منزل حماتي
الجزء الثاني
وصلتُ إلى منزل حماتي مساء السبت قبل الموعد بقليل.
كان المنزل ممتلئًا بالسيارات، وأصوات أفراد العائلة تتعالى من الداخل. أضواء الحديقة كانت مضاءة، والطاولة الكبيرة في الفناء مزينة بعناية، وكأن المناسبة احتفال حقيقي لا علاقة له بما أعرفه.
استقبلتني نوال عند الباب.
ابتسمت لي ابتسامة واسعة، ثم عانقتني أمام الجميع.
أهلًا يا ليلى... كنت متأكدة إنك هتيجي.
ابتسمت لها بهدوء.
طبعًا. دي مناسبة عائلية، ومينفعش أغيب.
لمحت كريم خلفها.
كان يحمل كوبًا بيده، لكنه ما إن رآني حتى تجمد للحظة.
اقترب مني وهمس
مبسوط إنك جيتي.
نظرت إليه وقلت
وأنا كمان.
لكنه لم يعرف أن كلماتي كانت تحمل معنى مختلفًا تمامًا.
دخلت إلى غرفة المعيشة وجلست بين أفراد العائلة.
كان الجميع يتحدثون ويضحكون، بينما كانت نوال تتحرك بينهم بثقة غريبة.
بعد نحو نصف ساعة، اقتربت مني وجلست بجواري.
قالت بصوت منخفض
الليلة هتكون مهمة جدًا يا ليلى.
نظرت إليها.
ليه؟
ابتسمت.
هتعرفي قريب.
ثم نهضت وتركتني.
لم أتحرك.
كنت أراقب كريم.
بعد دقائق، اقترب منه أحد أقاربه وتحدث معه سرًا، ثم اتجه كريم نحو غرفة المكتب.
عرفت فورًا أن الأمر بدأ.
كان مخططهم بسيطًا.
سيعرضون التسجيل الذي صورته الكاميرا القديمة، ثم يستخدمونه لإقناع الجميع بأنني أخفي شيئًا عنهم أو أنني أتصرف بطريقة غير طبيعية.
وبعدها سيقدم كريم الأوراق المزورة باعتبارها دليلًا على أنني غير قادرة على إدارة ممتلكات والدي.
لكنهم لم يعرفوا أن التسجيل الذي سيعرضونه لم يعد موجودًا بالشكل الذي يتوقعونه.
بعد دقائق، أطفأت نوال بعض الأضواء.
ثم قالت بصوت مرتفع
يا جماعة، عايزة أوريكم حاجة مهمة.
ساد الصمت.
اتجهت الأنظار نحو التلفاز الكبير الموجود في منتصف الغرفة.
وقفت نوال بجواره.
كان كريم يقف خلفها.
ثم أمسكت جهاز التحكم.
قبل ما نتعشى، لازم كل واحد يعرف الحقيقة.
نظرت إليّ مباشرة.
ابتسمت.
ثم ضغطت الزر.
اشتعلت شاشة التلفاز.
ظهر تسجيل للحمّام.
لكن الصورة كانت سوداء تمامًا.
لا شيء سوى الظلام.
تغير وجه نوال.
ضغطت زرًا آخر.
ثم آخر.
لا شيء.
قالت بعصبية
استنى... الملف المفروض يكون هنا.
نظر إليها كريم بقلق.
ماما، إيه اللي حصل؟
بدأت تبحث بسرعة في الجهاز.
ثم التفتت إليّ.
إنتِ عملتي حاجة؟
رفعت حاجبي.
أنا؟ أعمل إيه؟
قالت بانفعال
الكاميرا!
ساد الصمت.
نظر أفراد العائلة إليها باستغراب.
سأل أحدهم
كاميرا إيه؟
تغير لون وجهها.
أما أنا فبقيت جالسة في مكاني.
قال كريم بسرعة
ماما، اهدي.
