حكاية الفتاة الفقيرة
شيء سيتغير
قال المدير غاضبا
ستدمر كل ما بنيناه المستشفيات الأخرى في الشبكة سترى ما يحدث هنا وستبدأ في التساؤل ستخلق سابقة ستكلفنا ملايين!
رد رافائيل بجملة بسيطة
رائع إن كان إنقاذ الأرواح سيكلف ملايين فهذا بالضبط ما سأدفعه
أخرج الدكتور أوغوستو أوراقا من ملفه
انظر إلى هذه الأرقام يا سيدي نسب الإشغال رضا المرضى معدلات الجودة نحن من أفضل المستشفيات الخاصة في البلاد أشهر الأطباء يريدون العمل هنا
سأله رافائيل بهدوء قاتل
وكم شخصا مات كي تحققوا هذه الأرقام
ظل السؤال معلقا في الهواء كحد السيف لم يجد المدير جوابا
قال رافائيل أخيرا
أنت مطرود
شهق أوغوستو
ماذا! سيدي لا يمكنك
بل أستطيع ستأخذ جميع مستحقاتك القانونية كاملة لكنني أريدك خارج هذا المكان قبل نهاية اليوم وأريد كل السجلات للعامين الماضيين كل الحالات التي تم رفضها كل الوثائق المتعلقة بهذه السياسات غير المكتوبة
قال المدير وصداه يتأرجح بين الغضب والذعر
إنك ترتكب خطأ جسيما لن يسير هذا المستشفى من دون من يفهم واقع القطاع الصحي الخاص سوف تفلس المؤسسة
قال رافائيل
إن حدث فليكن أفضل مستشفى مفلسا على أن يكون مقبرة مربحة
غادر الدكتور أوغوستو وهو يضم الملف إلى صدره خطواته ثقيلة فيما بقي
رافائيل في الممر يشعر بثقل ما اكتشفه
كان يعلم أن النظام الصحي في بلاده مليء بالمشكلات وعدم المساواة لكنه الآن رآها مجسدة أمامه بوجه واسم وسياسات
اقتربت منه امرأة في منتصف العمر شعرها مرفوع في كعكة مشدودة عيناها متعبتان لكن فيهما طيبة واضحة
قالت
سيد ميندس اسمي كلاوديا أنا العاملة الاجتماعية في المستشفى منذ ثماني سنوات سمعت أنك تسأل عن سياسات الاستقبال لدينا
قال
صحيح ماذا يمكنك أن تخبريني
نظرت حولها لتتأكد من عدم وجود أحد يستمع ثم قالت
أستطيع أن أخبرك بالكثير أشياء تبقيني مستيقظة ليلا لكن أولا أحتاج أن أعرف هل ستفعل شيئا حقا أم أنها مجرد فضول
قال رافائيل
سأفعل هذا وعد
أومأت كلاوديا وأشارت إلى غرفة اجتماعات فارغة دخلا وأغلقت الباب خلفهما
قالت
المشكلة بدأت قبل نحو ثلاث سنوات عندما تسلم الدكتور أوغوستو منصب المدير الإداري قبل ذلك كانت لدينا سياسة واضحة أي حالة طارئة تستقبل بغض النظر عن القدرة على الدفع بعد ذلك كنا نسعى لتحصيل التكاليف قانونيا لكن لم يكن أحد يترك خارج الباب
سألها
وماذا تغير
أجابت
أدخل نظاما أسماه الفرز
سألها
والأطباء وافقوا
تنهدت
بعضهم اعترض في البداية كانت هناك اجتماعات ساخنة حول أخلاقيات الطب لكنه كان بارعا في الإقناع يعرض أرقاما ويتحدث عن الاستدامة وعن ضمان أفضل مستوى للمرضى الدافعين ثم بدأ تدريجيا بإقصاء كل من يعارضه بشكل واضح
تمتم رافائيل
يا إلهي
تابعت كلاوديا
أنشأ أيضا نظام مكافآت للموظفين الذين يفلترون المرضى غير المرغوب فيهم فرنندا موظفة الاستقبال اليوم كانت من أنجحهم في ذلك كانت تفتخر بعدد الأشخاص الذين تستطيع طردهم دون أن يحدثوا ضجة
شعر رافائيل بالغثيان
سألها
وأنت لماذا بقيت
قالت
