ابن جاري
المحتويات
تتحرك في دماغي.
أمي كانت دائمًا ترفض الكلام عن فترة خدمتي الأولى.
كل مرة أسألها عن سبب وجودي في المستشفى بعد إحدى المهمات، كانت تغير الموضوع.
كل مرة أقول لها إني فاكرة إني فقدت الوعي...
كانت تقول لي
إنتي كنتي تعبانة وخلاص.
لكن فارس أكمل
الطفل اتولد قبل العملية بأيام، وتم إخفاؤه لحمايته.
قلت
فين هو؟
فارس لم يجب.
صړخت
فين ابني؟
نظر إلى نوح.
ثم إلى مروان.
هنا تبدأ المشكلة.
اقترب نوح مني.
ماما، هو بيتكلم عن مين؟
متخافش.
لكن فارس قال
للأسف، الخطړ اللي كان بيطارد الطفل رجع.
جلال قال فجأة
وأنا كنت بحاول أحميه!
الټفت له.
بتحمي مين؟
جلال سكت.
مروان صاح
بابا!
ثم بدأ يضرب بيده على صدره.
أنا مين؟!
جلال لم يستطع النظر في عينيه.
مروان انهار على الكرسي.
أما أنا فكنت واقفة بين ابني نوح وبين كل الأسرار التي بدأت ټنهار حولنا.
ثم فارس أخرج ظرفًا آخر.
ده آخر دليل.
فتحته.
كانت فيه نتيجة تحليل قديمة.
قرأتها.
ثم قرأت الاسم.
ليلى حسن.
وتحته اسم طفل.
نوح حسن.
لكن بجانب الاسم كانت هناك كلمة واحدة
مُستعاد.
رفعت عيني لفارس.
يعني إيه مستعاد؟
قال
يعني الطفل كان مختفيًا...
ثم نظر ناحية مروان.
والطفل اللي جلال أخذه مكانه كان اسمه مختلف.
مروان رفع رأسه ببطء.
اسمي الحقيقي إيه؟
فارس مد له ورقة.
مروان قرأها.
وشه اتغير.
أنا...
سكت.
ثم قال
اسمي الحقيقي فارس جلال حسن؟
سامح شهق.
أما أنا...
فبصيت لفارس.
إنت ليه سميت ابنك باسمي؟
فارس لم يرد.
لكن نوح فجأة شد إيدي.
ماما...
نعم؟
أشار إلى الصورة القديمة.
أنا فاكر الراجل اللي كان واقف جنبك.
نظرت للصورة.
كان هناك رجل في الخلفية، وجهه شبه مخفي.
نوح قال
هو نفس الراجل اللي كان في بيتنا امبارح.
تجمدت.
امبارح؟
هز رأسه.
أيوه.
شوفته فين؟
أشار إلى الصورة.
واقف وراكي.
ثم قال بصوت خاڤت
وهو اللي قال لي إني ما أقولكيش إني شوفته.
في اللحظة نفسها، انطفأت الأنوار مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
لم يكن هناك أحد في الخارج.
جاء صوت رسالة من هاتف مروان.
فتحها.
كانت صورة حديثة.
صورة لبيتي.
وصورة لنوح وهو نائم.
وتحتها رسالة واحدة
دلوقتي عرفتي ليه رجعنا بعد سبع سنين.
ثم وصلت رسالة ثانية.
الطفل رقم 18 مش نوح... ومش مروان.
ورفعت عيني لفارس.
فقال بهدوء
ليلى...
إيه؟
لازم تفتكري آخر حاجة حصلت قبل ما تفقدي ذاكرتك في عملية الصقر.
قلت
أنا فاكرة كل حاجة.
هز رأسه.
لأ.
ثم اقترب مني وقال
إنتِ فاكرة كل حاجة إلا اللي حصل في آخر عشر دقائق من العملية.
وفي اللحظة دي...
بدأت أول صورة من الذاكرة المفقودة تظهر في دماغي.
صوت طفل بيعيط.
صوت طلقات بعيدة.
وإيدي...
وهي بتسلم طفلًا رضيعًا لرجل مجهول.
وقبل ما أشوف وجه الرجل...
سمعت صوتي القديم في ذاكرتي وأنا بقول
خد ابني... وخليه بعيد عني مهما حصل الذكرى ضړبتني مرة واحدة كأن حد فتح باب مقفول جوا دماغي.
