رواية كاملـة ج1.... محمد عبده
الجزء الثاني
بعد أن صافح مدير عمر والدي، بدأ الهمس ينتشر بين الطاولات.
كان عمر ينظر إلى الرجل وكأنه يحاول استيعاب ما يحدث.
اقترب منه وقال
أستاذ سامر، هل تعرف والد زوجتي؟
ابتسم سامر وقال
أعرفه منذ سنوات. بل إن شركتنا تتمنى دائمًا الحصول على فرصة للعمل مع مؤسساته.
تدخلت نوال بسرعة
لكن كمال مجرد مستثمر، أليس كذلك؟
نظر إليها سامر باستغراب.
مستثمر؟ بالتأكيد لكنه ليس مستثمرًا عاديًا.
ثم التفت إلى والدي وقال
بالمناسبة، أريد أن أشكرك مرة أخرى على مساعدتك لنا في ملف شركة عمر.
ساد الصمت.
تجمد عمر في مكانه.
أي مساعدة؟
نظر سامر إليّ للحظة، وكأنه ينتظر مني الإذن.
لكنني بقيت صامتة.
فقال والدي
كان الملف يمر بإجراءات التقييم المعتادة.
ضحك سامر بخفة.
بل وصلنا الملف بعد توصية من الآنسة ليان نفسها.
اتسعت عينا عمر.
ليان؟
نظرت إليه بهدوء.
نعم.
أنتِ كنتِ تعرفين شركتي قبل أن نتزوج؟
كنت أعرف عنها أكثر مما تتصور.
اقترب عمر مني.
ولماذا لم تخبريني؟
ضحكت بمرارة.
بل السؤال الحقيقي لماذا لم تسألني يومًا عن عملي؟
لم يجد جوابًا.
ثم قلت
عندما كنت تخبرني أن شركتك تحتاج إلى مستثمر جديد، كنت أستمع إليك. وعندما كنت تتحدث عن خوفك من فشل المشروع، كنت أطمئنك. وعندما طلبت مني أن أساعدك في إعداد بعض التقارير، فعلت ذلك.
ثم نظرت إلى سامر.
لكنني لم أخبره أنني كنت الشخص الذي أوصل الملف إلى والدي.
بدأت ملامح عمر تتغير.
يعني أنتِ السبب في حصولنا على التمويل؟
أجبته
أنا لم أعطك المال. أنا فقط منحت شركتك فرصة ليقرأ المستثمرون ملفها.
ساد الصمت للحظات.
أما نوال، فبدت وكأنها لا تزال غير مستوعبة.
ثم قالت
حتى لو كان والدك غنيًا، هذا لا يغير شيئًا. أنتِ أصبحتِ زوجة ابني، وعليكِ احترام عائلته.
نظرت إليها مباشرة.
الاحترام لا يعني أن أتخلى عن مالي أو ممتلكاتي أو عائلتي.
صفقت أختي مريم ببطء من الطاولة المجاورة.
أخيرًا قلتِها.
التفتت إليها نوال بغضب.
هذا شأن عائلي.
أجابتها مريم
ولهذا السبب بالضبط، لا يحق لأحد أن يقرر مستقبل أختي بدلًا عنها.
حاول عمر تهدئة الجميع.
كفى. نحن في حفل زفاف.
نظرت إليه.
أنت من قال لي ألا أُحدث فضيحة، عمر. لكنك لم تطلب من أمك أن تتوقف عندما بدأت تضع شروطًا على حياتي.
لم يجب.
خلعت خاتم الزواج من إصبعي ببطء.
توقفت الأنفاس حولنا.
وضعت الخاتم فوق كأس العصير.
ثم قلت
قبل أن نتحدث عن الزواج، يجب أن نعرف شيئًا أهم هل كنت تريد الزواج مني فعلًا، أم كنت تريد ما ظننته أملكه؟
اتسعت عينا عمر.
ليان، لا تفعلي هذا.
لم أفعل شيئًا بعد.
وفجأة، وصل والدي إلى جانبنا.
نظر إلى عمر ثم إلى نوال.
