حكاية الفتاة الفقيرة

لمحة نيوز


الأخصائيين الاجتماعيين في الخط الأمامي لتقييم حالات الهشاشة وضمان عدم ترك أي حالة طارئة دون استقبال 
علقت لوحة كبيرة عند المدخل لا يمكن ألا ترى منقوش عليها 
كل طفل في حالة طارئة يعالج فورا وبالمجان دون أي استثناء 
رقيت كلاوديا إلى مديرة المسؤولية الاجتماعية مع صلاحيات لرفض أي قرار إداري يتعارض مع هذا المبدأ الجديد 
وضع بروتوكول جديد 
لا يرفض أي مريض في حالة طارئة مهما كانت قدرته المالية يعالج أولا ثم تبحث المسائل المالية لاحقا 
وخلال تحقيق أعمق اكتشف رافائيل أن الدكتور أوغوستو كان قد طبق سياسات مشابهة في مستشفيين آخرين من شبكة المستشفيات التي يملكها لم يتردد طرد مديري تلك المستشفيات كذلك وأمر بمراجعات كاملة واستعان بمراقبين خارجيين لمراجعة كل شيء 
بدأت إجراءات تبني إيزابيلا رسميا استعان رافائيل بأفضل المحامين في قضايا الأسرة أجريت زيارات منزلية وتقييمات نفسية ومقابلات مطولة فتح رافائيل حياته كلها للفحص لأنه كان يعرف أن هذا هو الصواب 
خلال الأسبوعين اللذين قضتهما إيزابيلا في المستشفى كان معها كل يوم يقرأ لها الكتب يحضر لها جهازا لوحيا تشاهد عليه الرسوم ويتحدث معها عن حياتها وذكرياتها 
بدأت تبتسم أكثر تنكمش مخاوفها تدريجيا أمام شعور جديد بالأمان 
في إحدى الأمسيات كانت ترسم على السرير رسمت بيتا وشخصين أمامه رجلا طويلا وطفلة صغيرة 
سألته فجأة 
أستطيع أن أسألك شيئا
قال وهو يضع هاتفه جانبا 
طبعا 
سألته 
كيف كانت مارينا
شعر بانقباض في قلبه لكن الألم هذه المرة كان مختلفا أقل حدة 
قال 
كانت رائعة ذكية مضحكة عنيدة أحيانا تحب الحيوانات كانت تريد إنقاذ كل كلب وقط في الشارع 
قالت بهدوء 
مثلي أنا أيضا أحب الحيوانات 
ابتسم 
وكانت تحب الرسم ترسم لساعات 
نظرت

إلى رسمها وسألته 
تظن أنها كانت ستحبني
دمعت عيناه 
متأكد كنتما ستصيران صديقتين مقربتين 
سألته بخجل 
تظن أنها ستغضب لأنك ستتخذ ابنة أخرى
جلس بجانبها وقال 
لا أظنها ستكون سعيدة كان قلبها كبيرا وتكره أن ترى أحدا يتألم لو استطاعت أن تقول لي شيئا الآن لقالت اعتن بها 
هناك في تلك الغرفة بدأ قلبان مكسوران يلتئمان معا 
بعد ثلاثة أسابيع خرجت إيزابيلا من المستشفى 
كان رافائيل قد جهز البيت لها استعان بمهندسة ديكور لتحويل إحدى الغرف إلى غرفة طفلة وترك كثيرا من التفاصيل لتختارها بنفسها لاحقا ملأ المطبخ بأطعمة صحية وبعض الحلويات واستشار أخصائيين لمساعدته في التعامل مع صدماتها 
عندما وصلوا إلى البيت توقفت السيارة أمام منزل كبير في حي هادئ حديقة في الأمام ومسبح صغير في الخلف 
فتحت إيزابيلا عينيها بدهشة 
أأنت تعيش هنا
ابتسم 
نحن نعيش هنا الآن 
طاف بها في أرجاء المنزل ثم أوصلها لغرفتها كانت الجدران بلون أزرق هادئ ورفوف كتب ومكتب صغير بجانب النافذة وسرير

مريح ولوح رسم مع ألوان وفرش 