شفت المكان.
مش كامل...
مجرد ومضات.
ممر ضيق تحت الأرض.
إنذار أحمر بيومض.
صوت سامح وهو پيصرخ
ليلى! لازم نخرج حالًا!
وصوت طفل رضيع بيعيط.
ثم ظهرت إيدي قدامي.
كنت شايلة الطفل.
لكن كان فيه شخص واقف أمامي.
وجهه ماكانش واضح.
قلت له
خد ابني... ولو حصل لي أي حاجة، ما ترجّعوش للمكان ده.
الرجل رد
وإنتِ؟
قلت
أنا هتعامل معاهم.
ثم سمعت صوت انفجار.
وسقطت على الأرض.
فتحت عيني فجأة.
كنت لسه في بيت جلال.
نوح واقف قدامي.
ومروان بجانبه.
سامح كان بيبص لي بقلق.
ليلى؟
قلت
بصوت متقطع
افتكرت.
افتكرتي إيه؟
نظرت لفارس.
أنا ما كنتش بحاول أنقذ طفل واحد.
فارس هز رأسه.
أخيرًا.
كان فيه طفلين.
جلال أنزل رأسه.
مروان فهم إن الإجابة اقتربت.
وأنا واحد منهم؟
فارس قال
أيوه.
نوح قال
وأنا؟
لم أقدر أجاوبه.
فارس أخرج ورقة جديدة.
الطفل الأول كان اسمه نوح.
مروان تنفس بصعوبة.
يعني...
والطفل الثاني كان اسمه مختلف.
نظر إلى نوح.
لكن بعد العملية، اتبدلت الأسماء.
سألته
ليه؟
فارس قال
لأن الشخص اللي كان بيطارد الطفل الأول كان عنده معلومة واحدة مؤكدة اسمك يا ليلى.
سكت.
وكان عارف إن ابنك الحقيقي هو نقطة ضعفك.
جلال قال
عشان كده أنا غيرت اسم مروان وخبيته.
مروان الټفت له.
إنت كنت بتحميني؟
جلال هز رأسه.
حاولت.
وحاولت تحميني من مين؟
جلال لم يرد.
فارس قال
من نفس الشخص اللي خطڤ نوح.
الټفت له بسرعة.
نوح ما اتخطفش.
فارس بص لي نظرة طويلة.
إنتِ متأكدة؟
قبل ما أتكلم، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة قديمة لنوح وهو طفل.
الصورة اتاخدت في مكان ما أعرفوش.
وتحتها
إنتِ أنقذتي الطفل الخطأ يا ليلى.
ثم وصلت رسالة ثانية
الطفل اللي سلمتيه للرجل المجهول ماكانش ابنك.
إيدي ارتعشت.
نظرت لنوح.
ثم لمروان.
ثم لفارس.
مين ابني؟
فارس اقترب مني.
ولأول مرة، صوته كان فيه خوف.
ده السؤال اللي لازم نجاوب عليه قبل ما الشخص ده يوصل له.
وفجأة سمعنا صوت سيارة توقفت أمام البيت.
سامح بص من النافذة.
ثم قال
في حد نزل.
سألته
مين؟
رد وهو بيشد الستارة
راجل واحد.
شكله إيه؟
سامح سكت.
ثم قال
نفس الراجل اللي في الصورة.
وفي اللحظة نفسها...
رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم جاء صوت من خلف الباب
ليلى...
تجمدت.
لأن الصوت كان صوت أمي الرجل ابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال
أنا ما رجعتش الطفل ليك... لأن الطفل اللي طلبتي مني أحميه ماكانش هو الطفل اللي فاكرة إنك سلمتيهولي.
بصيت لفارس.
يعني إيه؟
فارس كان واقف بصعوبة، ووشه شاحب.
ليلى... ماتسمعيش له.
الرجل ضحك.
لسه بتعمل نفس الغلطة يا فارس. بتخبي عنها الحقيقة بحجة حمايتها.
سامح رفع سلاحھ.
إيديك فوق!
الرجل رفع إيديه بهدوء.
لو كنت جاي أؤذي حد، ماكنتش دخلت لوحدي.
ثم مد إيده ببطء وأخرج ظرفًا صغيرًا.
ده كان مع الطفل.
بصيت للظرف.
كان عليه ختم قديم أعرفه جيدًا.
