حكاية سلمى
الجزء الثاني
لم تنم سلمى تلك الليلة.
جلست أمام الطاولة الصغيرة في غرفة المعيشة، وكشف الحساب البنكي أمامها، بينما كان فستانها الأحمر معلقًا على ظهر الكرسي.
كانت تعيد قراءة التحويلات مرة بعد أخرى.
كل شهر مبلغ مختلف.
وأحيانًا أكثر من تحويل في الشهر.
والأغرب أن بعض العمليات تمت في أيام كانت سلمى متأكدة أن عمر لم يكن فيها في المنزل أصلًا.
أمسكت هاتفها واتصلت بالبنك.
أريد معرفة تفاصيل هذه التحويلات، ومن فضلك أريد نسخة كاملة من العمليات المرتبطة بحسابي.
بعد دقائق من التحقق من بياناتها، أخبرها الموظف أن بعض العمليات تمت من خلال خدمة إلكترونية مرتبطة بجهاز سبق تسجيل الدخول منه.
سألت سلمى
هل يمكنني معرفة تاريخ ووقت كل عملية؟
بالتأكيد.
طلبت إرسال كشف تفصيلي إلى بريدها الإلكتروني.
وبعد أن أغلقت الهاتف، شعرت أن الصورة بدأت تتضح.
لكنها لم تكن مستعدة لما ستراه.
فتحت بريدها الإلكتروني.
وكانت هناك عشرات الرسائل القديمة التي لم تنتبه إليها من قبل.
إشعارات بنكية.
طلبات تحويل.
وتنبيهات مرتبطة بحساب آخر لم تعرف عنه شيئًا.
توقفت عند إحدى الرسائل.
كان التحويل الأكبر قد تم قبل أربعة أشهر.
ثمانون ألف جنيه.
ثم عملية أخرى بعدها بشهر.
خمسون ألفًا.
ثم عملية ثالثة.
خمسون ألفًا.
المجموع
180 ألف جنيه.
كان هذا تقريبًا كل ما ادخرته خلال سنوات من العمل.
وضعت يدها على فمها.
لم تبكِ.
كانت صدمتها أكبر من أن تسمح للدموع بالنزول.
وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة من عمر.
سنعود متأخرين. لا تنتظريني.
حدقت سلمى في الرسالة طويلًا.
ثم كتبت
استمتع بليلتك.
وتوقفت.
لم تضف شيئًا آخر.
بعد دقائق، اتصلت بالحاجة زينب.
زينب، هل أنتِ مستيقظة؟
نعم يا بنتي. ماذا حدث؟
أحتاج منكِ معروفًا.
قولي.
هل تعرفين محاميًا تثقين به؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت الحاجة زينب
أعرف رجلًا محترمًا اسمه محمود فؤاد. مكتبه قريب من محطة الرمل. لماذا؟
نظرت سلمى إلى كشف الحساب.
أحتاج أن أسأله عن شيء يتعلق بحساباتي.
لم تسألها الحاجة زينب عن التفاصيل.
فقط قالت
سأرسل لكِ رقمه.
بعد دقائق وصل الرقم.
اتصلت سلمى.
جاءها صوت رجل هادئ
مكتب الأستاذ محمود.
أعتذر عن الاتصال في هذا الوقت، لكن لدي أمر عاجل.
تفضلي.
أعتقد أن زوجي استخدم أموالي دون موافقتي وحوّل مبلغًا كبيرًا إلى حساب والدته.
تغيرت نبرة الرجل قليلًا.
هل لديكِ كشوف الحساب؟
نعم.
لا تواجهيه الليلة.
صمتت سلمى.
لماذا؟
لأنك لا تعرفين حتى الآن حجم ما حدث. احتفظي بكل المستندات، ولا تحذفي أي رسالة أو إشعار بنكي. وغدًا صباحًا أحضري كل شيء إلى مكتبي.
أغلقت سلمى الهاتف.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن شخصًا ما يقول لها لا تتصرفي بانفعال... اجمعي الأدلة أولًا.
ارتدت فستانها الأحمر.
وضعت بعض الطعام على الطاولة.
وأشعلت شمعة.
لم تكن تنتظر عودة زوجها للاحتفال.
كانت تنتظر عودته حتى تعرف إلى أي مدى يستطيع الكذب.
في الثانية عشرة وخمس عشرة دقيقة، سمعت المفتاح في الباب.
دخل عمر وهو يضحك، ثم توقف عندما رآها.
أنتِ ما زلتِ مستيقظة؟
نظرت إليه سلمى.
كنت أنتظرك.
خلع معطفه.