كنت أقول لنفسي إنني قادرة على إحداث فرق من الداخل أنه في كل مرة أساعد شخصا في كل مرة أجد ثغرة في النظام لأدخل طفلا أو مسنا فإن وجودي هنا مبرر لكن الحقيقة هي أنني كنت جبانة خفت أن أفقد عملي خفت أن أفقد استقراري وبينما كنت أفكر في نفسي كان الناس يموتون
وضع رافائيل يده على كتفها
أنت تخبرينني الآن هذا أيضا شيء
قالت وهي تمسح دموعها
ليس كافيا لكنه بداية لدي ملفات احتفظت بسجلات لكل حالة أزعجتني لكل مريض طرد ليست كثيرة وربما هي فقط قمة جبل الجليد لكنها بداية
قال
أريد أن أرى كل شيء وأريد مساعدتك لإعادة بناء هذا المكان بالطريقة الصحيحة
أومأت وبدأت قصة أخرى من العمل الشاق
في الساعات التالية غاص رافائيل في تقارير ووثائق أحضرتها كلاوديا من مكتبها الصغير حالات متتابعة لأناس طردوا وأهينوا بدلا من أن يعالجوا
امرأة حامل تنزف أرسلوها إلى المستشفى الحكومي ففقدت طفلها في الطريق مراهق في نوبة ربو حادة رفض لأن شكله يوحي بأنه متعاط سيدة عجوز يشتبه في إصابتها بجلطة صرفت بكلمة ربما ضغط ولم تعالج
كل ملف كان طعنة جديدة في قلب رافائيل والأسوأ من ذلك علمه أنه في النهاية المسؤول الأعلى عن كل هذا
عند منتصف الليل تقريبا خرج من مكتب كلاوديا وعاد إلى قسم العناية المركزة للأطفال
كانت إيزابيلا ما تزال نائمة متصلة بالأجهزة البيبات المنتظمة للمراقبة كانت تبعث بعض الطمأنينة كانت ممرضة الليل تدون ملاحظاتها
سألها بهدوء
كيف حالها
ابتسمت الممرضة
مستقرة العلامات الحيوية جيدة الحرارة نزلت إنها مقاتلة صغيرة
جلس رافائيل على الكرسي بجانب سريرها
أخبريني عندما تستيقظ
قالت
بالطبع لكن يجب أن تذهب للراحة قليلا التعافي سيكون طويلا
هز رأسه
وعدتها أن أكون هنا عندما تفتح عينيها لن أحنث بوعدي
تركته الممرضة وغادرت بقي وحده مع أفكاره ينظر إلى وجه إيزابيلا الهادئ
هناك قرر قرارات كثيرة
أخرج هاتفه وبدأ يجري اتصالات غير عابئ بالوقت
اتصل بمحاميه الرئيسي
ماركوس أنا رافائيل أريدك أن تجهز اليوم أوراق فصل كاملة بحق الدكتور أوغوستو بيريرا المدير الإداري لسانتا كلارا نعم اليوم وأريد أيضا عقد استشارة خاص لكلوديا سانتوس العاملة الاجتماعية ستكون ذراعا أساسيا في إعادة هيكلة الإدارة
ثم اتصل بمديرة الموارد البشرية
أماندا أريد أفضل مدير مستشفى في البلاد شخص يجمع بين الكفاءة الإدارية والسجل الأخلاقي حضري مقابلات الأسبوع القادم
ثم محاسبه
روبرتو أنشئ صندوقا خيريا باسم مؤسسة مارينا ميندس برأس مال ابتدائي 50 مليون ريال من أرباحي الشخصية هدفه ضمان علاج طارئ مجاني لكل طفل يدخل مستشفى سانتا كلارا دون قدرة على الدفع أريده يعمل خلال أسبوع
اتصالا بعد اتصال بدأ يضع حجر الأساس لرؤية مختلفة تماما لما يجب أن يكون عليه المستشفى
مع طلوع الشمس وقد تلونت السماء بدرجات البرتقالي والزهري عبر نافذة العناية المركزة كان قد أجرى أكثر من عشرين مكالمة وأرسل عشرات الرسائل
كان متعبا لكنه يشعر بنوع جديد من الطاقة طاقة من يدرك أن لديه مهمة
في تلك اللحظة سمع صوتا خافتا استدار فرأى إيزابيلا تتحرك عينيها تحاولان الانفتاح
قالت الممرضة بابتسامة
أهلا يا صغيرة مرحبا بعودتك
