اول مره هناء سمعت فيها الخبط
كامل بص للناحية التانية ومنظر الشباك، وهنا شاف بوضوح ومضة شك وخوف في عينه، قبل ما تليفونه يرن ونرمين تبتسم واللحظة دي تموت. من بعدها هناء عرفت الأصول، ممنوع تدخلي مكتب البيه إلا لو طلبك، ممنوع تتكلمي مع الحرس، ممنوع تلمسي الدواليب المقفولة في الممر الغربي، وممنوع تحت أي ظرف تنزلي السرداب القديم لأنه قايل للسقوط، والأهم من ده كله، إياكِ ثم إياكِ تضايقي ست نرمين وهي نازلة البدروم. نرمين كانت في أواخر العشرينات، من عيلة ارستقراطية قديمة بس فلست على أرض الواقع، جمالها من النوع اللي يخليك تسامح قسوتها قبل ما تفهم إنها قاسية، شعر فاتح وعيون ملونة وصوت زي الحرير، تلبس الستان على الفطار وتعيش دور الحزينة قدام كامل وعينها تدمع وهي بتتكلم عن ولاده وإنها هتبقى لهم أم بديلة لما الضيوف يكونوا موجودين، بس هناء كانت بتشوف نظراتها للشغالين لما تدخل المكان، وبتشوف إيد الطباخ وهي بترتعش لما نرمين ترجع الأكل وتقول عليه مش قد المقام، وبتشوف ضحكتها أول ما اسم كامل يظهر على الشاشة والسم اللي بيطلع من عينيها أول ما المكالمة
ياترى هناء هتعمل إيه لما تكتشف إن السر اللي مدفون تحت الأرض أكبر بكتير من مجرد عيال مستخبية؟ وهل الفلوس اللي هتنقذ أخوها تستاهل إنها تغمي عينيها عن جريمة مرعبة، ولا السرداب القديم هيبتلعها هي كمان قبل ما الشمس تطلع؟ الحكاية لسه بتبدأ، والجاى هيمشي على دقات القلوب.
في ليلة هادئة بعد أسبوعين من الاكتشافات الغريبة، هناء لقت نفسها واقفة قدام السرداب القديم، قلبها بين الخوف والغضب، والبرد بيقشر وشها، لكن المرة دي مش مجرد طفل مستخبي أو أصوات غريبة. كانت فاهمة إن
الهدوء اتكسر بصوت صرير حديد، وفتحت هناء الباب بحذر. السرداب مظلم بشكل يخطف النفس، بس في آخره كان في ضوء ضعيف، ضوء أصفر مخلوط بالغبار. لما وصلت، لقت غرفة صغيرة مخفية، مليانة أوراق قديمة، صور لأطفال من سنين، سجلات لعقارات مش قانونية، ودفاتر مالية فيها أرقام تذهل العقل. كل حاجة كانت دليل على تجارة الأطفال والمال القذر، وكلها كانت مرتبطة بطريقة مباشرة بأسماء كتير من نزلاء السرايا والضيوف.
وقفت هناء لحظة، دمها تقطّر من الخوف، بس الغضب كسبها. راحت لجهاز صغير فيه تسجيلات صوتية، ولقيت صوت الأطفال اللي اختفوا، بيحكوا حكاياتهم. يوسف وليلى كانو مجرد بداية، والست نرمين كانت جزء من النظام ده، بتغطي على كل حاجة. هناء حسّت إن قلبها وقع، بس في الوقت نفسه، كانت عارفة إن دي فرصتها تنتقم بطريقة ذكية وتطلع بالحقائق للنور، من غير ما تتورط هي نفسها.
بالفعل، في اليوم اللي بعده، هناء جمعت كل الأوراق والصور والتسجيلات ونسختها على فلاشة محمية. بعدها سلمتها لمكتب
الأيام مرت، وكل حاجة اتظبط: كامل بيه اتعرض للمساءلة القانونية بسبب الجرائم المالية واستغلال الأطفال، والست نرمين تم ضبطها، والعمال والموظفين اللي كانوا جزء من المؤامرة اتلقوا جزاءهم، لكن هناء ما ظهرتش، فضلّت شخص غير مرئي في الخلفية، بس قدرت تنقذ أخوها سيف، وتؤمنله علاج كامل، ومستقبل أفضل.
وفي النهاية، هناء رجعت لحياتها العادية، بسيطة، بعيدة عن القصور والفخامة، بس قلبها أقوى، وعارفة إنها ما خافتش بس، بل كانت ذكية وقوية بما فيه الكفاية إنها تواجه الرعب وتنقذه بالذكاء. السرايا الكبيرة فضلت واقفة كصورة من الماضي، لكن هناء بقيت حرة، وسيف أخوها أصبح بصحة أفضل، وحياتهم بدأت من جديد بعيد عن الظل المظلم اللي عاشوه.
وهكذا، أغلق الباب الأخير للسرايا، لكن قصة هناء تظل حكاية عن الشجاعة، والاختيار بين المال والضمير، وعن قوة الإنسان لما يقرر يقف في مواجهة الظلم.
النهاية