ابن جاري

لمحة نيوز

بسرعة
الكلام ده مالوش علاقة بالموضوع!
بصيت له.
بالعكس.
وأشرت للملف.
أنا بدأت أحس إن كل حاجة لها علاقة ببعض.
سامح فتح صفحة تانية.
فيه سبب خلاني أرجعلك بعد كل السنين دي.
ناولني ورقة.
قرأتها.
وفي أول سطر كان مكتوب
إعادة فتح ملف عملية الصقر بأمر رسمي.
رفعت عيني.
مين فتح الملف؟
سامح قال
نفس الشخص اللي كان سبب إن العملية تتقفل من سبع سنين.
بصيت لجلال.
هو ما قالش كلمة.
لكن مروان بدأ يفهم إن اللي حصل قدام الناس من شوية...
ماكانش مجرد تحدي سخيف.
قرب مني وقال بصوت منخفض
هو أبويا له علاقة بكل ده؟
قبل ما أجاوبه، سمعنا صوت فرامل عربية قوية.
عربية سوداء وقفت عند بداية الشارع.
نزل منها رجلين.
الاتنين لابسين ملابس مدنية.
لكن طريقة وقوفهم...
وطريقة مسحهم للمكان بعينيهم...
كانت كفاية بالنسبة لي.
مددت إيدي بهدوء، وأخدت الملف من سامح.
وقلت
سامح...
أيوه؟
دول جايين عشاني؟
بص ناحية العربية.
ثم رجع بصلي.
لأ.
سكت لحظة.
جايين عشان مروان.
وفي نفس اللحظة، واحد من الرجلين رفع إيده وأشار ناحية مروان.
مروان تجمد مكانه.
أما أنا...
فخلعت جوانتي الملاكمة ببطء.
لأنني فهمت أخيرًا إن التحدي اللي حصل من دقائق...
كان مجرد بداية لحكاية أخطر بكتير مروان فضل واقف مكانه، وعينيه معلقة بالرجلين اللي نزلوا من العربية.
واحد منهم قال بصوت ثابت
مروان جلال ويتمان؟
مروان بلع ريقه.
أيوه.
لازم تيجي معانا.
جلال اندفع ناحية الرجل.
محدش هياخد ابني من هنا!
الرجل أخرج بطاقة صغيرة، وما إن شافها جلال حتى رجع خطوة للخلف.
أما أنا، فكنت مركزة في حاجة تانية.
في إيد الرجل كان فيه ظرف أبيض.
وعليه ختم أحمر.
نفس الختم اللي شوفته آخر مرة قبل ما أسيب الخدمة.
اقتربت منه.
مين بعتكم؟
بص لي للحظة، ثم قال
الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه ماټ.
اتجمدت.
سامح رفع عينيه لي بسرعة.
ليلى...
لكنني قاطعته
اسمه؟
الرجل سكت.
فقلت بحدة
أنا سألت عن اسمه.
فتح الظرف.
أخرج ورقة واحدة.
ناولها لي.
قرأت أول سطر.
إلى العقيد ليلى حسن... إذا وصلتك الرسالة، يبقى أنا فشلت في إخفاء الحقيقة.
إيدي اتشدت على الورقة.
عرفت الخط.
مستحيل أنساه.
كان خط العقيد فارس.
الرجل الذي قيل لي إنه ماټ في عملية الصقر.
الرجل الذي دفنّا ذكراه قبل سنوات.
الرجل الذي بسبب مۏته تركت الخدمة نهائيًا.
رفعت عيني لسامح.
إنت قلت لي إنه ماټ.
سامح ما ردش.
سامح... إنت قلت لي بنفسك إن مفيش ناجين.
ظل ساكتًا.
فهمت من سكوته إن الحقيقة كانت أسوأ من الكذب.
جلال حاول يتحرك بعيدًا.
لكنني الټفت له فجأة.
وإنت؟
توقف.
كنت تعرف؟
وشه اصفر.
أعرف إيه؟
اقتربت منه.
إن فارس عايش.
جلال بص لمروان.
ثم لي.
وقال جملة واحدة
أنا ما كنتش أعرف إنه عايش.
ابتسمت بسخرية.
لكنك كنت تعرف إنه موجود.
لم يجب.
وهنا مروان صړخ
بابا! إنت مخبي عني إيه؟
جلال حاول يمسكه.
