أول مرة هناء سمعت فيها الخبط، افتكرت إن السرايا القديمة بتزيق من كتر المطر والبرق اللي برا. تلات خبطات ورا بعض، خفاف خالص. تخ... تخ... تخ. وبعدها جه صوت طفل بيوشوش من ورا الباب الحديد: "بالله عليكِ.. مش هنقول لبابا والله، بنوعدك". هناء اتسمرت في مكانها تحت سلم البدروم، وكانت شايلة سبت مليان كاسات كريستال ضغطاه جامد بين إيديها ومن كتر الخوف حست إنه هيدخل في ضلوعها. فوقيها، كانت السرايا والعة بالأغاني والضحك، وناس من الأكابر اللي بيتبسموا بوجوه زي السكاكين، وتحتها، ورا باب تلاجة اللحمة الكبيرة المقفول بجهاز البصمة، كان في طفل بيبكي. لثانيتين اتنين، هناء حاولت تكدب عينيها ودماغها عشان تحمي نفسها من الرعب، قالت لنفسها إنها تلاقيه التعب من الشغل، وإنها بقالها ١٦ ساعة على رجليها، أو يمكن صوت الرعد برا هو اللي اتقلب في ودنها لصوت عيل صغير. أصل كل اللي في البيت كانوا بيقولوا لها من أول يوم رجليها عتبت المكان إن التوأم مسافرين في مدرسة داخلية نضيفة برا القاهرة عشان الأمان، لكن الصوت رجع تاني،
أضعف وبيتنفض من السعد: "ليلى مش راضية تصحى". في لحظة السبت وقع من إيد هناء، والكاسات اتدشدشت على الأرض مية حتة زي التلج، وفوق محدش حس بحاجة، المزيكا شغال والضحك عالي، ونرمين الهواري، اللي خلاص هتبقى ست البيت الجديدة، واقفة فوق تحت النجفة الكبيرة ماسكة كاسها وبتضحك ولا كأنها خافت في يوم من حاجة. هناء قربت من باب التلاجة، نفس طالع منها بيعمل بخار من الساقعة رغم إنها واقفة برا، الباب الحديد كان تقيل ومتلج والضوء الأخضر منور فوق جهاز البصمة، ومحدش ليه صلاحية يدخل هنا غير نرمين، الكل عارف كدة، وعارفين كمان إن محدش يسأل ليه واحدة زيها مبتطبخش ولا بتمسك مقشة، ومبتأكلش غير سلطة، محتاجة تتحكم في تلاجة لحمة قد بتاعة المطاعم الكبيرة. هناء حطت ودنها على الحديد المتلج، وسمعت الواد الصغير وهو بيشهق بالبكاء: "متمشيش وتسيبنا". وفي اللحظة دي، الخوف اللي جوة هناء اتحول لحاجة تانية خالص، اتحول لغل وحمو في صدرها، غل من النوع الساكت اللي بيمشي على قشر بيض ويقفل الباب وراه ويبدأ يخطط، لأن هناء دخلت السرايا
دي وهي محتاجة ومزنوقة في القرش، بس مش غبية. البنت عندها أربعة وعشرين سنة، طالعة من حتة بسيطة في أرياف المحافظات، وعارفة من صغرها إن الناس اللي فوق بيحبوا يذلوا الغلبان بفلوسهم. أخوها الصغير سيف عنده عشر سنين، وقاعد في مستشفى الأطفال في القصر العيني بيحارب مرض خبيث في الدم، وأمها متوفية، وأبوها طفش من سنين لدرجة إنها فاكرة شكل جزمته القديمة أكتر ما فاكرة ملامحه، كل وصل أمانة وكل فاتورة علاج كانت بتنزل عليهم زي الكرباج، والدكاترة كلامهم طيب بس الأرقام اللي بيطلبوها تِعجّز. عشان كدة وافقت على شغلانة المقيمة دي في سرايا كامل بيه المنشاوي، أكبر حوت في سوق العقارات وتجارة الأراضي، وافقت حتى بعد ما مكتب التشغيل حذرها إن كامل بيه بيحب السرية التامة وكل حاجة عنده بحساب، المرتب كان خيالي والمصاريف الطبية لأخوها اتدفعت فوري، والعقد كان فيه شرط جزائي يقطع الرقبة لو فتحت بؤها، بس هناء وقعت وبصمت من غير ما تفكر، كله عشان خاطر سيف. في أول صباحية ليها، مدير البيت فرجها على السرايا، تلات أدوار من الرخام
والنوادر ولوحات زيتية لناس ماتت من زمان بس صورهم تبص لها بوجع عين، السرايا كانت ورا بوابات حديد عالية وحواليها جاردات واقفين بين الشجر، الناس برا تعرف كامل المنشاوي إنه راجل أعمال تقيل وصاحب نفوذ، والرجالة اللي حاطين سماعات في ودانهم يعرفوا إنه راجل محدش يقدر يقف في وشه مرتين. هناء شافته لمح البصر أول يوم، كان طويل وعريض ووشه وسيم بس عليه هموم الدنيا، عينه كانت حادة، وبدلته تمنها يشتري عربية هناء، بس لما نرمين حطت إيدها اللي متزوقة بالماس على كتفه وقالت له إن الشغالة الجديدة وصلت، يدوب رفع عينه من على صورة كانت محطوطة على مكتبه، في الصورة كان في طفلين بيضحكوا، ولد وبنت، شعرهم أصفر وكيرلي، وسنانهم اللي قدام واقعة، وبيضحكوا من قلبهم. كامل قال بصوت واطي ونبرته اتغيرت خالص وبقت حنينة وهو باصص للصورة: "دول ولادي.. يوسف وليلى"، نرمين وشها قفش وقاطعت كلامه بسرعة قبل ما يكمل: "هم في المدرسة برة مصر دلوقتي، مكان أمان جداً، كامل ليه أعداء وولاد الناس اللي زيه لازم يتأمنوا كويس"،