وقال بهدوء
ابنتي لن تعيش في بيت تُفرض عليها فيه شروط مالية منذ الليلة الأولى.
ثم أضاف
أما بالنسبة لملف شركة عمر، فهناك أمر آخر يجب أن تعرفوه.
نظر سامر إلى والدي.
فقال والدي
التقييم النهائي لم يُحسم بعد.
شهق عمر.
ماذا يعني ذلك؟
أجاب والدي
يعني أن التمويل الذي تعتمد عليه شركتك لم يصبح مضمونًا.
شحب وجه عمر تمامًا.
ثم نظر إليّ.
وفي عينيه هذه المرة لم أرَ الغضب.
رأيت الخوف.
لأنني أدركت في تلك اللحظة أنني لم أكن بالنسبة إليه مجرد زوجة.
كنت الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يخبره لماذا توقفت الصفقة.
لكنني لم أكن مستعدة للكشف عن السبب بعد.
فقد اكتشفت قبل أسبوع واحد فقط أن هناك شيئًا خطيرًا في الحسابات الداخلية لشركته
وشخصًا داخل الشركة كان يحاول إخفاءه.
الجزء الثالث
تغيرت أجواء الحفل بالكامل.
لم يعد أحد يهتم بالموسيقى أو الطعام.
كل الأنظار كانت تتجه نحونا.
أما عمر، فظل واقفًا أمامي وكأنه يحاول البحث عن الكلمات المناسبة.
ليان، لماذا لم تخبريني أن ملف شركتي وصل إلى والدك؟
قلت بهدوء
لأنني أردت أن أعرف شيئًا واحدًا.
ماذا؟
هل ستختارني أنا أم ستختار ما تظنه موجودًا خلفي؟
صمت.
وكان صمته كافيًا بالنسبة لي.
اقتربت نوال من عمر وهمست
لا تجعلها تسيطر عليك. أنت زوجها الآن.
سمعتها بوضوح.
فالتفت إليها والدي وقال
ابنتي ليست بحاجة إلى السيطرة على أحد.
ثم أخرج هاتفه.
لكن هناك أمرًا آخر يجب أن تعرفوه.
فتح والدي رسالة إلكترونية، ثم نظر إلى سامر.
هل أخبرتهم بنتائج المراجعة الأولية؟
هز سامر رأسه.
ليس بعد.
تدخل عمر بسرعة
أي مراجعة؟
أجاب والدي
المراجعة المالية لشركتك.
بدأ عمر يتوتر.
لكن كل شيء كان سليمًا.
نظرت إليه.
هل أنت متأكد؟
طبعًا.
حتى التحويلات التي تمت من حسابات الشركة إلى شركة استشارية لا علاقة لها بنشاطكم؟
ساد الصمت.
تغير وجه عمر.
كيف عرفتِ ذلك؟
لأنني راجعت الأرقام.
اقتربت نوال.
ماذا تقصدين؟
قلت
هناك مبالغ كبيرة خرجت من الشركة خلال الأشهر الماضية تحت بند خدمات استشارية. لكن الشركة التي استقبلت الأموال لم تقدم أي خدمات حقيقية.
نظر عمر إلى سامر.
هل هذا صحيح؟
أجاب سامر
لدينا ملاحظات حول بعض التحويلات، ولهذا تم تعليق القرار النهائي.
بدأ عمر يهز رأسه.
لا هذا مستحيل.
قلت
بل هو صحيح.
ثم أضفت
والأخطر أن شخصًا داخل شركتك كان يملك صلاحية اعتماد تلك التحويلات.
سأل عمر بصوت مرتجف
من؟
نظرت إليه مباشرة.
هذا ما كنت أحاول معرفته.
تدخلت نوال بعصبية
كل هذا كلام لا علاقة له بالزواج!
التفتُّ إليها.
بل له علاقة كبيرة.
كيف؟
لأنك طلبتِ مني قبل دقائق أن أضع مالي تحت سيطرتكِ، وأن أسجل ممتلكاتي باسم ابنكِ.
ثم نظرت إلى عمر.
بينما كنت أكتشف أن هناك أموالًا تختفي من شركته.