لكن مروان أبعد إيده.
سيبني!
ثم نظر إليّ.
ولأول مرة، لم يكن في عينيه غرور ولا تحدٍ.
كان فيه خوف حقيقي.
ليلى... هو أنا ليه اسمي موجود في الملف؟
نظرت للورقة.
ثم للصفحة الأخيرة.
وكان هناك جدول صغير.
أسماء.
تواريخ.
أرقام.
وفي آخر السطر...
مروان جلال ويتمان شاهد محتمل.
رفعت عيني إليه.
لأنك شفت حاجة من غير ما تعرف قيمتها.
مروان هز رأسه بسرعة.
إيه؟
قبل ما أجاوبه، انطفأت أنوار الشارع كلها.
صړخ بعض الجيران.
وفي الظلام، سمعت صوت باب سيارة بيتفتح.
ثم صوت واحد قال
انبطحوا!
وفي نفس اللحظة...
جاء صوت ارتطام قوي من ناحية بيت جلال.
سامح جذبني بعيدًا.
لكنني لم أتحرك ناحية الأرض.
كنت بصيت للنافذة المظلمة في بيت جلال.
لأنني رأيت ظل شخص واقف خلف الستارة.
شخص كان يراقبنا.
وبمجرد ما أضواء سيارة الرجلين اشتغلت...
اختفى الظل.
قلت لسامح
مش إحنا الهدف.
عارف.
الهدف جوه بيت جلال.
سامح شد على ذراعي.
لأ.
بصيت له.
قال
الهدف مش البيت.
ثم أشار لمروان.
الهدف هو الولد.
وفي اللحظة دي...
مروان بص لي، وقال بصوت مرتعش
ليلى... أنا فاكر حاجة.
اقتربت منه.
إيه؟
قال
وأنا صغير... أبويا كان بيوديني مكان غريب.
سكت.
وكان كل مرة قبل ما ندخل، يقول لي نفس الجملة.
إيه الجملة؟
مروان رفع عيني لي.
لو سألتك عن أمك... قول إنك ما تعرفش.
توقفت أنفاسي.
لأن مروان لم يكن يعرف...
إن الجملة دي تحديدًا كانت موجودة في آخر تقرير سري لعملية الصقر.
وكان اسم الشخص الذي أصدرها...
اسمي أنا جلال ما لحقش يكمل صرخته.
في اللحظة دي اندفع واحد من الرجلين ناحية مروان، لكنني كنت أسرع.
مسكت مروان من كتفه وسحبته ورايا، وقلت
محدش هياخده من هنا.
الرجل وقف مكانه.
العقيد ليلى، ابعدي.
قلت محدش يقرب منه.
سامح ظهر جنبي، ووشه اتغير تمامًا.
ليلى، اسمعيني. لازم نخرج من البيت فورًا.
ليه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الدور الأرضي.
ثم صوت خطوات سريعة.
واحد من الموجودين صاح
دخلوا!
مروان اتشبث بذراعي.
مين دخل؟
ما جاوبتش.
كنت عارفة إننا مش بنتعامل مع شخص واحد.
كان فيه فريق كامل بيتحرك في البيت.
مسكت مروان وقلت
تعالى ورايا.
نزلنا السلم بسرعة، لكن أول ما وصلنا نصه، ظهر رجل عند المدخل.
كان لابس ملابس سوداء ووشه مغطى.
رفع إيده ناحيتنا.
وقبل ما يعمل أي حركة، ظهر سامح من الخلف وأوقفه.
استغليت اللحظة ونزلت.
جلال كان واقف في الصالة، ووشه شاحب.
صړخت فيه
فين الباب الخلفي؟
سكت.
جلال!
أشار ناحية المطبخ.
جرينا.
لكن قبل ما نوصل للباب، سمعت صوت مروان
استني!
الټفت.
كان واقف قدام خزانة صغيرة.
فتحها.
وأخرج صندوقًا معدنيًا قديمًا.
ده كان عند أبويا.
جلال صړخ
سيبه!
مروان فتح الصندوق.
وفي داخله كانت عشرات الصور.
صور لأشخاص.
أماكن.
خرائط.
وتقارير.
لكن وسط كل ده...
كانت فيه صورة واحدة خلتني أنسى كل شيء.
صورة لطفل صغير.
عمره تقريبًا سبع سنين.
