القصة كاملة بقلم محمد عبده
الجزء الأول
لن تركبي سيارتي، فأنا لا أُدخل الغرباء إليها. إذا أصبحتِ زوجة ابني بالفعل، فتعلّمي كيف تصلين إلى المكان بنفسك.
قالت نادية الشافعي ذلك من نافذة سيارتها بينما كانت الأمطار الغزيرة تضرب محطة قطارات الإسكندرية.
وقفت ليان محمود في مكانها، وحقيبتان كبيرتان عند قدميها.
كانت تلك أول زيارة لها لعائلة زوجها كريم منذ زواجهما.
غادرت القاهرة قبل شروق الشمس، وهي تحمل الهدايا علبة حلويات فاخرة لوالد زوجها، وقهوة فاخرة لنادية، وألعابًا لأبناء إخوة زوجها، بالإضافة إلى طقم أوانٍ مصنوع يدويًا كانت سمر، شقيقة كريم، قد طلبته منها قائلة
لأنه سيليق تمامًا بديكور منزلي.
كانت الفيلا العائلية، التي تُعرف باسم فيلا الياسمين، تقع على مسافة تقارب ساعة بالسيارة، في منطقة هادئة على أطراف مرسى مطروح.
كان كريم يجلس في المقعد الأمامي بجوار والدته.
انتظرت ليان أن يترجل من السيارة.
لكنه لم يفعل.
حبيبي، لا تبدأ المشاكل من فضلك قال كريم وهو ينظر إلى هاتفه أمي هكذا دائمًا. سايريها فقط.
أما سمر، التي كانت تجلس في المقعد الخلفي، فقد رفعت هاتفها وبدأت بتصوير ليان.
انظروا إلى أميرة القاهرة! قليل من المطر لن يقتلها. دعوها تتعلم أن الأمور هنا لا تسير على هواها.
ابتسمت نادية بسخرية وقالت
فلتذهب سيرًا على الأقدام. زوجة الابن لا تصبح فردًا حقيقيًا في هذه العائلة إلا عندما تتعلم الطاعة.
شعرت ليان وكأن شيئًا انكسر بداخلها، لكنها لم تجادل.
نظرت إليهم بهدوء وقالت
هل أنتم متأكدون؟
تمامًا.
حسنًا.
انطلقت السيارة مبتعدة، وتركتها وحدها تحت المطر.
عادت ليان إلى داخل المحطة، وتركت حقائبها في مكان لحفظ الأمتعة، ثم فتحت تطبيق الخرائط على هاتفها.
كانت المسافة نحو اثني عشر كيلومترًا، وأكثر من ثلاث ساعات سيرًا على الأقدام، مع وجود أجزاء طويلة من الطريق بلا أرصفة.
وقبل أن تتحرك، أرسلت موقعها إلى والدتها سعاد محمود.
كانت سعاد امرأة ناجحة تدير مجموعة استثمارية كبيرة تعمل في مجال الفنادق والمنتجعات السياحية.
وبعد نحو نصف ساعة، نشرت سمر مقطع الفيديو في مجموعة العائلة التي تضم أكثر من عشرين شخصًا، وكان اسمها
عائلة الشافعي
وكتبت أسفل الفيديو
الدرس الأول للعروس الجديدة.
بدأت الرسائل تنهال بسرعة.
اتركوها خارج المنزل عندما تصل.
بنات القاهرة يعتقدن أن كل شيء يمكن شراؤه بالمال.
أحسنتِ يا نادية.
كان كريم يقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى.
لكنه لم يكتب أي تعليق.
وفي الوقت نفسه، وصلت ثلاث سيارات سوداء إلى محطة الإسكندرية.
نزلت سعاد محمود من السيارة الوسطى برفقة فريقها.
كانت لديها في ذلك اليوم زيارة مقررة إلى فيلا الياسمين لتقييم عقد حصري لمدة ثلاث سنوات مع العائلة.