لكن أحد أفراد العائلة سأل
إيه حكاية الكاميرا؟
لم تجب نوال.
فقلت بهدوء
يمكن أقدر أساعدكم.
التفت الجميع نحوي.
أخرجت هاتفي من حقيبتي.
ثم وضعت جهازًا صغيرًا على الطاولة.
قلت
دي نسخة من التسجيلات اللي اتعملت من الكاميرا اللي كانت مخفية في بيتي.
شهقت نوال.
كريم حدق في وجهي.
قلت
لكن التسجيل ده مش هو المفاجأة.
ثم أضفت
المفاجأة الحقيقية موجودة في مجلد تاني.
بدأت أشغل الفيديو.
ظهر منزل نوال.
غرفة الطعام.
ثم ظهر كريم جالسًا إلى جانبها.
بدأت المحادثة.
وفجأة سمع الجميع صوت نوال وهي تقول
بمجرد ما يشوفوا فيديو الحمّام، هيصدقوا إنها مش مستقرة.
ساد صمت ثقيل.
ثم ظهر كريم وهو يتحدث عن المستندات.
وعندما ذُكر اسم منزل والدي، وضعت إحدى قريباتي يدها على فمها.
نظر كريم إلى نوال.
اقفلي الفيديو!
لكنني لم أوقفه.
قلت
لسه بدري.
استمر التسجيل.
ظهر المستند المزور على الطاولة.
ثم سُمع صوت نوال
هنبدل الورقة الأصلية، ومحدش هيعرف.
تراجعت نوال خطوة إلى الخلف.
قالت
ده متفبرك!
أجبت
كنت متوقعة إنك هتقولي كده.
ثم أخرجت ملفًا آخر من حقيبتي.
عشان كده، كل ملف عندي متسجل ببصمته الرقمية، والنسخ الأصلية محفوظة في مكان آمن.
اقترب كريم مني.
ليلى، اسمعيني...
رفعت يدي.
متقولش حاجة.
توقف.
قلت أمام الجميع
أنا سمعت كل حاجة. وعرفت كل حاجة.
ثم نظرت إلى نوال مباشرة.
وعرفت ليه حطيتي الكاميرا في حمّامي.
بدأت نوال في التراجع.
لكنني لم أرفع صوتي.
إنتِ ما كنتيش بتدوري على فضيحة ليا.
تغير وجهها.
كنتِ عايزة تصنعي فضيحة.
نظرت إلى كريم.
عشان تستخدموها ضدي، وتاخدوا ممتلكات والدي.
ساد صمت تام.
ثم قال أحد أفراد العائلة
كريم... الكلام ده صحيح؟
لم يجب.
كانت تلك اللحظة التي فهمت فيها أن كل الأكاذيب التي بنوها بدأت تنهار.
لكنني كنت قد احتفظت بمفاجأة أخيرة.
وضعت ظرفًا على الطاولة.
وقلت
وده أصل وثيقة الملكية.
ثم نظرت إلى نوال.
والوثيقة اللي عندكم... مجرد نسخة مزورة.
شهقت.
لأول مرة منذ بداية الليلة، لم تجد نوال أي كلمة تقولها.
لكنني لم أكن قد انتهيت بعد.
لأنني كنت على وشك كشف الشخص الذي ساعدهما في تنفيذ الخطة كلها...
يتبع...
الجزء الثالث
ظل الجميع صامتين.
لم يعد أحد ينظر إلى التلفاز.
كل العيون اتجهت إلى نوال وكريم.
أما أنا فبقيت واقفة بجوار الطاولة، والظرف الذي يحتوي على الوثيقة الأصلية أمامي.
قال كريم بصوت منخفض
ليلى، ممكن نتكلم لوحدنا؟
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
لوحدنا؟ بعد ما كنتوا مخططين تعرضوا حياتي كلها قدام العيلة؟
اقتربت إحدى قريبات كريم وقالت
جاوبنا الأول... إنت كنت عارف بالكاميرا؟
لم يرد.