ختم القيادة الخاصة بعملية الصقر.
أخذته.
إيدي كانت بتترعش.
فتحته.
جواه صورة.
صورة لي أنا...
من سبع سنين.
كنت واقفة قدام مروحية، وشايلة طفل رضيع.
لكن الصدمة مش في الصورة.
الصدمة كانت في التاريخ المكتوب خلفها.
اليوم الأخير من عملية الصقر.
وتحت التاريخ جملة بخط إيدي
الطفل رقم 18 لا يجب أن يعرف أنني أمه.
رفعت عيني ببطء.
أنا كتبت ده؟
فارس قال
أيوه.
ليه؟
سكت.
صړخت
ليه يا فارس؟!
الرجل أجاب بدلًا
منه
لأنك كنتِ عارفة إن فيه خائڼ بينكم.
البيت كله سكت.
مين؟
الرجل بص لسامح.
ثم لفارس.
ثم لجلال.
وأخيرًا بص لي.
الخائڼ ماكانش واحد منهم.
اقترب خطوة.
الخائڼ كان الشخص اللي كنتِ بتثقي فيه أكتر من أي حد.
فجأة...
نوح نزل من على السلم.
كان ماسك ورقة قديمة.
قال بصوت مرتجف
ماما... لقيت دي في أوضة جلال.
أخذتها منه.
فتحتها.
كانت قائمة بأسماء المشاركين في عملية الصقر.
كل الأسماء مشطوبة بالقلم الأحمر...
إلا اسم واحد.
اسم واحد فقط كان بجانبه
مسؤول عن نقل الطفل رقم 18.
وتحته توقيع...
ليلى حسن.
رفعت رأسي.
أنا نقلت الطفل بنفسي؟
الرجل قال
لأ.
سكت لحظة.
ثم ابتسم.
إنتِ كتبتي اسمك على الورقة علشان تحمي الشخص اللي نقل الطفل الحقيقي.
وفجأة...
سمعت صوت ارتطام قوي من الدور العلوي.
جريت ناحية السلم.
لكن قبل ما أوصل، سمعت صوت نوح ېصرخ
ماماااا!
دخلت الغرفة...
والنافذة كانت مفتوحة.
نوح كان واقف لوحده.
والورقة اختفت من إيده.
وعلى الحائط، مكتوب بخط أسود
الطفل رقم 18 لم يختفِ... هو كان عايش قدامك طول السنين ماحدش اتحرك.
صوت أمي جه تاني من ورا الباب
ليلى... افتحي يا بنتي.
قلبي دق پعنف.
أمي ماټت من سبع سنين.
أنا حضرت دفنتها بنفسي.
سامح قرب مني وهمس
مستحيل تكون هي.
هزيت راسي وأنا مش قادرة أبعد عيني عن الباب.
أنا عارفة.
جلال رجع خطوتين للخلف.
أما فارس، فكان الوحيد اللي ما بانش عليه الذهول.
بص لي وقال
ماتفتحيش.
صړخت فيه
إنت عارف مين برا؟
عارف الصوت.
صوت أمي!
عشان كده بالذات ماتفتحيش.
وفجأة...
الصوت اتغير.
بقى أهدى.
وأبرد.
ليلى... أنا عارفة إنك افتكرتي العشر دقايق الأخيرة.
سكتُّ.
الرجل اللي برا كان عارف.
سامح حط إيده على سلاحھ.
محدش يفتح الباب.
ثم سمعنا صوت مفتاح بيدخل في القفل.
جلال شهق
إزاي عنده المفتاح؟!
الباب بدأ يتفتح ببطء.
لكن قبل ما يفتح بالكامل، فارس اندفع ناحيته وقفل المزلاج.
ومن الناحية التانية...
ضحكة قصيرة وصلت لنا.
ثم جاء الصوت
فارس... لسه پتخاف عليها؟
فارس تجمد.
أنا بصيت له.
هو يعرفك؟
ما ردش.
الصوت أكمل
اسألي فارس مين اللي سلّم الطفل رقم 18.
وشعرت ببرودة تسري في جسمي.
فارس قال بصوت منخفض
ماتسمعيش كلامه.
ليه؟
لأنه هيقول لك الحقيقة... بس مش كلها.
وفجأة انطفأت الكهرباء.
غرق البيت في الظلام.
سمعت نوح پيصرخ
ماما!
جريت ناحية صوته.