كان العقد المقترح من شأنه أن يحقق للعائلة أرباحًا ضخمة.
لكن عندما فتحت سعاد هاتفها، لاحظت أن موقع ابنتها يتحرك ببطء على طريق ساحلي بعيد.
وبعد دقائق، تمكن مساعدها من الحصول على تسجيل مصور التقطته إحدى المصورات التي كانت موجودة بالمكان وشاهدت ما حدث.
شاهدت سعاد نادية وهي تمنع ابنتها من ركوب السيارة.
وشاهدت سمر وهي تضحك وتصورها.
وشاهدت كريم جالسًا في السيارة دون أن يتحرك، بينما تُترك زوجته وحدها وسط العاصفة.
لم ترفع سعاد صوتها.
ولم تدخل في جدال.
فقط أجرت اتصالًا بمدير الشؤون القانونية في شركتها.
ألغوا الزيارة.
صمت الرجل لحظة ثم سأل
هل تقصدين إلغاء زيارة اليوم فقط؟
أجابته سعاد ببرود
لا. ألغوا الزيارة، وأوقفوا جميع المفاوضات المستقبلية معهم.
مفهوم.
بعد عشرين دقيقة فقط، تلقى مدير فيلا الياسمين اتصالًا هاتفيًا.
كان واقفًا بجوار نادية وهي تستعد لاستقبال الضيوف، لكن ما إن أنهى المكالمة حتى تغير وجهه تمامًا.
سألته نادية
ماذا حدث؟
ابتلع الرجل ريقه وقال
السيدة نادية... مجموعة محمود للاستثمارات ألغت الاتفاق بالكامل.
تجمدت ملامحها.
لماذا؟
تردد المدير للحظات، ثم قال
لأن المرأة التي تركتموها تسير وحدها تحت المطر... هي ابنة السيدة سعاد محمود.
سقط هاتف كريم من يده.
ساد الصمت في المكان.
لأول مرة، أدركوا أن المرأة التي وصفوها قبل دقائق بأنها غريبة لم تكن غريبة على الإطلاق.
بل كانت ابنة المرأة التي كانوا ينتظرون منها توقيع عقد قد يغير مستقبل عائلتهم بالكامل.
لكنهم لم يعرفوا بعد...
أن إلغاء العقد لم يكن سوى البداية.
الجزء الثاني في التعليقات.
الجزء الثاني
لم يستطع كريم أن ينطق بكلمة.
ظل يحدق في هاتفه الذي سقط على الأرض، بينما كانت والدته تحاول استيعاب ما قاله مدير الفيلا.
ابنة سعاد محمود؟! سألت نادية بصوت مرتجف.
هز المدير رأسه.
نعم. والسيدة سعاد كانت هي المسؤولة عن الصفقة التي كنتم تنتظرونها منذ أشهر.
قالت سمر بسرعة
لكن هذا لا يعني شيئًا! ليان لم تخبرنا أبدًا أن والدتها تملك شركة بهذا الحجم.
نظر إليها كريم بغضب.
لأنها لم تكن مطالبة بإخباركم!
ساد الصمت.
كانت تلك أول مرة يقف فيها كريم ضد عائلته منذ بداية زواجه.
لكن نادية لم تهتم.
أخرجت هاتفها واتصلت بليان.
رن الهاتف عدة مرات.
ثم جاءها صوت ابنتها هادئًا
نعم يا نادية؟
ليان، أين أنتِ؟
في الطريق.
عودي فورًا. لقد حدث سوء تفاهم.
توقفت ليان عن المشي للحظة.
نظرت إلى الطريق المبتل أمامها ثم قالت
سوء تفاهم؟
نعم. لم نكن نقصد أن نؤذيك.
سمعت ليان ضحكة قصيرة من الطرف الآخر.
