ابن اخويا
مكتبتي الصغير كل يوم الصبح. أعمل قهوتي. وأرتب الأقلام والدفاتر بإيدي.
ولأول مرة الفلوس اللي بكسبها بقت ليا أنا.
وفي يوم هادي، دخلت عليا ست كبيرة تشتري كشكول لحفيدها.
ابتسمتلي وقالت واضح إنك ست قوية.
بصيت حواليا للمكان الصغير اللي بنيته من تعبي، ولقلبي اللي أخيرًا بقى خفيف.
وابتسمت بهدوء
لا أنا بس بطلت أسمح لحد يكسرني بعد ست شهور
الشتا كان داخل على البلد، والمطر بينقط خفيف على إزاز مكتبتي الجديدة. آه الجديدة.
لأن المكتبة الصغيرة اللي كنت بستخبى فيها من الدنيا، بقت دلوقتي مكتبتين وفرع تصوير وطباعة قدام الجامعة. والغريبة؟ إني عمري ما حسيت بالغنى زي ما حسيت يوم بطلت أدي ناس ما تستاهلش.
الحياة بدأت تهدى أو على الأقل ده اللي كنت فاكراه.
لحد عصر يوم خميس، الباب اتفتح بهدوء.
رفعت عيني من على الحسابات واتجمدت.
سيد.
كان أضعف بعشر سنين. دقنه مليانة شِيب، وهدومه بسيطة، ونظرته مكسورة بطريقة عمرها ما كانت فيه.
حتى مشيته فقدت الغرور اللي كان ماليه.
فضل واقف ثواني مش عارف يتكلم. وأنا قلبي خبط جامد مش خوف، لكن حزن على كل اللي ضاع.
قال أخيرًا ممكن أقعد؟
أشرتله على الكرسي.
قعد ببطء، وبص حواليه للمكتبة. للرفوف المرتبة. للزبائن اللي داخلين خارجين. للحياة اللي بنيتها بعيد عنهم.
وابتسم
ما رديتش.
طلع ظرف من جيبه وحطه قدامي.
إيه ده؟
قال تنازل.
فتحت الظرف. كان عقد التنازل عن أي حق ليه في بيت أبويا القديم البيت اللي طول عمره يقول إنه ليه لوحده.
بصيتله بعدم فهم.
قال وهو منزل عينه أنا تعبت يا مريم وتعبت من نفسي أكتر.
الصمت بينا كان تقيل.
وبعدين قال الجملة اللي عمري ما تخيلت أسمعها منه أنا كنت غيران منك.
اتجمدت.
كمل بصوت مهزوز إنتِ كنتِ أنضف مني وأشطر مني والناس كانت بتحبك من غير ما تشتريهم بفلوس أو منظرة وأنا كنت كل ما أفشل، أكرهك أكتر.
حسيت حاجة بتوجع جوايا مش وجع غضب. وجع سنين ضاعت بسبب قلب مليان عقد.
قال أمي ربتني إني آخد وإنتِ تدي. وأنا صدقت إن ده حقي.
نزلت دمعة من عينه بسرعة مسحها بإحراج.
أنا آسف.
الكلمة دي وصلت متأخرة جدًا، بس كانت صادقة لأول مرة.
بصيتله طويل.
كنت أقدر أطرده. أكسره. أذوقه نفس الإهانة.
لكن الحقيقة؟ أنا تعبت من الحرب.
قولتله بهدوء أنا سامحتك بس مستحيل أرجع زي زمان.
هز راسه وكأنه كان متوقع.
وقف يمشي، لكنه قبل ما يخرج وقف عند الباب وقال مروان بقى كل يوم يذاكر في أوضته عشان يبقى زي خالته.
ولأول مرة ضحكت من قلبي.
بعدها بشهر، أمي جتلي المكتبة.
لوحدها.
ماكانش معاها أوامر، ولا مقارنات، ولا
قعدت على الكرسي الصغير جنب الكاشير وبصتلي كتير.
