ابن اخويا

لمحة نيوز


إنك كنت فاكرني غبية وإن الذل ملوش آخر.
أمي أخيراً اتكلمت إحنا أهلك يا مريم.
بصيتلها والله العظيم الكلمة دي وجعتني أكتر من إهانة المطعم كلها.
قولتلها بصوت مبحوح لما ابن ابنك يقول عليا شحاتة وإنتِ تضحكي تبقي مش أمي.
الصمت نزل على المكان تقيل.
حتى مروان اللي كان مستخبي ورا أبوه، وشه اصفر. واضح إن أول مرة يفهم إن الكلام ساعات بيهد بيوت.
لكن سيد سيد كان لسه شايف إن الصوت العالي هينقذه.
زعق يعني هتسجنيني؟!
رديت بمنتهى الهدوء أنا معملتش حاجة القانون هو اللي هيشتغل.
وطلعت ورقة تانية.
الورقة دي كانت نسخة من بلاغ رسمي للمحاسب القانوني بتاع الشركة اللي سيد شغال فيها. بلاغ فيه كل حاجة التلاعب. الديون. الشيكات المؤجلة. واستخدام فلوس القرض في غير النشاط.
نهى صرخت إنتِ مجنونة!
قولتلها لا أنا صحيت.
أمي قعدت على الكرسي فجأة وهي بتقول هتفضحينا يا بنتي
ضحكت بمرارة الفضيحة مش لما الناس تعرف الحقيقة الفضيحة لما أم تبيع بنتها عشان ابنها.
وساعتها رن تليفون سيد.
كان رقم مديره.
رد بثقة في الأول لكن وشه بدأ يتسحب حتة حتة.
إيه؟ دلوقتي؟ بس يا فندم افهمني
وسكت.
وبعدين بصلي. النظرة دي عمري ما هنساها. نظرة واحد حس لأول مرة إن الأرض بتتهز من تحته.
قفل المكالمة بيد مرتعشة.
نهى جريت عليه في إيه؟!
بلع ريقه وقال الشركة جمدت حساباتي وعايزيني أسلم العربية التانية كمان.
مروان بدأ يعيط.
وأمي حطت إيدها على قلبها.
أما أنا فروحت ناحية الباب وفتحته بهدوء.
وقولت الزيارة انتهت.
سيد بصلي بكره عمره ما باين قبل كده وقال إنتِ بتنتقمي.
هزيت راسي بالنفي.
لا يا سيد أنا بس بطلت أدفع تمن إهانتي.
ولأول مرة من سنين خرجوا من بيتي هما المكسورين.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه إن المصيبة الأكبر لسه مستخبية.
لأن بعد ما الباب اتقفل

