حماتي كل ما ناكل

لمحة نيوز


تأخرنا.
سألته بقلق
في إيه؟
قال
باسم رشدي... مات من ساعتين.
ساد الصمت.
لكن المحامي أكمل
الغريب إنه قبل وفاته بدقائق، سلّم ظرفًا مغلقًا لموظف بالمستشفى... وكتب عليه
لا يُفتح إلا بحضور صاحبة الحق.
ثم نظر إليّ مباشرة وقال
الظرف ده... باسمك إنتِ.وصلنا المستشفى مرة تانية قبل نهاية اليوم.
الموظف المسؤول خرج من غرفة الحفظ، وفي إيده ظرف بني كبير.
بص في بطاقتي الشخصية، واتأكد من اسمي، وبعدها سلّمهولي وهو بيقول
دي كانت آخر وصية مكتوبة منه. قال محدش يفتح الظرف غير حضرتك.
إيدي كانت بتترعش.
المحامي قال
افتحيه هنا، وإحنا كلنا شهود.
فتحت الظرف.
كان جواه خطاب، ومظروف أصغر، ومفتاح تاني.
بدأت أقرأ الخطاب
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أكيد اكتشفتي إن ناس كتير كذبت عليكي. لكن لازم تعرفي إن أنا كمان غلطت، وسكت سنين.
كملت القراءة.
أنا كنت واجهة بس. في واحد كان بيدير كل حاجة من بعيد، وكل التحويلات كانت بتمر باسمي، وبعدها تتحول لحسابات تانية.
المحامي قال بسرعة
مكتوب اسمه؟
قلبت الصفحة.
كان فيه اسم... لكن فوقه خط أسود كثيف، كأن حد حاول يخفيه.
تحت الاسم مباشرة جملة
الدليل الحقيقي موجود في المظروف الصغير.
فتحت المظروف.
طلع منه مفتاح معدني، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان مخزن قديم على أطراف المدينة.
وفي آخر الورقة
المخزن رقم 14.
جوزي قال بلهفة
نروح دلوقتي.
لكن المحامي وقف وقال
استنوا... في آخر الخطاب صفحة لسه متقريتش.
رجعت للورقة الأخيرة.
وكان مكتوب فيها
لو فتحتوا المخزن قبل ما تعرفوا مين معاكم ومين ضدكم... هتضيع كل الأدلة.
رفعت عيني.
في نفس اللحظة، لقيت حماتي مش موجودة.
بصينا حواليها.
اختفت.
جوزي جري برة المستشفى يدور عليها.
وبعد أقل من دقيقة رجع وهو بيجري، ووشه كله خوف.
قال بصوت متقطع
... العربية... العربية اختفت.
قلت
عربية مين؟
رد
العربية اللي كانت فيها كل الملفات اللي خدناها من مكتب المحامي... حد سرقها من قدام المستشفى.
وقتها أدركت أن الشخص الذي يحاول إخفاء الحقيقة... ما زال يراقبنا خطوة بخطوة، وأن كل مرة نقترب فيها من النهاية، يسبقنا بخطوة جريت مع جوزي ناحية مكان العربية.
المكان كان فاضي.
ولا كأن عربية كانت واقفة فيه من الأساس.
المحامي طلع موبايله واتصل بالشرطة.
وأنا كنت ببص على الأرض.
فجأة لفت انتباهي ظرف أبيض صغير مرمي جنب الرصيف.
التقطته.
كان مكتوب عليه بخط واضح
متبلغوش الشرطة... وإلا هتخسروا كل حاجة.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
الملفات معايا... ولو عايزينها، روحوا المخزن رقم 14 الساعة 11 بالليل. شخص واحد بس يدخل... وصاحبة الحق هي اللي تختار مين.
جوزي مد إيده ياخد الورقة.
لكن المحامي سبقه.
قرأها كويس، وقال
دي غالبًا فخ.
قلت
ولو مروحناش؟
رد
يمكن الأدلة تضيع للأبد.
رجعنا البيت وكل واحد بيفكر.
الساعة كانت بتقرب من 11.
وأنا واقفة قدام الباب، ماسكة المفتاح.
جوزي قال
هخش أنا.
قلت
لا... هما طلبوا صاحبة الحق هي اللي تختار.
بصلي وقال
لسه مش واثقة فيا؟
سكت شوية، وبعدين قلت
بعد اللي حصل... الثقة بقت محتاجة دليل.
تحركنا ناحية المخزن.
كان المكان مهجور، والشارع فاضي.
وصلنا عند باب رقم 14.
كان الباب مقفول بقفل قديم.
دخلت المفتاح.
لف معايا بسهولة.
الباب اتفتح وهو بيصدر صريرًا عاليًا.
الضلمة كانت مالية المكان.
وفجأة...
نور واحد اشتغل في آخر المخزن.
وشخص لابس جاكت أسود كان واقف ضهره لينا.
قال من غير ما يلف
عرفت إنك هتيجي.
قلت
إنت مين؟
لف ببطء.
وأول ما شفت وشه...
عرفته.
كان نفس موظف البنك اللي قال لجوزي إني رحت الفرع يومها.
ابتسم وقال