لم تستطع نوال الرد.
لكن عمر قال
أنتِ كنتِ تحققين في شركتي من خلف ظهري؟
كنت أحاول حماية الاستثمار الذي قد تحصل عليه شركتك.
ولماذا؟
لأنك كنت زوجي.
كانت تلك الكلمة الأخيرة هي الأكثر إيلامًا.
لأنني قلتها وأنا أعرف أن الزواج الذي دافعت عنه لم يكن يحظى بالحماية نفسها من الطرف الآخر.
في تلك اللحظة، اقترب رجل لم أره من قبل.
كان يرتدي بدلة رسمية ويحمل ملفًا أسود.
تحدث إلى والدي بهدوء
أستاذ كمال، أعتقد أن الوقت حان.
نظر إليه والدي ثم أومأ.
سأل عمر
من هذا؟
أجاب والدي
المراجع القانوني للصندوق.
ثم وضع الرجل الملف أمامي.
آنسة ليان، هذه المستندات التي طلبتها.
فتحت الملف.
كانت هناك نسخ من العقود والتحويلات والمراسلات.
وبين الصفحات، وجدت اسمًا جعل يدي تتوقف.
اسم نوال.
رفعت عيني ببطء.
كانت حماتي تراقبني.
وعندما التقت أعيننا، تغير وجهها فجأة.
أغلقت الملف.
قلت
أعتقد أنني وجدت الشخص الذي كنت أبحث عنه.
تراجع عمر خطوة.
ماذا تقصدين؟
لم أجب.
لأن الحقيقة التي كانت أمامي كانت أكبر من مجرد تحويلات مالية.
كان هناك عقد سري.
وعقد آخر يحمل توقيعًا لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا أصلًا.
وفي أسفل الصفحة، كانت هناك جملة واحدة جعلتني أفهم لماذا أصرت نوال على السيطرة على أموالي منذ الليلة الأولى
في حال فشل الصفقة، تُستخدم أصول الزوجة كضمان بديل.
رفعت رأسي نحو عمر.
وقلت
هل كنت تعرف أن هناك عقدًا باسمي؟
نظر إليّ بصدمة.
أي عقد؟
عندها أدركت شيئًا أخطر.
ربما لم يكن عمر يعرف كل شيء.
وربما كانت والدته قد أخفت عنه الحقيقة أيضًا.
لكن السؤال الذي كان ينتظر إجابته الآن هو
لماذا كان توقيعي موجودًا على عقد لم أوقّعه في حياتي؟
الجزء الرابع
ظللت أحدق في الورقة وكأنني أنتظر أن تختفي الكلمات أمام عيني.
لكنها لم تختفِ.
كان اسمي مكتوبًا بوضوح، وتحت اسمي توقيع يشبه توقيعي بدرجة مخيفة.
قلت
هذا التوقيع ليس توقيعي.
اقترب والدي فورًا.
أعرف.
نظرت إليه.
كنت تعرف؟
قال بهدوء
كنت أشك منذ أسبوعين، ولهذا طلبت من الفريق القانوني مراجعة كل المستندات المتعلقة بشركة عمر.
أما عمر، فكان واقفًا في مكانه عاجزًا عن الكلام.
قال أخيرًا
أمي، ما هذا؟
نوال لم تجبه.
أمي، سألتكِ ما هذا العقد؟
قالت بتوتر
لا أعرف شيئًا عنه.
ضحكت بسخرية.
إذن لماذا اسمك موجود في سلسلة المراسلات؟
ارتبكت.
هذا افتراء.
أخرج المراجع القانوني ورقة أخرى.
لدينا أيضًا تحويلات مالية مرتبطة بالشركة المذكورة في العقد.
نظر عمر إلى والدته.
هل أخذتِ أموالًا من شركتي؟
صرخت
أنا فعلت كل هذا من أجلك!
تجمد الجميع.
كان ذلك الاعتراف كافيًا.
قال عمر
ماذا فعلتِ؟
أجابت وهي تحاول تبرير موقفها
كنت أحاول حمايتك. الشركة كانت تمر بأزمة،