قال 
قلت إنك تحبين الرسم فظننت أنك تريدين زاوية خاصة لهذا 
كانت تلمس الأشياء بخوف كأنها تخشى أن تتبخر توقفت عند صورة مؤطرة على الطاولة فتاة ذات شعر أسود مجعد تبتسم للكاميرا 
سألت بصوت خافت 
هذه مارينا
قال وهو يقف إلى جانبها 
نعم ظننت أنك سترغبين في التعرف إليها بطريقتك الخاصة 
قالت 
إنها جميلة وتبدو لطيفة 
أجاب 
كانت كذلك كثيرا 
ثم قالت وهي تنظر إليه 
شكرا لأنك أنقذتني ولأنك أحضرتني إلى هنا ولأنك تريد أن تكون أبي 
جثا على ركبتيه أمامها 
لا داعي للشكر أنت من أعطيتني هدية أكبر بكثير أعطيتني سببا لأعيش من جديد لأهتم من جديد لأتذكر أن بوسعي أن أحدث فرقا 
في تلك الليلة بعد أن نامت إيزابيلا عاد رافائيل إلى المستشفى لكن هذه المرة كمالك حاضر لا صاحب بعيد 
دعا جميع الأطباء والممرضين والموظفين والإداريين إلى اجتماع كبير وقفت القاعة ممتلئة والفضول يملأ الوجوه 
وقف أمامهم وقال 
مساؤكم الخير اسمي رافائيل ميندس وأنا مالك هذا المستشفى أعلم أن كثيرين منكم لم يروني من قبل وهذا لأنني ارتكبت خطأ ظننت أن بإمكاني امتلاك مستشفيات دون أن أشرف على طريقة عملها تعلمت بالطريقة الأصعب أنني كنت مخطئا 
حكى لهم قصة إيزابيلا وما اكتشفه رأى وجوها تحمر خجلا وأخرى تغضب وأخرى تشعر بالارتياح لأن أحدا أخيرا قال ما كانوا يخافون قوله 
قال 
أنا هنا لأخبركم أن كل هذا سيتغير هذا المستشفى أسس لإنقاذ الأرواح وهذا ما سنفعله كل الأرواح لا فقط القادرة على الدفع 
تابع 
سيعني ذلك أن بعضكم سيعمل أكثر ستحتاجون إلى مزيد من الإبداع عليكم أن تهتموا بكل مريض يدخل من هذا الباب كإنسان لا كحساب أعلم أن هذا يخيف البعض منكم لكن أقول لكم المستشفى الذي يهتم بالربح فقط ليس مستشفى بل شركة وهذا المكان يجب أن يعود مستشفى حقيقيا 
ثم أعلن 
أنشأت مؤسسة مارينا ميندس برأسمال مبدئي 50 مليون ريال لضمان ألا يرفض أي طفل هنا بسبب عدم القدرة على الدفع وسنوسع ذلك تدريجيا للبالغين أيضا سنبتكر طرقا نحافظ بها على استدامتنا المالية من دون التضحية بإنسانيتنا 
نظر إلى آخر القاعة فرأى أديمير الحارس الكبير في السن وعيناه مملوءتان بالدموع 
قال 
أعلم أن كثيرين منكم وضعوا في مواقف صعبة وأنكم أطعتم أوامر تخالف ما تؤمنون به لست هنا لأدين أحدا أنا هنا لأقول من اليوم فصاعدا لديكم الإذن لا لديكم الواجب أن تفعلوا الصواب وإن حاول أحد إعاقتكم تعالوا إلي مباشرة 
استمر الاجتماع ثلاث ساعات أسئلة نقاشات خلافات لكن في النهاية شعر رافائيل أنه زرع بذرة تغيير حقيقية 
مر شهر تأقلمت إيزابيلا بشكل مدهش مع حياتها الجديدة بدأت جلسات مع معالجة نفسية للأطفال التحقت بمدرسة كونت صداقات اكتسبت وزنا وصحة 
تعلم رافائيل تفاصيل صغيرة عن الأبوة كيف يربط شعرها بضفائر ملتوية كيف يعرف أنها