واضح إنك أخيرًا وصلتي للشخص اللي كان بيبلغهم بكل خطوة بتعمليها...
ثم أخرج من جيبه فلاشة أخرى، وقال
بس اللي معايا ده... أخطر بكتير من كل اللي شوفتيه لحد دلوقتي ابتسم الموظف وهو بيرفع الفلاشة بين صوابعه.
وقال
قبل ما تفكري تاخديها... اسمعي للآخر.
المحامي همسلي
متقربيش منه.
لكن الراجل رفع إيده وقال
أنا مش جاي أهددكم... أنا جاي أنقذ نفسي.
جوزي اتقدم خطوة وقال بعصبية
إنت اللي كنت بتبلغ أمي بكل حركة؟
هز الراجل راسه.
أيوه... لكن مش بمزاجي.
سألته
مين كان بيأمرك؟
سكت ثواني، وبعدها قال
المدير.
قلت باستغراب
مدير البنك؟
رد
لأ... مدير شركة الاستثمار اللي اتعمل المشروع باسمها.
المحامي عقد حاجبيه.
يعني الشركة كلها كانت عارفة؟
قال
مش كلها... شخص واحد بس.
ثم فتح شنطة صغيرة كانت معاه، وأخرج ملفًا سميكًا.
وضعه على ترابيزة قديمة داخل المخزن.
وقال
ده أصل العقود.
فتحت أول ورقة.
كان فيها توقيعي.
لكن التوقيع مزور.
الورقة اللي بعدها...
توقيع شخص تاني.
واللي بعدها...
أسماء ناس كتير.
كلهم ضحايا زينا.
قال الموظف
أنتِ كنتِ واحدة من عشرات الأشخاص اللي استغلوا ثقتهم في أقرب الناس ليهم.
وقبل ما أسأله أي سؤال، سمعنا صوت عربية وقفت برا المخزن.
ثم صوت أبواب بتتقفل.
وخطوات ناس كتير بتقرب.
الموظف اتوتر وقال بسرعة
هما وصلوا!
المحامي قال
مين؟
رد وهو بيرجع لورا
الناس اللي مش عايزة أي ورقة دي تخرج للنور.
وفجأة انطفت الأنوار.
واتحول المخزن كله لظلام.
وفي وسط الضلمة...
سمعنا صوت طلقة واحدة.
ثم صرخة عالية.
ولما اشتغل نور الموبايل...
لقينا الملف واقع على الأرض...
لكن الموظف اختفى تمامًا بعد لحظات من الطلقة، دوّى صوت سيارات الشرطة خارج المخزن.
الرجال الذين اقتحموا المكان حاولوا الهرب، لكن المخزن كان محاصرًا من كل الجهات.
أضاءت الكشافات المكان، وعثر الضباط على الموظف مختبئًا خلف صناديق قديمة، مصابًا في كتفه، لكنه ما زال ممسكًا بالفلاشة.
ناولها للضابط وهو يشير إليّ وقال
دي... هي صاحبة الحق. سلموها ليها.
أخذت الشرطة الفلاشتين، وبحضور المحامي تم فتحهما وفحص الملفات.
كانت الصدمة أكبر مما توقع الجميع.
كل التحويلات، والعقود المزورة، والمحادثات الصوتية، وكشوف الحسابات... كانت محفوظة بالتفصيل.
واتضح أن العصابة كانت تستغل ثقة الأزواج والزوجات في بعضهم، وتقنع أحد الطرفين بتحويل الأموال بحجج مختلفة، ثم تزور التوقيعات لاستثمار الأموال في مشاريع خاصة، بينما يحصل كل شخص في الشبكة على نسبة من الأرباح.
أما حماتي...
فاعترفت بكل شيء بعد ساعات من التحقيق.
اعترفت أنها وافقت على الكذب، وأخذت جزءًا من الأموال، وكانت تعاملني بإهانة متعمدة حتى أشعر أنني غريبة عن العائلة، فلا أطالب بحقي ولا أسأل عن الفلوس.
وجوزي...
اعترف بأنه بدأ الكذبة، لكنه أكد أنه لم يكن يعرف حجم التزوير ولا أن أمه كانت تستولي على جزء من الأموال. ورغم ذلك، حمّله القانون مسؤوليته عن مشاركته في خداعي.
بعد شهور من التحقيقات، صدر الحكم.
تمت إدانة أفراد الشبكة، واستعدت معظم أموالي بأمر من المحكمة، بينما تم بيع المشروع لسداد حقوق الضحايا.
أما أنا...
فطلبت الطلاق.
لم يكن بسبب المال وحده، بل لأن الثقة إذا انكسرت، لا يعيدها اعتذار ولا سنوات.
بعد عام كامل، كنت أجلس في شقتي الجديدة مع أولادي، نتناول الغداء.
وضعت أمام كل واحد منهم نفس الطبق.
ضحك ابني الصغير وقال
ماما... المرة دي كلنا أخدنا نفس قطعة اللحمة.
ابتسمت، وربتّ على رأسه، وقلت
في بيتي... مفيش حد ضيف، ومفيش حد أقل من حد.
وانتهت الحكاية، لكن الدرس بقي معي إلى الأبد
الإهانة الصغيرة إذا تكررت ليست مزحة... بل رسالة. ومن يتعمد أن ينتقص من كرامتك مرة بعد مرة، لا يستحق أن تعطيه ثقتك أو تعبك أو عمرك.

 

تم نسخ الرابط