مراتي فضلت صاحية ليلتين

لمحة نيوز


على الجنينة كان أتقل من أي صوت. الشاش على إيد مراتي بدأ يبان عليه أثر الصديد والدم الخفيف من كتر الضغط والتعب، لكنها ما صرختش، وما بكتش بصوت عالٍ... دموعها كانت بتنزل بسكوت يقطع القلب، ماسكة طرف الترابيزة عشان ما تقعش. أنا وقفت في نص الجنينة، وبصيت حواليا. الترابيزات المفروشة بالورق الأبيض اللي قضت ساعتين بترتبه، الأطباق المترتبة بالملليمتر، تورتة الريد فيلفيت اللي قضت في تزيينها أربع ساعات، وكل صنف اتعمل بحب ودموع وتعب. اتنفست بألم، وقربت منها، مسكت إيدها السليمة، وقلت لها يا أم حازم... ادخلي جوة. هي بصتلي بعيون مكسورة وقالتلي بصوت مخنوق ومتقطع هو أنا قصرت في حاجة يا إبراهيم؟ هو الأكل شكله وحش بجد؟ ولا أنا كبرت وما بقتش بعرف أطبخ؟ الكلمة دي نزل عليا زي الخنجر. ست قضت عمرها كله بتأكل الناس وتسعدهم، ست طهت في مطعمها الصغير لأجيال وأجيال وكان كل الناس بيمدحوا في أكلها ونظافتها، تنكسر بالشكل ده عشان شوية مظاهر فارغة من ناس ما بيفهموش معنى الأصول ولا التضحية. طلعت موبايلي من جيبي، وقفت قدام كل ترابيزة، وأخدت صورة واحدة... صورة شاملة للجنينة المليانة بالأكل الفاخر وال 38 صنف المترتبين بعناية، وال 75 كرسي الفاضيين، والصورة التانية كانت قريبة لإيد مراتي الملفوفة بالشاش المحروق وهي ماسكة المريلة. أخدت القرار في ثانية واحدة... القرار اللي كان لازم أتاخده من أربعين سنة، بس كنت بطلعه عشان خاطر صلة الرحم وعلشان خاطر الولد.
دخلت مراتي الأوضة، خليتها ترتاح على السرير، وحطيت لها كمادات باردة على جبهتها المكتومة بالحزن، وعالجت حرق إيدها بمرهم وضمادة جديدة. نزلت المطبخ، ومسكت الموبايل. فتحت صفحة المطعم بتاعنا على الفيسبوك، وسطحة العيلة، ومجموعات المنطقة اللي ساكنين فيها. كتبت بوست فاصل، وحطيت الصور. كتبت فيه اليوم كان عيد ميلاد حفيدتنا ال 18. زوجتي الحبيبة، رغم كبر سنها وحروق إيدها الصعبة والتعب اللي هد حيلها ليلتين متواصلين من غير نوم، جهزت بنفسها 38 صنف أكل ل 75 ضيف بناءً على طلب زوجة ابننا. لكن للأسف، الأكل اترفض لأنه بسيط أوي ومش قد المقام، والضيوف أخدوهم على مطعم فاخر وسابوا الجنينة فاضية وسابوا تعب أم كبرت وعجزت عشانهم. الأكل ده كله موجود في بيتنا دلوقتي... إحنا بنفتح أبواب بيتنا لكل دار أيتام، ولكل حد محتاج، ولكل أسر شهداء أو عمال ما أكلوش أكل نضيف من زمان. تعالوا كلوه بالهنا والشفا، وادعوا لزوجتي بالشفاء والسكينة. ودمجت البوست بقرار ثانٍ... القرار الأهم في حياتي وبناءً عليه... أنا بعلن رسمياً نقل ملكية المطعم بالكامل، ومبنى البيت، وجميع أصولنا وممتلكاتنا إلى جمعية خيرية ومؤسسة للأيتام بعد وفاتنا، وحرمان ابننا وزوجته من أي حظر أو ميراث أو إدارة للوقف العائلي، لإلغاء التوكيلات العامة الصادرة له اعتباراً من هذه اللحظة، وتعيين حارس قضائي على المحل.
البوست نزل من هنا... والدنيا قامت وما قعدتش. في أقل من ساعة، البوست اتشارك آلاف المرات. الناس في المنطقة والمناطق المجاورة اتفاجئوا وانهالوا بالتعليقات الغاضبة من تصرف ابننا ومراته، وبدأت العربيات توصل عند البيت. أسر كاملة، أطفال من دار أيتام قريبة، عمال نظافة، جيران بسيطين... فتحنا لهم الجنينة وبدأنا نوزع الأكل. الناس كانت بتاكل ودموعهم في عينيهم من حلاوة الأكل وطعامته، وكانوا بيدعوا لمراتي في سرهم وعلنهم. مراتي صحيت على أصوات الدعاء والفرحة في الجنينة، طلعت وبصت من البلكونة، وشافت الناس بتاكل بكل حب وبتحمد ربنا، وعيونهم مليانة امتنان... الدمعة اللي نزلت من عينها المرة دي كانت دمعة جبر خاطر، مش دمعة كسرة.
لكن القصة ما خلصت هنا. على الساعة تمانية بالليل، المطعم الفاخر اللي مرات ابني حجزت فيه كان حاطط بوفيه وشغال، بس البوست كان انتشر زي النار في الهشيم. واحدة من الصحفيات المحليين والمؤثرين كانت قاعدة في نفس المطعم، وعرفت القصة، وصورت مرات ابني وابني وهم قاعدين بيضحكوا ويتفاخروا بالمكان وسط قلة من أهلها اللي جم معاهم. الصحفية نزلت فيديو مقاطع وقارنت بين الموقفين... الفيديو جاب ملايين المشاهدات في ساعات قليلة. الناس بدأت تتهم مرات ابني بالفوقية والوقاحة، وابني بقلة الأصل والعقوق.
تاني يوم الصبح... التليفون ما بطلش رن.
الرسائل والاتصالات بدأت تنهال عليا من الساعة ستة الصبح. التليفون كان بيهتز على الترابيزة ومش راضي يهدى. بصيت على الشاشة... كان اسم ابني حازم. ما رديتش. وراه على طول اتصلت مرات ابني نيرمين... ما رديتش. وبعدها اتصالات من قرايبها وأهلها اللي كانوا في الحفلة. كل الاتصالات دي كانت بترتعد من الخوف والفضيلة الزائفة اللي ضاعت فجأة لما الحقيقة اتكشفت قدام الناس كلها.
الساعة تمانية الصبح، سمعنا خبط هيستيري على باب البيت. خبط واحد مرعوب، واحد حاسس إن السقف بيقع فوق دماغه. فتحت الباب بهدوء، وأنا لابس جلابيتي ومستعد لمواجهتهم. كان واقف ابني وش المخطوف، عيونه زرقاء من كتر القلق والسهر، ووراه مراته نيرمين وشها أصفر زي الليمونة، وموبايلها في إيدها مش راضي يوقف إشعارات ورسايل شتم وانتقادات من كل معارفهم والناس على النت.
ابني دخل واندفع لجوة وهو بيصرخ بصوت واطي ومخنوق إيه اللي انت عملته ده يا بابا؟! انت فضحتنا قدام مصر كلها! الناس في شغلي بيبصوا لي بقرف، والمدير
 

تم نسخ الرابط