تكره البروكلي لكنها تعشق الجزر كيف تترك الضوء مضاء في الممر لأنها تخاف من الظلام وكيف يحتاج الطفل أحيانا فقط إلى أن يسمع أنا هنا 
وفي المقابل تعلمت إيزابيلا أن تثق مجددا أن تحب أن تأمل 
في أحد أيام السبت اصطحبها إلى مستشفى سانتا كلارا مرة أخرى توترت فور رؤية المبنى 
قالت 
لا أريد العودة إلى هناك 
قال 
لن نعود كمرضى بل لشيء آخر ثقي بي 
دخلوا من الردهة الرئيسية ورأت فورا الاختلافات الاستقبال صار أكثر دفئا الجدران أقل برودا ركن الأطفال مليء بالكتب والألعاب قادها إلى حديقة داخلية لم ترها من قبل فيها أشجار وزهور ومقاعد في المنتصف نصب رخامي أبيض يحمل لوحة برونزية 
اقتربت وقرأت بصوت مرتجف 
مؤسسة مارينا ميندس
لكي يحصل كل طفل على الرعاية التي يستحقها دون استثناء 
إهداء إلى مارينا صوفيا ميندس التي علمت والدها أن الحب هو أعظم دواء 
قالت 
إنه جميل 
رد 
أردتك أن تريه أردتك أن تعرفي أنه بسببك وبسبب ما حدث لك أصبح هذا المكان مختلفا وأن أطفالا آخرين لن يمروا بما مررت به 
اقتربت منهم امرأة تحمل طفلا رضيعا قالت بخجل 
سيد ميندس قالوا لي إنك ربما تكون هنا اليوم أردت فقط أن أشكرك 
حكت له كيف رفضتها ثلاثة مستشفيات لأنها بلا تأمين ولا مال وكيف استقبلها سانتا كلارا فورا وكيف اكتشف الأطباء إصابة طفلها بالتهاب سحايا وأن ساعات قليلة إضافية كانت كفيلة بأن تقتله 
سألها 
كيف حاله الآن
قالت 
بخير بفضل الله ثم بفضلكم 
قال 
لا حاجة للشكر اعتني به جيدا فهذا هو الأهم 
بعد أن ابتعدت نظرت إيزابيلا إليه بإعجاب 
أنقذت ذلك الطفل مثلما أنقذتني 
قال 
المستشفى أنقذه أنا فقط أصلحت ما كان يجب أن يكون صحيحا من البداية 
عند مغادرتهما توقفت إيزابيلا ونظرت إلى المبنى 
قالت 
الغريب أنني كنت أخاف من هذا المكان عندما صرخت تلك المرأة في وجهي وحين جروني إلى الخارج ظننت أنني لن أثق بأي مستشفى مرة أخرى لكن الآن أرى مكانا آخر مكانا يساعد الناس مكانا جيدا 
قال 
وسيظل كذلك 
في تلك الليلة حين كان يهم بمغادرة غرفتها بعد أن قالت 
أبي
توقف وقلبه يرتجف من الكلمة 
قالت 
أتظن أن والدي سيكونان سعيدين بما حدث
جلس بجانبها وأمسك يدها 
أنا متأكد لقد أحباك كثيرا وكانا سيريدان لك الأمان والسعادة وعائلة تحبك وأينما كانا الآن أنا واثق أنهما مرتاحان لأنك في مكان آمن 
سألته 
ومارينا تظن أنها سعيدة أيضا
قال وعيناه تلمعان 
أظنها تبتسم أظنها سعيدة لوجودك ولسعادتنا ولأننا عائلة 
وقالت 
أحبك يا أبي شكرا لأنك وجدتني ذلك اليوم شكرا لأنك لم تتخل عني 
قال 
وأنا أحبك يا ابنتي ولن أتخلى عنك أبدا 
بعد أن نامت وقف يراقب أنفاسها الهادئة فكر في غرابة الحياة كيف تأخذ منك كل شيء في لحظة ثم تمنحك فرصة جديدة بعد سنوات حين لا تتوقع
شيئا 
لم يستطع أن ينقذ مارينا تلك الجراح ستبقى دائما ذلك الفراغ لن يملأ تماما لكنه أنقذ إيزابيلا وبإنقاذها أنقذته هي أيضا 
