كنت فاكره

لمحة نيوز

كنت فاكرة إن بنتي مكسوفة مننا عشان إحنا على قد حالنا.. لحد ما سمعت جوزها الغني بالصدفة وهو بيشرحلها ليه أنا عمري ما دخلت بيتهم، والحقيقة صدمتني وخلت جسمي كله يتنفض!
أنا اشتغلت في مصنع كرتون وتغليف تلاتة وعشرين سنة.
إيديا دايماً كانت ريحتها غرا وبودرة ورق، وضهري كان بيوجعني في معظم الليالي. بس الشغلانة دي هي اللي سترتنا ودبرت المصاريف، وساعدتني أعلم بنتي هناء لحد ما تخرجت من الجامعة.
وبعدين اتجوزت ماجد.
ماجد ده ابن ناس مبحبحين قوي ومن عيلة تقيلة. أهله أغنيا، متعلم في مدارس إنترناشونال، وعنده شركة خاصة أبوه هو اللي موليها، وعايش في فيلا ورا بوابات حديد سوداء كبيرة.
ماجد كان باين عليه واقع في غرامها ومجنون بيها. كان دايماً يبعتلها ورد، يفتحلها باب العربية، ويبصلها كأن مفيش ست في الدنيا غيرها.
بقالهم خمس سنين متجوزين وخلفوا توأم زي القمر، كريم ومروان، عندهم تلات سنين دلوقتي.
أنا كنت بموت في الولدين دول وبعشقهم أكتر من أي حاجة في الدنيا.
بس الغريبة.. إني عمري ما دخلت بيتهم ده خالص.
ولا مرة!
دايماً كان فيه حجة وشماعة جاهزة.
أصل العيال عيانين.. أصل ماجد عنده ضيوف وشغل في البيت.. أصل هناء تعبانة ومش قادرة.. إحنا اللي هنجيلك يا أمي.
فكنت بشوف أحفادي في الجناين، أو في مطاعم ومحلات أكمل، أو