لقد تركتموني وحدي في المطر، وصورتني سمر ونشرت الفيديو أمام العائلة كلها. ماذا تسمي ذلك؟
لم تجد نادية إجابة.
تدخل كريم بسرعة
ليان، أنا آسف. لم أتوقع أن تتصرف أمي بهذه الطريقة.
لكنك كنت جالسًا داخل السيارة يا كريم.
صمت.
كنت تستطيع أن تنزل وتأتي معي.
أعرف.
لكنك لم تفعل.
ثم أغلقت الهاتف.
وقف كريم في مكانه وكأنه تلقى صفعة.
أما سمر، فكانت لا تزال تحاول حذف الفيديو من مجموعة العائلة.
لكن المشكلة كانت أن أحد أفراد العائلة قد حفظه بالفعل.
وبعد دقائق، وصل الفيديو إلى هاتف سعاد.
نظرت إليه مرة أخرى.
ثم قالت لمساعدها
أريد نسخة كاملة من كل ما نُشر في المجموعة.
حاضر.
وأريد أيضًا معرفة كل العقود التي تربط شركتنا بهذه العائلة.
رفع المساعد حاجبه.
هل تريدين إلغاء جميع التعاملات؟
أجابته سعاد
لا أريد اتخاذ قرار غاضب. أريد فقط أن أعرف حجم المصالح التي كانوا يحصلون عليها من خلالنا.
في تلك الأثناء، وصلت ليان إلى مقهى صغير على الطريق.
كانت ملابسها مبللة وحذاؤها مغطى بالطين.
جلست في زاوية هادئة، وطلبت كوبًا ساخنًا.
وبعد دقائق، دخل رجل في الخمسينيات من عمره.
كان يرتدي بدلة بسيطة ويحمل مظلة.
اقترب منها وقال
السيدة ليان محمود؟
رفعت رأسها.
نعم.
أنا حسام، أحد مديري شركة والدتك. أرسلتني لأطمئن عليك.
ابتسمت ليان بحزن.
أمي عرفت؟
منذ وقت طويل.
ثم وضع أمامها حقيبة صغيرة.
ملابس جافة وهاتف جديد وشاحن.
نظرت إليه بدهشة.
لماذا هاتف جديد؟
قال حسام
لأن والدتك قالت إن هاتفك القديم أصبح يحتوي على الكثير من الأدلة.
فتحت ليان عينيها.
أدلة؟
الفيديو، الرسائل، وكل ما كتبوه في المجموعة.
ساد الصمت للحظات.
ثم أخرجت ليان هاتفها القديم.
كانت قد بدأت بالفعل في الاحتفاظ بنسخ من الرسائل.
كنت أشعر أن شيئًا سيحدث.
ابتسم حسام.
والدتك توقعت ذلك أيضًا.
في مكان آخر، كانت نادية تحاول الاتصال بسعاد.
مرة.
ثم مرتين.
ثم خمس مرات.
لكن سعاد لم تجب.
وأخيرًا، وصلتها رسالة قصيرة
سنراجع جميع العقود والتعاملات السابقة قبل اتخاذ أي قرار.
شعرت نادية ببرودة تسري في جسدها.
قالت لسمر
ماذا فعلتِ بالضبط؟
لا شيء! كنت أمزح فقط.
صرخ كريم
كنتِ تصورين زوجتي وتضحكين عليها أمام أكثر من عشرين شخصًا!
وأنت كنت جالسًا في السيارة!
لم يجبها.
لأنه كان يعرف أنها محقة.
في تلك الليلة، اجتمعت العائلة حول الطاولة.
لكن الطعام لم يُمس.
دخل مدير الحسابات حاملاً ملفًا سميكًا.
هناك مشكلة أخرى.
نظر الجميع إليه.
ماذا؟
فتح الملف وقال
بعد مراجعة الحسابات، اكتشفنا أن بعض المصروفات الخاصة بالعائلة كانت تُسجل ضمن مصروفات الضيافة الخاصة بعقود مجموعة محمود.