وهذا الصمت كان كافيًا.
صرخت نوال
كريم ما عملش حاجة! كل ده كان عشان نحمي العيلة!
نظرت إليها.
تحموا العيلة من إيه؟
لم تجب.
فقلت
من الحقيقة؟
ثم أخرجت هاتفي مرة أخرى.
لسه في تسجيل ما شغلتوش.
تغير وجه كريم فورًا.
ليلى، بلاش.
قلت
ليه؟
لم يجب.
ضغطت زر التشغيل.
ظهر تسجيل قصير من كاميرا مخفية في مكتب نوال.
كان كريم يجلس أمامها.
لكن هذه المرة لم يكن الحديث عن المنزل فقط.
كان يتحدث عن مستندات والدي.
قال في التسجيل
لازم نخلص قبل ما ليلى تراجع الأوراق مع المحامي.
ردت نوال
أنا رتبت كل حاجة.
ثم ظهر صوت رجل ثالث.
توقفت العائلة عن التنفس تقريبًا.
كان الصوت لرجل يدعى فؤاد رشدي، المحاسب الذي كانت نوال تعتمد عليه في إدارة بعض شؤون الأسرة.
قال
التوقيع الموجود على النسخة هيخليها تبدو صحيحة، ومحدش هيفكر يدقق فيها.
التفت الجميع إلى نوال.
قال أحد أفراد العائلة
فؤاد كان مشارك معاهم؟
أجبت
أيوه.
ثم أضفت
والأهم إن عندي إثبات على التحويلات المالية اللي تمت بينه وبين نوال.
فتحت ملفًا على هاتفي، وعرضت صورًا من كشوف الحسابات.
ظهرت عدة تحويلات متتابعة.
أرقام وتواريخ وأسماء.
كان كل شيء موثقًا.
جلست نوال على أقرب كرسي.
أما كريم فظل واقفًا وكأنه لا يعرف ماذا يفعل.
قلت
كنتوا فاكرين إني لما اكتشفت الكاميرا هواجهكم فورًا.
ثم نظرت إلى الجميع.
لكن لو كنت عملت كده، كنتوا هتمسحوا الأدلة.
أشرت إلى الهاتف.
عشان كده سبت الكاميرا البديلة مكانها.
اقترب أحد أفراد العائلة من الشاشة.
يعني إنتِ كنتِ بتسجلي محاولاتهم؟
أومأت.
بالضبط.
قال كريم بغضب
إنتِ كنتِ بتجسسي علينا!
نظرت إليه بهدوء.
أنا لم أضع كاميرا في بيتك.
ثم أضفت
أنا اكتشفت كاميرا زرعتها أنت وأمك في بيتي، واستبدلتها بجهاز لا يصور أي شيء، لكنه يسجل محاولات الدخول والأوامر.
لم يجد ردًا.
في تلك اللحظة، رن هاتف نوال.
نظرت إلى الشاشة.
كان المتصل هو فؤاد.
لم تجب.
لكن الهاتف استمر في الرنين.
قالت إحدى القريبات
ردي عليه.
نوال لم تتحرك.
فقلت
خليه يتصل.
ثم رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة، ضغطت نوال زر الرفض.
بعد ثوانٍ وصلت رسالة.
قرأتها من مكانها.
كان وجهها قد تحول إلى اللون الشاحب.
قالت
مش ممكن...
سألتها
إيه اللي حصل؟
لم تجب.
أخذت هاتفها بسرعة وحاولت الخروج من الغرفة.
لكن كريم أمسك بذراعها.
ماما، استني.
التفتت إليه.
فؤاد عرف إننا اتكشفنا.
قال كريم
يعني إيه؟
ردت بصوت مرتجف
هو بيقول إن عنده نسخة من الأوراق.
توقفت للحظة.
ثم فهمت.
فؤاد لم يكن مجرد شخص يساعدهما.
كان يحتفظ بأوراق إضافية لنفسه.