بثواني وصلني إشعار على الموبايل من المحامي
تم قبول طلب الحجز التحفظي.
وقتها بس ابتسمت قعدت أبص للإشعار ثواني طويلة
الحجز التحفظي اتنفذ فعلًا.
يعني باختصار؟ أي حاجة باسم سيد بقت تحت عين القانون. الحسابات. العربيات. حتى الشقة اللي كان بيتمنظر بيها على الناس.
حطيت الموبايل على الترابيزة، وخدت نفس طويل لأول مرة من سنين أحس إنه داخل صدري من غير وجع.
لكن الفرحة ماكنتش فرحة انتقام كانت راحة واحدة أخيرًا بطلت تتحلب.
بعد أقل من ساعة، موبايلي انفجر اتصالات.
خالاتي. مرات خالي. قرايب عمرهم ما سألوا عليا وأنا تعبانة فجأة بقوا خايفين على صلة الرحم.
واحدة تقول مهما كان ده أخوكي.
والتانية الفلوس بتروح وتيجي.
أما أكتر مكالمة ضحكتني فكانت من أمي.
أيوه الحاجة فاطمة بنفسها.
رديت بعد رنة طويلة.
سمعت صوتها ضعيف لأول مرة تعالي البيت عايزين نتفاهم.
قولتلها بهدوء إحنا عمرنا ما اتفاهمنا يا أمي.
وسكتت.
بعدين قالت الجملة اللي عمري ما توقعت أسمعها أنا غلطت.
الكلمة نزلت على قلبي تقيلة. مش عشان سامحت لكن عشان أدركت إنها اتقالت متأخر أوي.
قولتلها لما كنتِ بتضحكي عليا وأنا متهانة كنتِ فين من الكلمة دي؟
ردتش.
قفلت المكالمة، لكن جوايا حاجة كانت بتترعش. جزء صغير مني كان نفسه يسمع منها كلمة حنان واحدة من سنين.
لكن الأذى لما يطول بيحوّل الحنين لرماد.
بالليل، المحامي كلمني.
قال بصوت جاد في نقطة لازم تعرفيها أخوكي حاول يبيع الشقة من أسبوعين.
اتجمدت مكاني.
يبيعها؟!
قال أيوه وكان مستخدم توكيل قديم فيه اسمك.
الدم اتسحب من وشي.
التوكيل ده أنا عملته من خمس سنين لما كان بيقنعني إنه هيكبر شغله وهيكتبلي نصيبي بعدين.
يا غبائي.
المحامي كمل لو البيع تم، كنتِ هتدخلي في مصيبة قانونية كبيرة.
قعدت على الكنبة وأنا حاسة إن رجلي
مش شيلاني.
يعني حتى بعد كل اللي أخده كان ناوي يبيع آخر حاجة ممكن تربطني بالقاع اللي عايشين فيه.
قولت للمحامي اعمل اللازم كله.
رد اتعمل بالفعل وفي مفاجأة كمان.
سكت ثانية وقال في بلاغات شيكات بدأت تتحرك ضده.
غمضت عيني.
أنا ماكنتش عايزة سجنه. كنت عايزة بس يبطل يدوس على رقبتي.
لكن واضح إن الكدب لما يكبر بياكل صاحبه.
تاني يوم الصبح، نزلت أجيب قهوة من الكافيه اللي تحت البيت.
ولأول مرة من سنين ماشية من غير خوف.
الناس بتبصلي عادي. ماحدش شايفني الشحاتة. ماحدش شايفني الست اللي بتدفع وتسكت.
كنت ماشية خفيفة لحد ما سمعت صوت جري ورايا.
لفيت.
كان مروان.
واقف ينهج، وشعره منكوش، وعينيه حمرا من العياط.
وقف قدامي وقال بصوت مكسور أنا آسف.
بصيتله ساكتة.
الواد اللي ضحك وهو بيهينني كان واقف دلوقتي بيرتعش.
قال بابا ضربني وقال إن كل اللي حصل بسببي.
قلبي وجعني غصب عني.
مهما كان ده طفل متربي وسط سمّ.
ركع يبكي وقال أنا ماكنتش فاهم.
نزلت لمست كتفه بهدوء.
وقولت الكلام عمره ما بيبقى صغير يا مروان الكلمة ممكن تبني بني آدم، وممكن تدبحه.
كان بيعيط جامد.
وفجأة سمعنا صوت فرامل عربية بعنف.
لفّينا الاتنين.
وكان سيد نازل من عربية نص نقل قديمة وشه مرعب.
أول ما شافني، جري ناحيتي بعينين كلها جنون.
وفي إيده كان ماسك حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي كان ماسك جركن بنزين.
مروان صرخ أول ما شافه بابا لأ!
لكن سيد كان خارج من عقله تمامًا. وشه أحمر، دقنه طالعة، هدومه مكرمشة كأنه مابنامش من يوم الليلة اللي العربيات اترفعت فيها.
وقف قدامي وهو بينهج إنتِ خربتي بيتي!
الناس في الشارع بدأت تقف. عامل الكافيه خرج. البواب جري من بعيد.
أما أنا فكنت واقفة مكاني. هادية بشكل خوفني أنا شخصيًا.
قولتله بيتك كان خربان من زمان يا سيد بس كنتوا
مستخبيين ورا فلوسي.
فتح الجركن بإيده المرتعشة.
ونهى نزلت من العربية وهي بتصرخ سييييد! حرام عليك!
لكن سيد كان باصصلي أنا وبس. نظرة واحد خسر كل حاجة وعايز ياخد حد معاه في الخراب.
قال بصوت متقطع لو أنا وقعت هوقعك معايا.
وساعتها حصلت الحاجة اللي محدش توقعها.
مروان جري فجأة ووقف قدامي.
فرد دراعاته وهو بيعيط خلاص يا بابا! كفاية!
سيد اتجمد.
الواد كان بيرتعش، لكن واقف يحاول يحميني. هو نفسه الطفل اللي أهانني قدام الناس من يومين.
وفي اللحظة دي شوفت الحقيقة كلها.
السم بينزل من الكبير للصغير. والكره بيتورث زيه زي الاسم.
سيد بص لابنه، ووشه بدأ ينهار. الجركن وقع من إيده على الأرض.
والبنزين سال جنب الرصيف.
نهى جريت حضنت مروان وهي بتصرخ في سيد إنت ضيعتنا! ضيعتنا!
الناس بدأت تتلم أكتر. وفي ثواني، عربية الشرطة وصلت.
واضح إن حد بلغ.
الظابط نزل بسرعة، وبمجرد ما شاف منظر البنزين وسيد بالحالة دي، أمر العسكري يمسكه.
سيد حاول يقاوم وهو بيزعق دي أختي! دي دمرتني!
لكن محدش كان بيسمعه.
وأنا؟ كنت واقفة ببص عليه وهو بيتاخد.
مش شماتة ولا انتصار.
كان إحساس أغرب من كل ده.
إحساس واحدة أخيرًا فهمت إن بعض الناس، مهما اديتهم من روحك هيشوفوا عطاك حق مكتسب.
قبل ما يركب العربية، سيد لف ناحيتي. وعينيه اتمَلوا دموع لأول مرة من سنين.
وقال بصوت مبحوح أنا أخوكي يا مريم
الزمان كله وقف للحظة.
الكلمة اللي كنت مستنياها طول عمري جات بعد ما كل شيء اتحرق.
بصيتله بهدوء وقلت وأنا كنت أختك فعلًا بس إنت نسيت.
باب العربية اتقفل.
ومشى.
ومع صوت العربية وهي بتبعد حسيت بحمل سنين بيتفك من فوق قلبي.
مروان كان بيعيط في حضن أمه. وأمي واقفة بعيد، مكسورة، لا قادرة تقرب ولا قادرة تمشي.
بصتلي نظرة طويلة فيها ندم عمر كامل.
لكن بعض الكسور
مابتتلحمش بسهولة.
عدّى شهر.
الشقة اتباعت لتسديد جزء من الديون. العربيات راحت. وسيد دخل في قضايا وتقسيط وتسويات.
أما أنا
رجعت أفتح
 

تم نسخ الرابط