من خلال مكالمات الفيديو.
بصراحة.. قعدت أقول لنفسي إن هناء مكسوفة مني قدام جوزها وأهله.
مكسوفة من لبسي البسيط.. عربيتي القديمة الكركوبة.. وشقتي الصغيرة الإيجار.
لحد ما جه امبارح، وواحد من التوأم بعتلي بالغلط فويس ومسج رسالة صوتية على الماسنجر.
في الأول، كان الصوت عبارة عن دوشة وخروشة مش مفهومة.
صوت كرتون شغال في الخلفية.. ضحكة واحد من العيال.. وصوت عربية لعبة بتتحرك على الأرض.
كنت خلاص هقفل وأمسح الرسالة.
لحد ما سمعت صوت ماجد وجمّدني في مكاني.
أم ماجد كانت بتسأله هو ليه أم هناء عمرها ما بتيجي هنا تزوركم؟
جسمي كله اتخشب وبقيت مش قادرة أتحرك.
حصل سكات لثواني..
بعدين ماجد ضحك بضحكة واطية كدة وقال
علشان لو رجليها عتبت البيت ده للحظة واحدة، هتعرف السر اللي هناء مخبياه عنها بقالها خمس سنين!
نفسي اتقطع ومبقتش عارفة أتنفس.
وفجأة سمعت بنتي هناء وبتوشوشه بلهفة ورعب ماجد، بلاش أرجوك.. أمي مش لازم تعرف الموضوع ده واصل!
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي إيدي بدأت ترتعش وأنا ماسكة الموبايل وحسّيت إن قلبي هينط من صدري.
سر إيه؟! وإيه اللي بنتي مخبياه عني كل السنين دي؟
قربت الموبايل من ودني أكتر، ووقفت النفس بالعافية.
سمعت حماته وهي بتقول باستغراب سر إيه اللي بتتكلموا عنه؟
ماجد رد بهدوء
غريب خلاص يا ماما اللي حصل حصل. بس أنا شايف إن من حقها تعرف.
وفجأة هناء صرخت فيه لا! أرجوك يا ماجد أمي هتكرهني!
الكلمة دي كسرتني.
أنا؟ أكرهها؟ دي البنت الوحيدة اللي شقيت عمري كله علشانها!
فضلت أسمع وأنا دموعي بتنزل من غير صوت.
ماجد اتنهد وقال أمك عمرها ما كانت فقيرة يا هناء أمك هي أغنى واحدة في القصة دي كلها.
شهقت بصوت عالي غصب عني.
إيه الكلام المجنون ده؟!
وبعدين سمعت صوت ورق بيتفتح وماجد بيكمل المصنع اللي كانت شغالة فيه طول عمرها كان باسمها هي.
حسيت الدنيا لفت بيا.
المصنع باسمي؟!
أنا مجرد عاملة هناك من أكتر من عشرين سنة! أقبض مرتب آخر الشهر بالعافية!
بدأت أفتكر حاجات قديمة كنت دفنتها من سنين صاحب المصنع القديم الحاج فؤاد الراجل الطيب اللي كان بيعاملني كأني بنته. ولما مات فجأة قبل سبع سنين، ابنه استلم الإدارة، وبعدها كل حاجة اتغيّرت.
سمعت ماجد يكمل الحاج فؤاد كتب المصنع باسمها قبل ما يموت.
حماته قالت بصدمة ليه يعمل كده؟!
رد ماجد علشان هي تبقى بنته الحقيقية.
الموبايل وقع من إيدي على الأرض.
نفسي اتسحب مني.
بنته؟!
أنا كنت طفلة ملجأ والحاج فؤاد كان دايماً يقولّي إنتِ من ريحة البيت يا صباح.
لكن عمره ما قال الحقيقة.
سمعت هناء وهي بتعيط أنا خبيت عليها علشان خايفة منهم خايفة عيلة ماجد تعرف
إن أمي بقت تملك نص المجموعة الصناعية ويقربوا منها لمصلحتهم.
ماجد رد بعصبية إنتِ ظلمتي أمك! خليتيها تفتكر إنك مكسوفة منها خمس سنين كاملة!
في اللحظة دي انهرت.
قعدت على الأرض أعيط زي الأطفال.
كل ليلة نمت فيها مكسورة وأنا فاكرة إن بنتي شايفاني أقل منها كل مرة رجعت فيها من مقابلة معاهم وأنا باصة لجزمتهم اللامعة وهدومي الرخيصة بحرج كانت بنتي طول الوقت بتحاول تحميني، مش تبعدني.
تاني يوم الصبح
لقيت عربية سودا فخمة واقفة تحت بيتي.
ونزل منها ماجد بنفسه.
فتحلي الباب الخلفي بهدوء وقال اتفضلي يا أمي بيتك مستنيكي.
طول الطريق كنت ساكتة.
قلبي واجعني وخايفة في نفس الوقت.
بس أول ما بوابات الفيلا اتفتحت
اتفاجئت بحاجة عمري ما كنت أتخيلها.
في وسط الجنينة الكبيرة، كان فيه يافطة ضخمة متعلقة بين شجرتين مكتوب عليها
أهلاً بصاحبة البيت الحقيقيّة.
ووقف التوأم يجروا ناحيتي وهم بيزعقوا تيتا جت! تيتا جت!
أما هناء فكانت واقفة عند الباب بتعيط.
قربت مني، ومسكت إيدي المتشققة من الشغل، وباستها وهي بتقول سامحيني يا أمي كنت بحاول أحميك، بس نسيت إن أكتر حاجة كانت بتوجعك إنك تحسي إنك قليلة.
حضنتها ساعتها بكل قوتي.
ولأول مرة من سنين
دخلت بيت بنتي أول ما دخلت الفيلا حسيت إني داخلة عالم مش بتاعي.
السجاد ناعم تحت رجلي، والنجف
بينور السقف كله، وريحتهم ريحة بيت دافي مش ريحة تكلف.
كنت ماشية بخطوات
 

تم نسخ الرابط