لقد خان شريكيه أيضًا.
قلت
هو كان ناوي يستخدم الأوراق ضدكم لوحده.
نظرت نوال إليّ بصدمة.
إنتِ عرفتي ده؟
من التسجيلات.
ثم أضفت
وعشان كده كنت مستنية اللحظة دي.
جلس كريم على الأريكة ووضع يديه على رأسه.
إحنا ضيعنا كل حاجة.
نظرت إليه.
أنت اللي ضيعت كل حاجة يا كريم.
ثم أخرجت ظرفًا ثانيًا.
كان بداخله خطاب من المحامي.
قلت
المحامي أرسل إخطارًا رسميًا لكل الأطراف المعنية، ومعاه نسخة من الأدلة.
رفع كريم رأسه.
يعني إيه؟
يعني من اللحظة دي، الموضوع مش مجرد مشكلة عائلية.
ساد الصمت.
ثم قلت الجملة التي كنت أحتفظ بها منذ اكتشافي للكاميرا
أنتم حاولتم تجعلوني أبدو ضعيفة أمام عائلتي... لكنكم في النهاية جعلتم عائلتكم كلها تشاهد حقيقتكم.
نظرت نوال إليّ طويلًا.
ولأول مرة، لم أجد في عينيها غرورًا أو تحديًا.
وجدت خوفًا.
لكن كان هناك شيء آخر لم أفهمه وقتها.
قبل أن أغادر المنزل، اقتربت مني إحدى قريبات كريم وهمست
ليلى... في حاجة لازم تعرفيها عن أبوكي.
توقفت.
عن والدي؟
أومأت.
أيوه.
ثم نظرت حولها لتتأكد ألا أحد يسمع.
البيت اللي على البحيرة... مش هو كل اللي سابهولك.
تجمدت في مكاني.
إيه قصدك؟
قالت
في حساب تاني باسم والدك، ونوال كانت تعرف عنه.
ثم أضافت
لكنها لم تكن تعرف أن والدك ترك فيه رسالة لك.
نظرت إليها بدهشة.
وفي تلك اللحظة أدركت أن قصة منزل والدي لم تكن قد انتهت بعد.
بل ربما كانت قد بدأت للتو.
يتبع...
الجزء الرابع
ظللت واقفة للحظات، غير قادرة على استيعاب ما سمعته.
قلت لها
إيه الحساب اللي بتتكلمي عنه؟
نظرت حولها مرة أخرى، ثم قالت
مش هنا. تعالي معايا.
خرجنا إلى الحديقة الخلفية، بعيدًا عن بقية أفراد العائلة.
قالت
أنا سمعت أبو كريم ونوال بيتكلموا من حوالي سنة عن حساب والدك.
وليه ما قلتيليش؟
خفضت عينيها.
كنت خايفة.
خايفة من مين؟
تنهدت.
من نوال.
ثم أضافت
هي كانت عارفة إن والدك كان عنده استثمارات قديمة، لكن كريم ما كانش يعرف كل التفاصيل.
شعرت بقلبي يخفق بسرعة.
يعني الحساب ده لسه موجود؟
على حد علمي، أيوه.
أخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها.
ده اسم البنك.
نظرت إلى الورقة.
كان اسم البنك مألوفًا.
إنه البنك الذي كان والدي يتعامل معه قبل سنوات.
سألتها
إنتِ متأكدة؟
والدك نفسه هو اللي قال لي مرة إن عنده شيء مخبيه للمستقبل.
توقفت.
إمتى قالك الكلام ده؟
ابتسمت بحزن.
قبل وفاته بأشهر.
عدت إلى المنزل وأخذت حقيبتي.
كان كريم لا يزال جالسًا وحده.
رفع عينيه نحوي.
إنتِ ماشية؟
قلت
أيوه.
ليلى، استني.
توقفت دون أن ألتفت.
قال
أنا غلطت.
أجبته
أنت