نظرت حولها حائرة وخائفة وحين التقت عيناها بعيني رافائيل هدأ شيء في داخلها
همست بصوت مبحوح
أنت بقيت
قال
وعدتك أليس كذلك كيف تشعرين
قالت
متعبة وعطشانة
جلبت الممرضة كوبا مع قصبة
اشربي قليلا فقط هذا محلول يساعدك على استعادة قوتك
ارتشفت ببطء ثم قالت بوجه مشمئز
طعمه سيء
ابتسمت الممرضة
سيجعلك أقوى وهذا أهم
بعد أن خرجت نظرت إيزابيلا إلى رافائيل بتلك العينين الجادتين
لماذا بقيت فعلا لا أحد يبقى معي عادة
قال وهو يشعر بوخزة في صدره
لأن من يعد يجب أن يفي بوعده ولأنني أردت البقاء
قالت
لكنك لا تعرفني
ابتسم
ربما لا لكنني أحب أن أتعرف عليك إن سمحت
صمتت لحظة ثم قالت بصدق مؤلم
ليس لدي أحد أبي وأمي رحلوا لا أعمام لا
تنفس رافائيل بعمق كان قد فكر في هذا طيلة الليل
قال
وماذا لو لم يعيدوك ماذا لو كان لديك مكان آخر تذهبين إليه
سألته
إلى أين
قال
إلى بيتي أنا أعيش وحدي في بيت كبير جدا على شخص واحد كنت أفكر ربما تحبين أن تعيشي معي إن أردت طبعا
اتسعت عيناها
مثل ابنة
قال
نعم مثل ابنة ستكون هناك إجراءات وأوراق وأشخاص يتأكدون من كل شيء لكن نعم ستكونين ابنتي
انسابت الدموع على وجهها
لكن لماذا لا أفهم لماذا تريد ذلك
اضطر إلى أن يمسح دموعه هو أيضا قبل أن يجيب
لأنني كان لدي ابنة ذات يوم كان اسمها مارينا وكانت أهم شيء في حياتي لكنها مرضت ولم أستطع إنقاذها ومنذ ذلك الحين أنا أعيش في بيت فارغ أفعل أشياء لا معنى لها وأكدس مالا لا أحتاجه حتى البارحة عندما رأيتك تدخلين هذا المستشفى ورأيت كيف عاملوك استيقظ شيء في داخلي
توقف للحظة ثم تابع
أنا لا أحاول أن أستبدل والديك سيظلان دائما والديك ويمكنك أن تبقي ذكراهم حية ولا أستطيع أن أستبدل مارينا لكن ربما نستطيع أن نصبح عائلة عائلة مختلفة لكنها عائلة
قالت وهي تبكي
كنت أخاف جدا أن أبقى وحدي إلى الأبد في الشارع كنت أفكر كل ليلة أنه لا أحد سيريدني مرة أخرى وأنني سأبقى هكذا حتى
مد يده وأمسك يدها الصغيرة
لن تكوني وحدك بعد الآن أعدك
قالت بابتسامة صغيرة بين الدموع
أنت تعد بأشياء كثيرة
فأجاب
وأفي بها كلها
دخل الدكتور فيليبي إلى العناية المركزة مبتسما
جميل أن أراك مستيقظة كيف تشعرين
بعد أن فحصها وأكد تحسنها استدعى رافائيل إلى الخارج
قال
العملية نجحت لكن التعافي سيستغرق وقتا ستبقى هنا أسبوعين ربما ثم متابعة طويلة هي تعاني من سوء تغذية شديد ومناعتها ضعيفة
قال رافائيل
افعلوا كل ما يلزم وبعد خروجها سأحتاج توصيات لطبيب أطفال وأخصائي تغذية وطبيب نفسي فقدت والديها وعاشت في الشارع وعانت صدمة جسدية ونفسية ستحتاج دعما كبيرا
سأل الدكتور
هل تنوي تبنيها
قال
نعم
ابتسم الطبيب
إنها خطوة جميلة وشجاعة تربية أي طفل تحد فما بالك بطفلة تحمل كل هذه الجراح ستحتاج كثيرا من الحب والصبر والدعم المتخصص
قال رافائيل
عندي ما يكفي من الموارد أتعلم أن أحب من جديد وسأتعلم كل ما يلزم أنا مستعد
تغير كل شيء في الأيام التالية
قضى معظم وقته بين غرفة إيزابيلا وبين الاجتماعات مع المحامين والإدارة
أولا تغيرت واجهة المستشفى تم استبدال مكتب الاستقبال العالي المخيف بمكاتب منخفضة قريبة من الناس وظف عدد من