قلت لكِ إننا سنتأخر.
أعرف.
اقترب منها.
لماذا ترتدين هذا الفستان؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أليس جميلًا؟
جدًا.
ثم حاول تقبيل جبينها.
لكنها ابتعدت خطوة.
تغيرت ملامحه.
ما بكِ؟
قالت بهدوء
كم مرة حولت أموالًا من حسابي إلى حساب والدتك؟
تجمد عمر.
لم يجب.
وهنا عرفت سلمى أنها لم تكن مخطئة.
وضعت كشف الحساب أمامه.
180 ألف جنيه.
نظر عمر إلى الورقة.
ثم رفع عينيه إليها.
سلمى، الموضوع ليس كما تتخيلين.
إذن اشرح لي.
والدتي كانت تمر بضائقة.
ولماذا لم تخبرني؟
لأنك كنت سترفضين.
ابتسمت سلمى بسخرية مؤلمة.
إذن كنت تعرف أنني لن أوافق.
لم يجد عمر جوابًا.
اقترب من الطاولة وأمسك الورقة.
سأعيد المال.
متى؟
قريبًا.
متى يا عمر؟
سكت.
قالت سلمى
هل تعرف ماذا يعني هذا المبلغ بالنسبة لي؟
أعرف.
لا. أنت لا تعرف.
ثم أشارت إلى نفسها.
هذا المال كان حلمي.
خفض عمر رأسه.
سنعوضه.
سنعوضه؟
ضحكت سلمى لأول مرة.
أنت لم تدخره. أنا من ادخرته.
وفي تلك اللحظة رن هاتف عمر.
نظر إلى الشاشة.
كانت والدته.
ضغط على رفض المكالمة.
لكن الهاتف رن مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
قالت سلمى
رد.
ليس الآن.
رد يا عمر.
اضطر إلى الإجابة.
جاء صوت نوال غاضبًا من الطرف الآخر
أين أنت؟ لماذا لم تخبرني أن سلمى تعرف؟
تغير وجه عمر.
أما سلمى، فلم تقل شيئًا.
كانت تلك الجملة وحدها كافية.
نوال كانت تعرف.
بل ربما كانت تنتظر أن يكتشف الأمر أحد.
أغلق عمر الهاتف بسرعة.
رفع عينيه إلى سلمى.
أمي كانت خائفة.
وأنا؟
لم يرد.
قالت سلمى
غدًا سأذهب إلى المحامي.
ارتبك عمر.
لا داعي للمحامين.
بالنسبة لي هناك داعٍ.
سلمى، نحن متزوجان.
نظرت إليه طويلًا.
ولهذا تحديدًا كان يجب أن تكون صريحًا معي.
ثم أخذت كشف الحساب من أمامه.
هذه الليلة انتهت.
ماذا تقصدين؟
أجابته بهدوء
أقصد أنني لن أعود تلك المرأة التي تسكت حتى لا تكبر المشاكل.
ثم اتجهت إلى غرفة النوم وأغلقت الباب.
لكنها لم تكن تعرف أن صباح اليوم التالي سيكشف سرًا أخطر من ال ألف جنيه.
سرًا جعلها تدرك أن الأموال التي اختفت من حسابها لم تكن سوى البداية.
الجزء الثالث
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى قبل شروق الشمس.
لم تنم سوى ساعات قليلة، لكنها كانت تشعر للمرة الأولى منذ سنوات بأنها تعرف إلى أين تتجه.
خرجت من غرفة النوم فوجدت عمر جالسًا في المطبخ، والهاتف في يده.
رفع عينيه إليها.
هل ستذهبين فعلًا إلى المحامي؟
وضعت حقيبتها على الكرسي.
نعم.
سلمى، لا تحولي الموضوع إلى قضية كبيرة.
أنت من حولته إلى مشكلة كبيرة عندما أخذت مالي دون علمي.
تنهد عمر.
كنت سأعيده.
متى؟
لم يجب.
قالت
هذا هو السؤال الذي لم تستطع الإجابة عنه طوال الليل.
أمسكت حقيبتها، لكن عمر وقف أمام الباب.
على الأقل اسمعيني.
سمعتك خمس سنوات.
تجمد مكانه.
ثم قالت
الآن جاء دوري لأسمع الحقيقة.
غادرت الشقة.
في الطريق إلى مكتب المحامي، اتصلت بها الحاجة زينب.
وصلتِ؟
نعم.
هل تريدين أن آتي معك؟
ابتسمت سلمى.
لا تقلقي. هذه المرة أستطيع الوقوف وحدي.