ومكتوب تحتها
الطفل رقم 17 تم نقله من موقع الصقر.
مروان قرب الصورة من وجهه.
ثم بص لي.
ليلى...
أيوه؟
ده أنا.
سكتُّ.
قال
أنا فاكر المكان ده.
جلال جلس على الكرسي وكأنه فقد كل قوته.
خلاص...
رفع عينيه لنا.
خلاص يا مروان. لازم تعرف.
اقتربت منه.
تعرف إيه؟
جلال نظر
لي مباشرة.
مروان ما اتولدش في البيت ده.
تجمد مروان.
إيه؟
وأنا مش أبوه الحقيقي.
لم يتحرك أحد.
حتى سامح وقف مكانه.
مروان بص لجلال وكأنه لم يفهم الكلمات.
إنت بتقول إيه؟
جلال نزل عينيه.
أنا أخذتك من مكان كان المفروض محدش يعرف عنه حاجة.
صړخت
فين؟
جلال رفع عينيه لي.
من نفس المكان اللي اختفى فيه فارس.
قلبي ضړب بقوة.
فارس كان موجود هناك؟
هز رأسه.
أيوه.
ومين كان معاه؟
جلال لم يرد.
لكن مروان فجأة قال
أنا فاكر واحدة.
التفتنا إليه.
واحدة كانت بتيجي لي كل يوم.
سألته
شكلها إيه؟
أغمض عينيه محاولًا التذكر.
كانت لابسة زي عسكري.
اقتربت منه.
فاكر أي حاجة تانية؟
فتح عينيه.
كانت بتقول لي...
سكت.
كانت بتقول إيه؟
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال
متخافش يا نوح.
اتجمدت في مكاني.
نوح.
اسم ابني.
اسم ابني اللي عمره خمس عشرة سنة.
ابني اللي كنت متأكدة إني ولدته بنفسي.
ابني اللي تركته في البيت من ساعات.
صړخت
سامح!
فهم من نظرتي.
إيه؟
قلت
لازم نرجع بيتي حالًا.
مروان سأل
ليه؟
نظرت له.
لأنهم ما كانواش عايزينك أنت بس.
ثم نظرت ناحية الباب الخلفي، حيث كانت أصوات السيارات تقترب.
كانوا عايزين يعرفوا مكان نوح.
وفي نفس اللحظة...
وصلني اتصال من رقم ابني.
فتحت الخط.
لكن بدل ما أسمع صوت نوح...
سمعت صوت رجل غريب يقول
أخيرًا يا عقيد.
ثم ضحك.
دلوقتي بقى عندك اختيار واحد بس.
وسكت لحظة قبل أن يقول
تنقذي ابنك الحقيقي...
أو تنقذي الولد اللي قضيتِ خمسة عشر سنة تربيه فضلت ماسكة التليفون على ودني، وأنا حاسة إن الډم اتسحب من وشي.
فين نوح؟
الرجل ضحك بهدوء.
السؤال الصح مش فين... السؤال مين نوح؟
لو لمست ابني...
ابنك؟
سكت لحظة، ثم قال
إنتِ متأكدة؟
قفلت عيني.
كنت بحاول أسيطر على نفسي.
أنا عشت سنين طويلة وسط الخطړ، واتعلمت إن أول حاجة بېموت بسببها الإنسان هي خوفه.
لكن لما سمعت صوت ابني من بعيد...
ماما!
فتحت عيني فورًا.
ده صوت نوح.
صوت ابني الحقيقي.
صړخت
نوح! إنت فين؟
الرجل رد
قدامك خمس دقايق.
لو حصله حاجة...
مش هيحصله حاجة لو نفذتي التعليمات.
إيه التعليمات؟
ارجعي للبيت.
بصيت لبيت جلال.
سامح فهم من نظرتي.
مستحيل ترجعي لوحدك.
الرجل أكمل
وادخلي الأوضة اللي فوق.
الأوضة المقفولة.
نظرت لسامح.
هو عارف كل حاجة.
قال
أو حد جواه بيوجهه.
الصوت رجع
افتحي الباب... وهتعرفي مين ابنك الحقيقي.
ثم انقطع الاتصال.
مروان كان واقف قدامي.
ملامحه كانت مکسورة.
ليلى...
إيه؟
لو أنا مش ابن جلال...
سكت.
يبقى أنا ابن مين؟
نظرت إليه.
