خفايا بقلم فاطمة علي

لمحة نيوز

كنت في شغلي لقيت تليفوني بيرن برقم عم ابراهيم صاحب كشك الكتب اللي بشتري منه، رديت عليه عشان يقولي 
ازيك يا بنتي عاملة إيه؟ 
الحمد لله بخير يا عم إبراهيم.. أؤمرني.
ما يؤمرش عليكي ظالم يارب.. أنا بصفي كشك الكتب ومسافر بلدنا وقدرت أتصرف في أغلب الكتب بس فيه شوية كده الناس مش عايزاهم لو تعدي عليا تشوفي اللي محتاجاه منهم. 
ابتسمت بود وأنا بقوله 
تروح وترجع بالسلامة يا طيب، جهزهم بس وأنا هعدي أخدهم على طول. 
الراحة والفرحة اللي في صوته وهو بيقولي 
ربنا يجبر خاطرك يا بنتي يارب.. هجهزهم لحضرتك، وهعمل لك خصم كمان 30 . 
خلوني أقوله 
يا ما عملت لي خصومات وياما إديتني كتب هدايا كمان.. فخليها المرة دي كده.. ساعتين بإذن الله وأخلص شغلي وأعدي عليك. 
وقفلت معاه وكملت شغلي اللي اتسحلت فيه لبعد ميعاد الانصراف بساعة كاملة، عشان أرفع راسي عن اللاب ألاقي المكتب فاضي حواليا، أخدت نفس قوي وبصيت للساعة اللي كانت عدت 8 وأنا بلم حاجتي وبقول لنفسي 
يا نهار أبيض على السحلة دي.. زمان عم إبراهيم زهق من الانتظار. 
وقومت من مكاني وأنا بتصل بيه أعتذر له وأبلغه إني هتأخر شوية.
نص ساعة وكنت عنده باخد منه شنطة كتب كبيرة وبسلم عليه بإبتسامة ودودة وأنا بقوله 
هتوحشنا يا طيب.. وهتقطع بينا كمان. 
ابتسم وهو بيقولي 
ما تشوفي وحش أبدًا يارب، إبقي اسمحيلي أتصل بيكي من وقت للتاني أطمن عليكي. 
ابتسمت بود ومحبة وأنا بقوله 
ودي محتاجة سماح يا عم ابراهيم، بس عمومًا أنا اللي هزعجك باتصالاتي ويارب دايمًا أسمع عنك كل خير.
وخلصت معاه وأخدت الكتب وركبت عربيتي وأنا بفكر في عم إبراهيم اللي عاش عمره لوحده في المدينة القاسېة زي ما كان بيسميها واللي قرر إن آخر الرحلة تكون في حضڼ طين الأرض اللي اتولد فيها.
التفكير أخدني لحد ما وصلت قدام البيت وأخدت الشنطة وطلعت وأنا بحاول أنسى تعب اليوم خصوصًا إن لسه له بقيه فوق. 
طلعت الشقة عشان ألاقي ماما مقابلاني ببشاشة وشها وهي بتقولي 
إيه التأخير ده كله يا فاطمة يا بنتي؟! 
أخدت ايدها بوستها وأنا بقولها 
تقفيل الشهر يا ست الكل.. ما إنتي عارفة بقا.
طبطبت على كتفي وهي بتقولي 
هجهزلك العشا على ما تغيري هدومك. 
هزيت راسي بنفي وأنا بقولها 
جيبنا أكل وأكلنا في الشغل يا حبيبتي، روحي إنتي ارتاحي، وأنا هصلي وأكمل شغلي. 
ابتسمت بعطف وهي بتقولي 
ربنا يوفقك يا بنت عمري يارب.. ويعلي مراتبك ويحبب فيكي خلقه و ينجح مقاصدك، وما يحكمش فيكي ظالم أبدًا يارب. 
حضنتها بقوة وأنا بسحب نفس قوي أحبس بيه ريحتها جوه قلبي و لساني بيقولها 
أهم الدعوتين دول هما اللي ممشيين دنيتي يا ست الكل.. زودتي منهم بقا كتير الأيام دي. 
وبعدت عنها وأنا بكمل كلامي 
هدخل أوضتي عشان أكمل السحلة.