سألته نادية
ما معنى ذلك؟
بعض الفنادق التابعة لمجموعة محمود كانت تتحمل تكاليف رحلات ومناسبات عائلية خاصة بكم.
شهقت سمر.
كم تبلغ؟
قلب الرجل عدة صفحات.
ثم قال
المبلغ الإجمالي، وفقًا للمستندات التي لدينا حاليًا، يقترب من مليون وأربعمائة ألف جنيه.
ساد صمت ثقيل.
نظر كريم إلى والدته.
هل كنتِ تعرفين؟
قالت نادية بسرعة
بالطبع لا!
لكن مدير الحسابات أخرج ورقة أخرى.
هناك توقيعات بالموافقة على بعض هذه المصروفات.
ثم وضع الورقة أمامها.
كانت تحمل توقيع نادية.
تغير وجهها.
وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار جديد إلى هاتف كريم.
كان من ليان.
فتحه.
كانت رسالة واحدة فقط
لم أخبر والدتي بكل شيء بعد.
رفع كريم رأسه ببطء.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت ليان تجلس بجوار والدتها.
قالت سعاد بهدوء
هل تريدين أن نتصرف الآن؟
نظرت ليان إليها.
ثم تذكرت السيارة التي ابتعدت وتركتها تحت المطر.
وقالت
لا يا أمي.
لماذا؟
أجابت ليان
لأنني أريدهم أن يكتشفوا بأنفسهم حجم الخطأ الذي ارتكبوه.
ابتسمت سعاد.
إذن سننتظر.
لكنها أضافت
وعندما نتحرك، لن يكون بسبب إهانتك فقط.
نظرت ليان إليها باستغراب.
فقالت سعاد
لأن هناك شيئًا أكبر بكثير اكتشفناه أثناء مراجعة الحسابات.
وكان هذا الشيء سيقلب حياة عائلة الشافعي بالكامل.
الجزء الثالث
في صباح اليوم التالي، استيقظت عائلة الشافعي على خبر لم يكن أحد يتوقعه.
كانت الصحف الاقتصادية تتحدث عن مراجعة شاملة لبعض العقود الفندقية، دون ذكر أسماء في البداية.
لكن مدير الحسابات كان يعرف أن الأمر يتعلق بهم.
دخل غرفة الاجتماعات ووضع مجموعة من الملفات أمام نادية.
هناك مشكلة أكبر من المصروفات العائلية.
قالت نادية بتوتر
تكلم.
فتح الملف الأول.
خلال السنوات الثلاث الماضية، تم تحميل عدد من المصروفات الخاصة على حسابات مشاريع مرتبطة بمجموعة محمود.
ثم فتح ملفًا ثانيًا.
وهناك فواتير لمناسبات عائلية، وإقامات فندقية، ورحلات خاصة، تم تسجيلها على أنها اجتماعات عمل.
سأل كريم
من كان يوافق على هذه الفواتير؟
نظر المدير إلى الأوراق.
بعضها يحمل توقيع السيدة نادية، وبعضها يحمل توقيع سمر.
شهقت سمر
مستحيل!
التوقيع موجود أمامي.
قال كريم بغضب
لماذا لم تخبريني بهذا؟
ردت نادية
لأنني لم أكن أعرف أن الأمور وصلت إلى هذا الحد!
ثم نظرت إلى مدير الحسابات
هل يمكن إصلاح الأمر؟
هز رأسه.
إذا كانت مجموعة محمود تريد استرداد الأموال، فالأمر لن يكون سهلًا.
في تلك اللحظة، رن هاتف كريم.
كانت ليان.
أجاب فورًا.
ليان، أرجوك، علينا أن نتحدث.
جاء صوتها هادئًا
تحدث.
أنا مستعد للاعتذار أمام الجميع.
الاعتذار ليس المشكلة يا كريم.