وصلت إلى مكتب الأستاذ محمود فؤاد، ووضع أمامه جميع الأوراق.
ظل يقلب المستندات بهدوء.
ثم قال
هذه التحويلات ليست عشوائية.
ماذا تقصد؟
أشار إلى التواريخ.
انظري هنا.
اقتربت سلمى.
كل عملية تقريبًا تمت بعد تحويل راتبك مباشرة.
صمتت.
وهذا يعني أن الشخص الذي كان يدير التحويلات كان يعرف متى يدخل المال إلى حسابك.
شعرت بقشعريرة.
عمر كان يعرف مواعيد راتبي.
صحيح، لكن هناك شيء آخر.
أخرج ورقة إضافية.
بعض التحويلات لم تخرج من حسابك مباشرة إلى حساب والدته.
نظرت إليه.
إذن إلى أين ذهبت؟
قال
إلى حساب وسيط، ثم إلى حساب آخر.
رفعت سلمى رأسها.
لماذا؟
هذا ما علينا أن نعرفه.
ثم أخرج نسخة من إحدى العمليات.
هل تعرفين اسم صاحب هذا الحساب؟
قرأت الاسم.
ثم اتسعت عيناها.
داليا.
شقيقة عمر.
وضعت يدها على جبينها.
لماذا كانت أموالي تذهب إليها؟
قال محمود
لا أعرف بعد. لكن يمكننا طلب المستندات التي توضح مسار الأموال.
ثم سألها
هل لديكِ أي حسابات مشتركة مع زوجك؟
نعم، كان لدينا حساب مشترك قديم، لكنه لم يكن يحتوي على الكثير.
هل ما زال مفتوحًا؟
أعتقد ذلك.
توقف محمود عن الكتابة.
أعتقد؟
عمر كان يتولى معظم الأمور البنكية.
رفع المحامي نظره إليها.
سلمى، هذه نقطة مهمة جدًا. عليكِ معرفة كل الحسابات المرتبطة باسمك.
شعرت أن الأرض تضيق تحت قدميها.
في تلك اللحظة، رن هاتفها.
كان عمر.
لم تجب.
ثم وصلت رسالة
أين أنتِ؟
أغلقت الهاتف.
وبعد دقائق وصلت رسالة أخرى
أمي تريد مقابلتك.
لم تفهم لماذا.
ثم وصلت الرسالة الثالثة
لا تخبري المحامي بأي شيء قبل أن نتحدث.
رفعت سلمى عينيها إلى محمود.
هل قرأت الرسالة؟
أومأ.
احتفظي بها.
قالت
هل تعتقد أنه يخفي شيئًا آخر؟
أجاب
أنا لا أريد أن أفترض شيئًا قبل أن نملك دليلًا.
ثم أضاف
لكن من الواضح أن قصة ال ألف جنيه ليست القصة كاملة.
في تلك اللحظة، وصل إشعار جديد إلى هاتف سلمى.
فتحته.
كان من البنك.
تم تسجيل دخول جديد إلى أحد حساباتك الإلكترونية.
تغير لون وجهها.
هذا حدث الآن.
نظر محمود إلى الشاشة.
هل أنتِ من سجلت الدخول؟
لا.
هل عمر يملك بيانات الدخول؟
كان يعرفها.
قال المحامي بسرعة
اتصلي بالبنك فورًا واطلبي إيقاف الوصول الإلكتروني وتغيير كل كلمات المرور.
فعلت سلمى ذلك.
وبعد دقائق، أكد لها موظف البنك أنه تم تأمين الحسابات.
ثم سألته
هل تستطيعون معرفة الجهاز الذي حاول تسجيل الدخول؟
أجاب الموظف
لدينا بيانات الدخول، ويمكن للجهة المختصة طلبها رسميًا.
أغلقت المكالمة.
لم تقل شيئًا.
فقال محمود
الآن أصبح الأمر أكثر جدية.
في المساء، عادت سلمى إلى شقتها.
وجدت عمر ينتظرها.
كان جالسًا في الظلام.
أين كنتِ؟
وضعت حقيبتها جانبًا.
في مكان كان يجب أن أذهب إليه منذ سنوات.
عند المحامي؟
نعم.
وقف عمر.
قلت لكِ ألا تفعلي ذلك.
وأنت قلت لي إنك ستعيد المال.
اقترب منها.
أمي تريد الحديث معك.
ليس لدي ما أقوله لها.
ستندمين إذا جعلتِ الموضوع يصل إلى المحكمة.
توقفت سلمى.
ثم نظرت إليه بثبات.
هل تهددني؟
صمت.
قالت
هذه أول