لكن إيدي لمست الفراغ.
نوح اختفى.
وفي نفس اللحظة، اشتغل ضوء صغير في آخر الممر.
ظهر تحته ظرف أبيض على الأرض.
وعليه اسمي.
إلى ليلى حسن... من ابنك الحقيقي.
مددت إيدي للظرف.
لكن قبل ما ألمسه...
سمعت صوت نوح من فوق السلم
ماما... ماتصدقيش الصورة!
رفعت رأسي بسرعة.
كان نوح واقف هناك.
حي.
سليم.
وبجانبه...
الرجل اللي كان في الصورة القديمة.
نظر لي وقال
أخيرًا افتكرتيني يا ليلى.
ثم قال جملة واحدة جعلت فارس ينهار على الأرض
أنا الرجل اللي سلّمتيه ابنك في الليلة دي.
وفارس همس
لا...
الرجل ابتسم.
والأهم...
بص لي مباشرة.
أنا ما رجعتش الطفل ليك رجعت خطوة لورا.
قريت الجملة تاني
الطفل رقم 18 لم يختفِ... هو كان عايش قدامك طول السنين.
بصيت لنوح.
كان واقف قدامي، ووشه مليان خوف.
نوح... إنت فاكر أي حاجة من زمان؟
هز رأسه.
فاكر إنك كنتي بتيجي لي وأنا صغير.
فين؟
سكت.
ثم حط إيده على رأسه.
مكان أبيض... وكان فيه راجل بيقول لي ماتقولش اسمك الحقيقي.
قلبي اتقبض.
فارس اقترب.
اسأليه عن العلامة.
نوح رفع عينيه له.
أي علامة؟
فارس قال
العلامة اللي كانت على إيده.
نوح بص لإيده اليسرى.
وببطء رفع كم قميصه.
كان فيه أثر صغير قديم على معصمه...
ثلاث خطوط متقاطعة داخل دائرة.
نفس الرمز الموجود على قطعة المعدن.
سامح اتراجع خطوة.
مستحيل.
جلال بص لنوح، ووشه اتغير.
أنا شفت العلامة دي قبل كده.
التفتنا له جميعًا.
فين؟
جلال ابتلع ريقه.
على الطفل اللي أخدته من موقع الصقر.
مروان صړخ
إنت قلت إن الطفل ده مش أنا!
مش إنت.
سكت جلال لحظة.
ثم بص لنوح.
كان هو.
الهواء اتقطع من الغرفة.
نوح قال
يعني أنا الطفل رقم 18؟
فارس لم يرد.
لكن الرجل الغريب ضحك من عند الباب.
لأ.
كلنا بصينا له.
قال
نوح كان الطفل رقم 17.
ثم أخرج صورة أخرى.
ووضعها على الطاولة.
صورة لطفل رضيع ملفوف ببطانية عسكرية.
وعلى البطانية رقم
18
تحت الصورة تاريخ حديث نسبيًا.
مش تاريخ عملية الصقر.
بل بعد العملية ب ثلاث سنوات.
صړخت
دي صورة اتاخدت بعد العملية!
الرجل هز رأسه.
بالضبط.
سامح اقترب من الصورة.
مين الطفل؟
الرجل بص لي.
السؤال الحقيقي مش مين الطفل.
ثم أشار إلى ظهر الصورة.
السؤال هو...
قلبتها.
وكان هناك توقيع.
توقيع أعرفه.
توقيعي أنا.
لكن تحته اسم لم أره في حياتي.
ليلى حسن أم الطفل رقم 18.
شعرت إن الأرض بتتحرك تحتي.
فارس أمسك كتفي.
ليلى...
أبعدت إيده.
ماتلمسنيش.
ثم بصيت للرجل.
إنت عايز مني إيه؟
ابتسامته اختفت.
وقال بهدوء
عايزك تفتكري آخر دقيقة من حياتك قبل ما فقدتي ذاكرتك في عملية الصقر.
ليه؟
لأنك في الدقيقة دي...
توقف.
أعطيتي الطفل رقم 18 لشخص من عائلتك.
اتجمدت.
عيلتي؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم نظر إلى نوح.
والشخص ده هو السبب إنك فضلتي فاكرة إنك ربيتي ابنك لمدة خمسة عشر سنة...
وسكت لحظة.
بينما ابنك الحقيقي كان
متابعة القراءة