وقالت بصوت عجوز متعب أنا خسرت بنتي سنين ينفع أرجع أكسبها قبل ما أموت؟
المرارة كانت لسه موجودة لكن قلبي ماعادش مليان نار.
قمت عملتلها كوب شاي زي ما كانت بتحب.
وحطيته قدامها.
وقولت بهدوء نجرب.
أمي عيطت.
وأنا ماعيطتش.
لأن بعض النهايات السعيدة مش بتكون رجوع كل حاجة زي الأول.
بعضها بس إنك تنجو.
وإنك لما تبص في المراية أخيرًا، تشوف نفسك إنسانة تستحق الحب مش بنك مفتوح للناس.
وفي ليلة هادية، قفلت المكتبة، وطفيت النور، وبصيت لصورتي في الإزاز.
الفستان الأبيض راح والبقعة الحمرا اختفت من زمان.
لكن البنت اللي اتكسرت يومها في المطعم؟
دي ماتت فعلًا.
واللي اتولدت بعدها كانت أقوى بكتير بعد سنين
المكان اللي بدأ بمكتبة صغيرة بقى اسم معروف في المنطقة، وبقى عندي أكتر من فرع، وموظفين بيدخلوا ويخرجوا وناس كتير بتسلم عليا باسم الأستاذة مريم.
لكن رغم كل الضجة دي أكتر وقت بحبه كان آخر اليوم، لما أقعد لوحدي دقيقة أقفل فيها الباب قبل ما أمشي.
في اليوم ده تحديدًا، كان فيه مطر خفيف بره، والشارع هادي بشكل غريب.
قعدت أراجع حسابات اليوم، لحد ما الباب خبط خبطتين خفاف.
فتحت.
وكان مروان.
بس مش مروان اللي كان بيضحك عليا زمان ده شاب في أول
وقف شوية وهو متوتر ممكن أدخل؟
سكت لحظة، وبعدين فتحتله الباب.
دخل وقعد. كان بيبص حواليه كأنه داخل عالم مش غريب عليه، لكنه بعيد عنه.
قال أنا جيت أشكرك.
رفعت حاجبي تشكرني على إيه؟
قال وهو بيبص في الأرض على إنك ما كسرتنيش زي ما كانوا بيكسروا بعض حتى يوم ما كنت صغير وغلطت إنتِ ما دمرتنيش.
الصمت كان تقيل.
كمل أنا اتعلمت من كل اللي حصل يمكن أكتر درس وجعني هو إن الكلمة ممكن تبوظ حياة حد وأنا كنت جزء من ده.
حسيت بشيء دافي جوايا مش فرح، لكن تصالح هادي.
قولتله المهم إنك فهمت بدري.
ابتسم ابتسامة صغيرة أنا بشتغل دلوقتي وبصرف على نفسي ومش عايز أبقى نسخة من حد في العيلة.
سكت لحظة وبعدين قال حتى بابا بقى ساكت أكتر من الأول.
ما رديتش.
مش كل القصص محتاجة رد.
قام يستأذن، وقبل ما يخرج قال إنتِ كنتي صح وأنا كنت صغير ومش فاهم.
وخرج.
قفلت الباب وراه بهدوء.
وقعدت على الكرسي. وبصيت للمكان اللي بنيته من تحت الصفر.
ولأول مرة من سنين مفيش وجع. مفيش رغبة في الانتقام. ولا حتى رغبة في التفسير.
بس هدوء.
وفي اللحظة دي بالذات، فهمت حاجة مهمة
مش كل اللي بيكسرنا يستحق نهاية كبيرة بعضه بيستحق بس إننا نتخطاه.
قمت قفلت الإضاءة، وخدت مفاتيحي،
والمطر كان لسه بينزل بس المرة دي، ماكانش بيغرقني.
كان بينضف الطريق قدامي.