مزقت حماتي فستاني
المكان البسيط حولها، كأنها ترى عالمًا لم تعتد عليه.
أغلقتُ الباب خلفها، ووقفت أراقب.
اقعدي، قالها كريم ببرود.
جلست على طرف الأريكة، ويديها متشابكتان بقوة. لم ترفع عينيها نحونا إلا بعد ثوانٍ طويلة.
اللي بيحصل ده إنت السبب فيه؟ سألت بصوت مرتجف.
رد بهدوء قاتل
إنتِ شايفة إيه؟
ابتلعت ريقها
الشركات بتنهار الحسابات متجمّدة حتى الناس اللي كانوا بيشتغلوا معانا بدأوا يبعدوا.
اقترب كريم خطوة، ثم قال
ده اسمه فقدان ثقة. وده بيحصل لما الحقيقة تبدأ تظهر.
رفعت رأسها بسرعة
حقيقة إيه؟!
فتح اللابتوب ووضعه أمامها.
كل حاجة.
بدأ يعرض ملفات تحويلات مالية مشبوهة شركات وهمية تهرب ضريبي صفقات غير قانونية.
اتسعت عيناها بصدمة
إنت جبت الكلام ده منين؟!
ابتسم ابتسامة باردة
أنا اللي بنيت النظام ده من الأول قبل ما تمشّوني.
سقطت الكلمات عليها كالصاعقة.
إنت إيه؟
كل حاجة كانت ماشية صح لحد ما قررتي إنك تستبعديني عشان أنا اخترت الجيش.
سكت لحظة، ثم أكمل
بس إنتِ نسيتي إن اللي بيفهم النظام يقدر يهدّه.
تدخلت أخيرًا، وأنا أشعر بثقل الموقف
كريم كفاية.
نظر إليّ، وهدأ صوته قليلًا، لكنه لم يتراجع.
أما نادية فبدت وكأنها فقدت توازنها بالكامل.
إنت هتسلّمنا؟! صرخت فجأة.
دي عيلة! دي سمعتنا!
اقترب منها أكثر، وقال بصوت منخفض لكنه مخيف
إنتِ اللي قررتي تدخلي الحرب وأنا بس برد.
سكتت فجأة ثم انهارت.
لأول مرة رأيتها تبكي.
أنا كنت خايفة عليك قالت بصوت مكسور.
كنت عايزاك تبقى زي باقي العيلة ناجح قوي
ضحك بسخرية خفيفة
القوة مش فلوس يا ماما.
نظرت إليه، وكأنها تراه لأول مرة.
طيب عايز إيه؟ سألت أخيرًا.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال كريم ببطء
اعتذار.
رفعت حاجبيها بدهشة
بس؟!
هز رأسه
مش ليا.
ونظر إليّ.
تجمّدت نادية لثوانٍ ثم التفتت نحوي.
كانت تلك اللحظة أصعب من كل شيء.
اقتربت خطوة ثم قالت بصوت خافت
أنا آسفة يا مريم.
لم يكن اعتذارًا كاملاً لكنه كان حقيقيًا.
نظرت إليها ثم قلت بهدوء
مش علشاني بس.
فهمت قصدي.
أغمضت عينيها، ثم قالت
أنا غلطت في حقك وفي حقه.
أغلق كريم اللابتوب.
تمام.
نظرت إليه بسرعة
يعني إيه؟
قال بهدوء
المرحلة التانية هتتوقف مؤقتًا.
تنفست بارتياح واضح لكنها لم تكن مرتاحة تمامًا.
ومقابل ده؟
نظر إليها نظرة حادة
كل حاجة تتصلّح قانونيًا. مفيش لعب تاني.
هزت رأسها بسرعة
حاضر.
وقفت تستعد للمغادرة لكنها توقفت عند الباب.
كريم قالت بتردد.
إنت عمرك ما كنت فاشل.
لم يرد.
لكنني رأيت شيئًا في عينيه لمعة خفيفة كأن جزءًا صغيرًا من الجرح بدأ يلتئم.
بعد أن خرجت، جلست بجانبه.
إنت ممكن كنت تدمّرها بالكامل قلت بهدوء.
رد وهو ينظر أمامه
ممكن بس مش ده الهدف.
أمال إيه؟
نظر إليّ ثم ابتسم لأول مرة بصدق
إنهم يفهموا أنا مين.
وضعت رأسي على كتفه وأنا أدرك أن القصة لم تنتهِ بعد.
لأن بعض الحروب
لا تنتهي بالانتصار.
بل تبدأ بعده.
مرّت أيام هادئة ظاهريًا.
لكن تحت هذا الهدوء، كان كل شيء يتحرك.
