إيدي يا عمي؟ شايف التسلخات والدم اللي تحت الجلد؟ الروشتة دي بقالها تلات أسابيع الدكتور كاتبلي فيها مراهم كورتيزون وممنوع المسحوق والمية السخنة. ومع ذلك، عمري ما اتأخرت عن يومي تحت. بنزل أنضف وأطبخ من سكات. بس النهاردة، مش يومي أصلاً. النهاردة دور نورا. نورا عشان حامل، ربنا يتمملها على خير، حماتي نزلتني عشان أشيل شيلتها. نزلت، لقيت البيت خړابة، مش تنضيف عادي، ده هدد حيل. طلبت من مي تساعد، وطلبت من ماما تساعدني بالحوض بس وإيدي تعبانة، قامت قيامتي!
سكت شوية وبصيت في عينيه مباشرة حماتي قالتلي هو فيه إيه ليكي إنتي؟ إنتي جاية تنظمي البيت؟ هتوقفيني أغسل؟. يعني يا عمي، هي مستكتراني أطلب المساعدة، وعايزاني أشتغل لوحدي زي الخدامة، وهي وبنتها وسلفتي قاعدين يتفرجوا عليا! هل ده يرضي ربنا؟ هل الدين ولا العرف بيقول إن مرات الابن ملزمة تخدم البيت كله من الإبرة للصاروخ، ولو طلبت رحمة تبقى قليلة أدب وبتكسر كلام الكبار؟
الحاج إسماعيل فضل ساكت، صوابعه كانت بتتحرك على حبات السبحة بسرعة. كان واضح إنه مصډوم من التفاصيل، لأن حماتي نزلتله القصة بطريقتها هدى نازلة نافخة ريشها وبتأمرنا في بيتنا وبتعاير نورا بحملها وبتقولي إنتي تخدميني مش أنا اللي أخدمك!.
يا بنتي... بدأ يتكلم
بنبرة أهدى شوية فايزة أم، وليها حق الهيبة في بيتها، حتى لو غلطت في أسلوبها، الكبار لما يغلظوا، الصغيرين يطاطوا لحد ما الموجة تعدي. وإنتي عارفة طارق، دمه حامي وبيحب أمه لدرجة الهوس، لما سمع الكلمة اټجنن.
الموجة دي لو طاطيتلها النهاردة يا عمي، هتدوس على رقبتي بكرة. قولتله بحسم أنا طاطيت سنة ونص. طاطيت لما مفتاح شقتي كان بيتفتح من غير استئذان، طاطيت لما أهلي كانوا بيجوا يزوروني وتفضل حماتي قاعدة معانا متحركش كأنهم داخلين عليها هي مش عليا، طاطيت لما مصروفي كان بيتحاسب بالجنيه عشان طارق ميبقاش مقصر في حق البيت تحت. كل ده وقولت معلش، دول أهله وعيلته. إنما أتهان في صحتي وكرامتي ومطلوب مني أنزل أبوس الراس عشان أستسمحهم يخلوني خدامة؟ ده اللي مش هيحصل يا عمي، حتى لو كان التمن هو طلاقي.
الحاج إسماعيل اتنهد تنهيدة طويلة، وقام وقف يعني ده آخر كلام عندك يا هدى؟ مفيش نزول؟
أنزل أسلّم على حضرتك، وأقعد باحترامي في بيتك كمرات ابنك، أه. إنما أنزل أعتذر عن حاجة مغلطتش فيها، وأقف أفرك المطبخ تحت الذل؟ لا يا عمي، رجلي مش هتعتب السلم لتحت إلا وأنا عزيزة ومحترمة.
بصلي بنظرة غامضة، معرفتش هي احترام لقوتي، ولا زعل على عنادي. طبطب على كتفي بخفة وقال ربنا يهدي النفوس يا بنتي. خليكي في شقتك، وماتخرجيش منها. وأنا هشوف الحكاية دي هتخلص على إيه.
نزل عمي، وقفل الباب وراه. رجعت للصمت تاني. بس المرة دي، حسيت إن فيه شرخ كبر أوي تحت، وصوت الزعيق بدأ يعلى من جديد في شقة حماتي.
روحت وقفت جنب باب الشقة الموارب في الصالة عشان أسمع. صوت حماتي كان حاد ومجلجل، بتصرخ وتقول للحاج إسماعيل بقى البت دي تقعد فوق وتتشرط عليك يا حاج؟! بتقولك مش هتنزل إلا وهي عزيزة؟! دي طالقة لسانها على الكل! قولتلك من الأول جوازة فقر، بنت موظف غلبان عينيها فارغة ومصدقت لقت عيلة وعز! البت دي لو مكسرتش مناخيرها النهاردة، هتسوق طارق وتطردنا إحنا من بيتنا بكرة!
وسمعت صوت طارق، صوته كان متشنج، كأن أمه بتسخنه زي الڼار اللي بتتحط تحت الزيت أنا قولتلك يا أمي، والله ما هتبات في البيت ده إلا لو نزلت وباسِت إيدك ورجلك قدام الكل، وإلا ورقتها توصلها بكرة الصبح!
وسمعت صوت سلفتي نورا، النبرة المايصة الخبيثة اللي بتعرف تزرع بيها السم في العسل يا طارق يا حبيبي اهدا بس عشان صحتك، هدى طيبة بس تلاقيها نفسيتها تعبانة عشان ربنا لسه مأكرمهاش بالخلفة وشافتني حامل، عشان كده اتعصبت.. معلش اعذرها يا اخويا.
أول ما سمعت جملة نورا دي، حسيت بڼار ولعت في نافوخي! بتضربني في نقطة الخلفة؟! أنا وطارق متجوزين بقالنا سنة ونص، وروحنا للدكاترة وقالوا مفيش أي مانع طبي، مجرد وقت ورزق من عند ربنا! تقوم هي مستغلة اللحظة دي عشان تطلعني غيورة وحقودة وعيني فيها من حملها؟!
الخبث واللؤم ده مكنش ينفع يتسكت عليه. الحړب دلوقتي مبقتش حرب مين يغسل المواعين ومين ينضف السلم... الحړب بقت على شرفي، سمعتي، ونوايايا قدام الراجل اللي سلمته نفسي واسمي!
رجعت لورا، دخلت أوضة النوم، وسحبت شنطة السفر الكبيرة من فوق الدولاب. فتحتها على السرير ورزعتها. بدأت ألم هدومي... مش باڼهيار، ولا بعياط، بتركيز شديد ودقة مرعبة. حطيت عباياتي، طُرحي، أوراقي الشخصية شهادة تخرجي، قسيمة الجواز الأصلية اللي كانت معايا في الدرج، الذهب بتاعي كله اللي اشتريته بشقايا وشبكتي
اللي أهلي دفعوا نصها تقريباً في الاتفاقات القديمة.
وأنا بلم الهدوم، لقيت ألبوم صور الفرح. فتحته... شفت طارق وهو باصصلي بحب يوم الفرح، كان طاير بيا، كان واعدني إنه هيعوضني عن كل تعب، وإنه هيكون سندي وأماني. فين
تم نسخ الرابط