ذهب إلى مكتبه جلس أمام صورة مارينا ابتسم لها وقال 
شكرا لأنك علمتني الحب وأريتني ما هو مهم حقا آمل أن تعجبك أختك الصغيرة أظن أنكما كنتما ستصبحان أعز الصديقات 
كان يعلم أنها لن تجيب وأن الصورة مجرد ورق وحبر لكن مع ذلك شعر بسلام داخلي لم يشعر به منذ أعوام كأنها تقول لا بأس تستطيع أن تمضي قدما تستطيع أن تكون سعيدا مرة أخرى 
مرت الشهور وتحول مستشفى سانتا كلارا إلى مرجع في الطب الإنساني بدأت باقي مستشفيات شبكة رافائيل تطبق سياسات مشابهة توسعت مؤسسة مارينا لتشمل ليس الأطفال فقط بل البالغين في أوضاع هشة أيضا 
تسربت قصة إيزابيلا إلى الصحافة أراد الصحفيون تقديم قصة المليونير الذي أنقذ فتاة الشارع رفض رافائيل أغلب المقابلات وقبل بعضها فقط بشرط أن يتركز الحديث على التغيير البنيوي في النظام الصحي لا على بطولته الشخصية 
بعد عام من ذلك اليوم المشؤوم عاد رافائيل وإيزابيلا إلى ساحة المستشفى حيث النصب التذكاري لكن هذه المرة لم
يكونا وحدهما كانت هناك عشرات العائلات أطفال عولجوا بالمجان آباء ممتنون 
أقيمت مراسم بسيطة خطبت فيها كلمات كثيرة عن الإنسانية والرحمة والواجب الأخلاقي 
تحدثت كلاوديا عن ضرورة أن يسبق الإنسان الربح تحدث الدكتور فيليبي عن متعة علاج المرضى دون التفكير في قدرتهم المادية تحدث أديمير عن استعادته لكرامته في عمله 
ثم حان دور رافائيل صعد إلى المنصة الصغيرة وإيزابيلا إلى جواره 
قال 
قبل عام كنت أظن أنني أعرف معنى النجاح ظننته يقاس بالمال والعقارات والنفوذ كنت مخطئا النجاح الحقيقي يقاس بالقلوب التي لمستها بالحياة التي ساعدت في إنقاذها بالحب الذي شاركته 
نظر إلى إيزابيلا فابتسمت له تابع 
هذه الطفلة علمتني ذلك علمتني أن حياة واحدة تساوي أكثر من كل الأرباح في العالم وأن الرحمة ليست ضعفا بل قوة وأننا حين نختار أن نساعد الأضعف فإننا لا نخسر شيئا بل نسترجع إنسانيتنا 
علا التصفيق واغرورقت العيون 
قال 
مؤسسة مارينا ميندس أنقذت 147 طفلا في العام الماضي 147 طفلا كانوا سيرفضون في النظام القديم لكل واحد منهم اسم وقصة ومستقبل وهذا هذا هو المهم 
في طريق العودة إلى البيت كانت إيزابيلا صامتة 
سألها 
في ماذا تفكرين
قالت بهدوء 
كنت أفكر أن الأشياء السيئة تحصل أحيانا لسبب ما ليس لأن فقدان والدي جيد أو لأن مرضي أمر جميل لكن لو لم يحدث شيء من ذلك لما وجدتك ولما تغير هذا المستشفى ولما نجا كل هؤلاء الأطفال 
فكر رافائيل في كلامها ثم قال 
هناك عبارة أحبها لا نستطيع تغيير الماضي لكن يمكن أن نسمح له بتغييرنا ما حدث لك ولي مع مارينا ومعك كله كان مؤلما جدا لكننا اخترنا أن يجعلنا هذا الألم أفضل لا أسوأ 
قالت 
أحب ذلك أن نصير أفضل بسبب الأشياء
السيئة 
قال 
وأنا أيضا 
وهكذا انتهت القصة 
قصة رجل كان يملك المال كله وفقد روحه
وطفلة لم تملك شيئا تقريبا لكنها أعادته إلى إنسانيته

 

تم نسخ الرابط