نادية التزمت بكلامها أو على الأقل، حاولت.
بدأت تُعيد ترتيب حساباتها، تصلّح أوضاع الشركات، وتغلق الملفات المشبوهة واحدًا تلو الآخر.
لكن المشكلة أن الماضي لا يُمحى بسهولة.
في إحدى الليالي، كان كريم جالسًا أمام اللابتوب، يراجع تقارير جديدة.
اقتربت منه وسألته
لسه متابعهم؟ مش المفروض الموضوع انتهى؟
رد دون أن يرفع عينيه
الموضوع عمره ما بينتهي إحنا بس وقفناه.
طيب ليه حاسّة إن في حاجة جاية؟
سكت لحظة ثم قال
عشان في حاجة جاية فعلًا.
في صباح اليوم التالي، تلقّت نادية اتصالًا قلب كل الموازين.
جهة رقابية رسمية فتحت تحقيقًا مفاجئًا في شركاتها.
لم يكن هذا ضمن خطة كريم.
وهنا بدأ الخطر الحقيقي.
جاءت نادية إلينا مرة أخرى لكن هذه المرة لم تكن خائفة فقط كانت مرعوبة.
في تحقيق رسمي! قالت بسرعة.
مش من عندنا حد بلّغ!
نظر كريم بتركيز
مين؟
هزّت رأسها
مش عارفة بس عندهم مستندات!
تبادلنا نظرة سريعة وبدأت أفهم.
فيه طرف تالت دخل اللعبة.
فتح كريم اللابتوب بسرعة، وبدأ يراجع البيانات.
في تسريب حصل قال ببطء.
يعني إيه؟ سألت.
يعني حد كان مستني اللحظة دي ولما إحنا وقفنا الهجوم، هو كمل.
جلست نادية على الكرسي، وكأن الأرض سُحبت من تحتها
أنا خلصت كل حاجة هتضيع.
نظر إليها كريم ببرود مختلف هذه المرة ليس قاسيًا، بل حاسمًا
لسه في فرصة.
رفعت عينيها بسرعة
إزاي؟
قال
نسبقهم.
بدأت مرحلة جديدة أخطر من كل اللي فات.
لم يعد الأمر مجرد انتقام
بل سباق مع الزمن.
كريم بدأ يجمع الأدلة ليس ضدها هذه المرة، بل ضد الشخص المجهول.
تحويلات أسماء وهمية شركات في الخارج
شخص ذكي وخطير.
وفي لحظة صمت، قال كريم
لقيته.
حبست أنفاسي
مين؟
لف الشاشة نحونا
اسم واحد ظهر.
شخص من داخل الدائرة نفسها.
شريك قديم تم استبعاده منذ سنوات.
كان ينتظر ينتقم ويخطط للسيطرة على كل شيء بعد سقوطهم.
همست نادية بصدمة
هو هو السبب؟!
هز كريم رأسه
وكان مستني اللحظة اللي نضعف فيها.
ثم نظر إليها مباشرة
وده حصل بسببك.
خفضت رأسها ولم ترد.
وقفت فجأة وقلت
طيب الحل إيه؟
سكت كريم لحظة ثم قال
نرجع نلعب بس المرة دي مع بعض.
نظرت نادية إليه ثم إليّ
ولأول مرة، لم تكن هناك كراهية في عينيها
بل طلب للمساعدة.
مدّ كريم يده وأغلق اللابتوب
اللي جاي أخطر من كل اللي فات.
ثم أضاف بهدوء
ودي مش حرب عيلة دي حرب بقاء.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لأن الحقيقة أصبحت واضحة
الخطة صفر
لم تكن النهاية.
كانت مجرد بداية لحرب أكبر.
والضربة القادمة
ستحدد من سيبقى ومن سينهار.
الليلة الحاسمة وصلت.
لم يكن هناك مجال للتراجع.
إما أن ينجحوا أو يخسروا كل شيء.
جلسنا نحن الثلاثة حول الطاولة.
كريم، نادية وأنا.
لأول مرة، لم تكن هناك عداوة صريحة.
فقط توتر وخوف وتركيز.
قال كريم بهدوء
اللي هنعمله الليلة لازم يتم بدقة. غلطة واحدة وهينتهي كل حاجة.
نظرت نادية إليه، وعيناها ممتلئتان بالقلق
أنا جاهزة.
الخطة كانت بسيطة في ظاهرها لكنها خطيرة.
الشريك القديم طارق السيوفي كان يستعد لإتمام صفقة ضخمة ينقل فيها السيطرة الكاملة على الشركات لصالحه، مستغلًا التحقيقات والضغط.
لكن كريم كان مستعد.
هنخليه يكشف نفسه