حكاية سلمى
إنقاذ أخي.
قالت سلمى
وأنقذته بأموالي؟
صمتت داليا.
ثم قالت
لم يكن عمر هو صاحب الفكرة الأولى.
سألت سلمى
ماذا تقصدين؟
أمي كانت تعرف عن ديون المشروع منذ البداية.
تجمدت سلمى.
أمي؟
نعم.
ومن اقترح استخدام اسمِي؟
سكتت داليا طويلًا.
ثم قالت
أمي.
أغلقت سلمى عينيها.
كانت كل الخيوط تعود إلى المكان نفسه.
نوال.
والمرأة التي أهانتها في ليلة رأس السنة، وتركت لها حساءً سريع التحضير بينما أخذت أفضل الطعام، كانت تعرف منذ سنوات أن أموال سلمى تُستخدم لسداد ديون لم تكن لها علاقة بها.
وفي تلك اللحظة، وصلت رسالة من محمود
وجدنا المستند الذي كنا نبحث عنه. إذا كان صحيحًا، فسيغير القضية بالكامل.
أرسلت سلمى
ما هو؟
جاء الرد بعد دقيقة
الوثيقة تثبت أن نوال كانت صاحبة التعليمات الأولى، وأن عمر وداليا نفذا ما طلبته.
وضعت سلمى الهاتف على الطاولة.
ثم نظرت من النافذة.
بعد خمس سنوات من الصمت، لم تعد تريد الاعتذار أو التبرير أو حتى الانتقام.
كانت تريد شيئًا واحدًا فقط
أن تستعيد حياتها واسمها ومالها.
لكن عندما وصلت إلى مكتب محمود في صباح اليوم التالي، وضع أمامها ظرفًا مغلقًا.
وقال
قبل أن نبدأ الإجراءات، هناك شيء أخير يجب أن تعرفيه.
فتحت سلمى الظرف.
وكانت الورقة الموجودة بداخله تحمل اسمًا لم تتوقع رؤيته إطلاقًا.
اسم الشخص الذي حوّل أول مبلغ من أموالها قبل زواجها.
وعندما قرأت الاسم، أدركت أن القصة بدأت قبل خمس سنوات بكثير.
الجزء الأخير
ظلت سلمى تحدق في الاسم المكتوب على الورقة، وكأن عقلها يرفض تصديقه.
كان الاسم
حسام عبد الرحيم.
والد نوال.
لكن والد نوال كان قد توفي قبل سنوات من زواجها بعمر.
رفعت عينيها إلى محمود.
كيف يمكن أن يكون هو من حوّل المال؟
أجاب محمود
لم يحوّل المال بنفسه. المستند يشير إلى أن الحساب كان يُدار بواسطة شخص آخر، لكن اسم حسام استُخدم في البداية لفتح الحساب.
ومن كان يملك صلاحية الوصول إليه؟
قلب محمود الصفحة الأخيرة.
نوال.
ساد الصمت.
الآن فهمت سلمى لماذا كانت نوال تعرف كل شيء.
لم تكن مجرد أم تستفيد من أموال ابنها.
كانت جزءًا من الخطة منذ البداية.
قال محمود
لدينا الآن تسلسل واضح للمعاملات والمستندات. لكن أهم شيء هو أن بعض الأوراق تحمل بيانات استخدمت دون موافقتك.
نظرت سلمى إلى الملفات.
وماذا سيحدث الآن؟
سنبدأ الإجراءات الرسمية لاستعادة حقوقك وإثبات أنك لم تنشئي الشركة ولم تفوضي أحدًا باستخدام بياناتك.
أخذت نفسًا عميقًا.
وماذا عن عمر؟
سيُطلب منه تقديم تفسير لكل معاملة مرتبطة بالحسابات.
خفضت سلمى عينيها.
كانت تشعر بالحزن أكثر من الغضب.
خمس سنوات من الزواج.
خمس سنوات كانت تظن فيها أنها تبني مستقبلًا مع رجل يحبها.
