مراتي فضلت صاحية ليلتين
كلمني بيسألني عن اللي حصل! انت حطيت صور إيد أمي وحطيت البوست ده ليه؟!
وقفت قدامه بثبات، حاطط إيدي في جيبي، وبصيت في عينيه بمنتهى البرود وقلت له أنا ما فضحتكوش يا حازم... انتوا اللي فضحتوا نفسكم. أنا بس نقلت الحقيقة. الصورة كانت واضحة، والأكل اللي رميتوه عشان منظركوا الكداب، أكلوا منه سبعين طفل يتيم ودعوا لأمك اللي حرقت إيدها عشان خاطر فرحة بنتك.
مرات ابني قربت وهي بتعيط، بس دموعها ما كانتش دموع ندم... كانت دموع خوف على شكلها الاجتماعي. وقالت يا عمي... أنا ما قصدتش أهين طنط! أنا بس كنت عايزة نعمل حاجة شيك قدام صحاب بنتي وأهلي! المطعم ده كان محجوز من أسبوعين ومكانش ينفع نلغيه! وبعدين الأكل بتاع طنط مكانش هيضيع، كنا هناخده بعدين!
رديت عليها بصوت حاسم هز أركان الصالة كنتوا بتاخدوه بعدين؟! الأكل اللي وقفنا نطبخه من الفجر، اللي صرفنا عليه دم قلبنا وعلبة تحويش فرن المطعم اللي أمك كانت بتشيل فيها القرش على القرش، الأكل اللي اتعمل ومحدش فيكم بصلوا ولا استطعم شوربة الطماطم اللي أمك عملتها مخصوص لحازم عشان تفكره بطفولته؟! انتوا ما سيبتوش الأكل... انتوا سيبتوا أمك، ودستوا على كرامتها قدام 75 واحد!
ابني مسك إيدي وبدأ يترجاني يا بابا... أرجوك امسح البوست! وبلاش موضوع الجمعية الخيرية وسحب التوكيل ده! المحامي كلمني وقال لي إنك قدمت أوراق رسمية لإلغاء التوكيلات وإعادة تخصيص البيت والمطعم! ده حقنا يا بابا... أنا ابنك الوحيد! إزاي تكتب كل حاجة للأيتام وتسيبني؟!
بصيت له بحزن عميق، حزن الأب اللي اكتشف إن شجرة عمره أثمرت شوك. وقلت له الحق هو اللي بيترد لأصحابه يا حازم. المطعم ده والبيت ده اتدنوا بعرق أمك ودمها... مش بعرقك انت ولا شياكتك الفارغة. اللي ما يصونش كرامة أمه في حياتها، ما يستاهلش يورثها بعد موتها. القرار اتأخد وخلاص... الأوراق عند المحامي، والتوكيلات اتلغت رسمياً من الساعة تمانية الصبح.
في اللحظة دي، طلعت مراتي من الأوضة. كانت لابسة إسدالها، إيدها ملفوفة بالشاش الأبيض الجديد، ووشها باهت بس فيه هدوء غريب. أول ما حازم شافها، جرى عليها وترما تحت رجلها وهو بيعيط سامحيني يا أمي... والله ما كنت أقصد... نيرمين هي اللي قالت لي يلا عشان الوقت... سامحيني يا أمي وقولي لأبوي يرجع في القرار ده!
مراتي بصت له، ولأول مرة في حياتي أشوف في عينها الجفاء ده. رفعت إيدها السليمة ولمست رأسه بهدوء، وقالت له بصوت واطي جداً بس كل حرف فيه كان أتقل من الجبل أنا مسامحاك يا حازم كابن... بس كبرت وما بقتش أعرفك. أنا أطعمتك من خير المحل ده لما كنت صغير، وغسلت هدومك ودموعك لما كنت بتعيى... بس النهاردة أنا عرفت إن الأكل البسيط اللي عملته إيدي ما بقاش يناسب مقامك. قوم يا ابني... قوم وروح للمطعم الشيك بتاعك... بس البيت ده والمحل ده خلاص... بقوا ملك اللي يعرفوا قيمة اللقمة وقيمة الإيد اللي طبختها.
حازم ومراته وقفوا مصدومين. نيرمين حاولت تتكلم وتبرر تاني، بس أنا شايرت لها بأيدي وفتحت باب الشقة وقلت كلمتين بس اتفضلوا... من غير مطرود.
خرجوا وهم بيكروا رجليهم من الخيبة والعار. وفي خلال الأيام اللي بعد كده، القرار اتطبق بالكامل. البيت والمطعم اتحولوا لوقف خيري باسم مراتي، والمطعم بقا بيطبخ ويكفي كل المحتاجين في المنطقة بإدارة جمعية أيتام، ومراتيقت بتشرف عليه بنفسها بكل حب ورضا، من غير ما تشيل هم الفواتير ولا المظاهر الكدابة.
وابننا؟ اتقطعت علاقتنا بيه لفترة طويلة... وبدأ يعيد حساباته ويذوق طعم الخسارة الحقيقية، مش خسارة الفلوس والمطعم... بس خسارة الأم والأب اللي ضحوا بعمرهم عشان واحد ما صانش الود. والعبرة اللي اتعلموها والناس كلها اتعلمتها إن الكرامة أثمن من أي مظاهر، وإن الإيد اللي بتتعب عشان تسعدك... تستاهل تتباس، مش تتداس.