ولأول مرة، لم أعرف ماذا أقول.
وفجأة جلال اقترب مني، ومد إيده بظرف صغير.
ده كان لازم يفضل مدفون.
فتحت الظرف.
خرجت منه ورقة واحدة.
وفي أعلاها
بيانات الطفل نوح حسن.
شهقت.
مروان بص للورقة.
نوح؟
جلال قال
أيوه.
إيدي بدأت ترتعش.
الاسم نفسه.
اسم ابني.
لكن تحت الاسم كان فيه تاريخ ميلاد.
قرأته.
كان مطابقًا تمامًا لتاريخ ميلاد نوح.
رفعت عيني لجلال.
إنت عايز تقول إيه؟
قال بصوت مبحوح
إن الطفل اللي أخدته أنا من موقع الصقر...
ثم نظر إلى مروان.
مش هو مروان.
ثم نظر إليّ.
اسمه الحقيقي كان نوح.
تراجعت خطوة.
لأ...
جلال قال
ومروان الحقيقي...
سكت.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت باب البيت بيتفتح.
التفتنا جميعًا.
كان نوح واقف عند المدخل.
ملابسه متسخة، وفي إيده ورقة قديمة.
وعينيه مليانة خوف.
ماما...
جريت عليه
إنت كويس؟
هز رأسه.
ثم رفع الورقة.
لقيت دي في أوضتي.
أخذتها منه.
فتحتها.
وكانت آخر جملة مكتوبة فيها
لا تخبروا ليلى أن الطفل الذي أنقذته في عملية الصقر أصبح ابنها.
تجمدت.
مروان اقترب ببطء.
يعني مين فينا ابنها؟
لم أستطع الرد.
لأن سامح أخذ الورقة من إيدي، وقرأ ظهرها.
ثم رفع عينيه نحوي.
ليلى...
إيه؟
قال بصوت منخفض
إحنا كنا فاهمين العملية غلط من البداية.
يعني؟
نظر إلى نوح.
ثم إلى مروان.
الاتنين كانوا جزء من عملية الصقر.
وفي اللحظة نفسها...
جاء صوت من الطابق العلوي.
وأخيرًا عرفتي.
رفعنا رؤوسنا.
الشخص الذي كان خلف الباب خرج إلى الممر.
ظهره كان منحنيًا قليلًا.
وشعره أبيض.
لكنني عرفته فورًا.
فارس.
الرجل الذي عشت سبع سنين أعتقد أنه ماټ.
وقف أمامي وقال
سامح قال لك نص الحقيقة.
ثم نظر إلى مروان.
وجلال أخفى النص التاني.
ثم نظر إلى نوح.
وسكت طويلًا.
قبل أن يقول
لكن الحقيقة الكاملة...
كانت أخطر من الاتنين.
ثم أخرج صورة قديمة جدًا من جيبه.
وحطها قدامي.
وفي الصورة...
كنت أنا.
وأنا شايلة طفل رضيع بين إيديا.
لكن الطفل لم يكن نوح.
ولم يكن مروان.
كان طفلًا ثالثًا.
وتحت الصورة مكتوب
الطفل رقم 18 ابن العقيد ليلى حسن الصورة وقعت من إيدي، لكن قبل ما ألحق أنحني آخدها، فارس قال جملة خلت كل اللي في البيت يسكت.
الطفل ده هو السبب الحقيقي اللي اتعملت عشانه عملية الصقر كلها.
بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب.
ابني؟
فارس هز رأسه.
أيوه.
أنا ما كانش عندي طفل وقتها.
كان عندك.
سكت لحظة.
لكنك ما كنتيش تعرفي.
سامح قرب منه بعصبية.
فارس، كفاية ألغاز!
فارس تجاهله.
ومد لي الصورة.
ركزي في التاريخ.
بصيت للتاريخ المكتوب أسفل الصورة.
كان قبل سنوات من ولادة نوح.
وقبل سنوات من ظهور مروان في حياة جلال.
قلت
مين الطفل ده؟
فارس قال
طفل اتولد أثناء مهمة سرية، وأمه كانت واحدة من أهم الشخصيات في العملية.
مين؟
رفع عينه لي.
إنتِ.
شهقت.
مستحيل.
والدتك كانت تعرف.
تجمدت.
أمي؟
كل الذكريات القديمة بدأت
تم نسخ الرابط