وفي النهاية اكتشفت أنها كانت تحاول بناء مستقبل بينما كان هو يستخدم مدخراتها لإصلاح أخطاء أخفاها عنها.
في المساء، عادت إلى المنزل.
كان عمر ينتظرها.
وقف فور رؤيتها.
هل انتهى الأمر؟
نظرت إليه.
بالنسبة لي، نعم.
سلمى...
لا تحاول إقناعي.
اقترب خطوة.
أنا أخطأت.
لم يكن خطأً واحدًا.
سكت.
قالت
كانت هناك سنوات من الأسرار.
كنت خائفًا.
وأنا كنت أعيش معك وأنا لا أعرف الحقيقة.
جلس عمر.
هل ستتركينني؟
نظرت إليه طويلاً.
أنت تركتني منذ اليوم الذي قررت فيه أن تستخدم اسمي ومالي دون علمي.
لم يجد ما يقوله.
ثم أخرجت من حقيبتها نسخة من المستندات.
وضعتها أمامه.
هذه آخر مرة نتحدث فيها عن الموضوع بيننا.
ماذا ستفعلين؟
أجابته بهدوء
سأستعيد حقي بالطريقة الرسمية.
نظر إليها عمر بحزن.
وهل انتهى كل شيء؟
قالت
الشيء الوحيد الذي انتهى هو صمتي.
في اليوم التالي، بدأت الإجراءات القانونية.
قدمت سلمى المستندات التي جمعتها، وتم توثيق اعتراضها على الشركة والحسابات والمعاملات التي تمت دون علمها.
أما الأموال، فبدأ تتبعها رسميًا لمعرفة مسارها بالكامل.
وبعد أسابيع، ظهرت نتائج التحقيق الأولية.
ثبت أن سلمى لم تكن صاحبة القرار في إنشاء الشركة، وأن بياناتها استُخدمت في عدد من الإجراءات دون موافقتها.
كما ظهرت مستندات تربط عمر وداليا ونوال بالتحويلات المالية.
لم تسترد سلمى أموالها كلها في يوم واحد.
لكنها استعادت شيئًا أهم في البداية
حقها في التحكم بحياتها.
أغلقت الحسابات القديمة.
فتحت حسابات جديدة.
واستعادت السيطرة على مدخراتها المتبقية.
ثم عادت إلى حلمها القديم.
استأجرت مكانًا صغيرًا في أحد شوارع الإسكندرية.
دهنت الجدران.
وضعت مكتبًا قرب النافذة.
وعلقت أول لوحة رسمتها بعد سنوات من التوقف.
على الباب كتبت
استوديو سلمى للفنون.
وفي ليلة رأس السنة التالية، جلست وحدها أمام مائدة صغيرة.
لم يكن هناك ديك رومي فاخر.
ولا عائلة تتظاهر بأنها تحبها.
ولا زوج يطلب منها الصبر.
كان هناك فقط طعام بسيط، وكوب عصير، وهدوء لم تعرف قيمته إلا بعد أن فقدته طويلًا.
أخرجت هاتفها.
وجدت رسالة من الحاجة زينب
أتمنى أن تكون سنتك الجديدة مختلفة.
ابتسمت سلمى وكتبت
هذه المرة أنا من سأجعلها مختلفة.
ثم نظرت إلى الفستان الأحمر المعلق في الخزانة.
ارتدته مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن الفستان رمزًا لمواجهة زوجها.
كان رمزًا لبداية جديدة.
وقبل منتصف الليل بدقائق، أغلقت ملف القضية ووضعته داخل درج مكتبها.
ثم نظرت إلى أول لوحة معلقة على الحائط.
وقالت لنفسها
بعض الناس يعتقدون أن خسارتك تبدأ عندما يأخذون مالك... لكنهم لا يعرفون أن خسارتهم الحقيقية تبدأ عندما تتوقف عن الخوف منهم.
دقت الساعة الثانية عشرة.
ابتسمت سلمى.
ولأول مرة منذ خمس سنوات، دخل عام جديد دون أن تنتظر إذن أحد لتعيش حياتها.
النهاية.
حكايات محمد عبده