وسيبتها ودخلت الأوضة، رميت شنطة الكتب على السرير بإرهاق شديد ودخلت أتوضى وأصلي العشاء قبل ما أتلخم في اللي ورايا وتضيع مني، ختمت الصلاة وقومت من مكاني وانا بردد أذكاري في طريقي لمكتبي اللي في ركن الأوضة عشان أفتح اللاب توب وابتدي أكمل مشروعي اللي كان يدوب باقي ليه اللمسات النهائية.
أخدني الوقت وعدت ساعات مافوقتش منها غير مع دقة الثانية صباحًا، اتنفست بقوة وأنا ببعد عيني عن الشاشة وابتديت أغمضها وأفتحها أكتر من مرة پألم شديد متمكن منها عشان وفي لحظة ألمح ضل اسود طويل على الحيطة قدامي.
غمضت عينيا مرة تانية بهدوء وأنا بقول في نفسي 
أكيد عيني مزغللة من البص في اللاب.
ورجعت فتحتهم تاني عشان ألاقي الضل ده اختفى، اتنهدت بقوة وأنا بقول براحة 
عيني اللي مزغللة.
ورجعت بضهري في الكرسي الدوار وابتدت ألف بيه لفة بسيطة عشان أبرق پصدمة مجرد ما لقيته قاعد قدامي على طرف السرير.
بلعت ريقي بصعوبة وأنا ببص لشاب في منتصف العشرينات تقريبًا وبقوله 
إنت مين؟ 
رفع راسه يبص لي بصمت عشان ألف في الأوضة بنظرة سريعة وأنا بقوله 
دخلت مين؟
الصمت كان هو جوابه وده خلاني أبص له بتركيز شديد بعد ما ضاعت صدمتي وأنا بقوله 
أكيد ما أنتاش زائر من الزوار، أنا لسه شايفة خيالك على الحيطة. 
ده من إرهاق عينك من البص في اللابتوب لكن أنا ماليش ضل.
اتنفست بهدوء وربعت رجليا على الكرسي وأنا بقوله 
يعني إنت الزائر الجديد؟.. طب بالله عليك ينفع الخضة دي؟! 
جاوبني بجمود شديد 
أنا بقالي خمس سنين بقعد القعدة دي عند ناس كتير وعمر حد ما إتخض مني ولا شافني.
ضيقت عينيا بتركيز أقوى وأنا بقوله 
خمس سنين؟!.. يعني إنت مېت بقالك خمس سنين؟! 
هز راسه بإيجاب صامت عشان أسأله 
مين اللي عمل فيك كده؟
أحمد سديم.
برقت پصدمة أكبر وأنا بقوله 
الكاتب؟! 
هز راسه بإيجاب وهو بيقولي 
الكاتب. 
حركت راسي بذهول وأنا بقوله 
ده لسه واخد جايزة من شهر وكل القنوات كانت بتتسابق عشان تستضيفه، واتعمل له تكريم من الوزارة.. إنت بتقول إيه؟! 
نطق بمرارة وهو بيقولي 
بقول الحقيقة اللي كل اللي هيسمعها هيكون رد فعله زيك كده.
أخدت نفس قوي وأنا بقوله 
ما طبيعي أكون مصډومة وإنت بتقولي إن فيه قاټل عايش وسطنا وبيتكرم من الدولة والشباب واخداه قدوة والبنات شايفاه فارس الأحلام.
ابتسم بسخرية وهو بيقولي
عادي.. إنتي ممكن تكوني بتتعاملي مع مېت قاټل في يومك وإنت شايفاهم مثل أعلى وقدوة وهما ايديهم متلطخة بدم واحد زيي.
كنت بتابع الحسړة والألم اللي راسمين ملامح وشه وأنا بقوله بتفكير عميق وتركيز أعمق 
معاك حق.. إيه اللي حصل؟ 
ابتسم بمرارة وهو بيقولي 
فلاح جاي من البلد بعبله كده زي ما بيقولوا، يدوب خلص كليته وقال ينزل مصر يدور على شغل وأهو يخفف الحمل عن أبوه شوية، ويساعده في جهاز أخواته البنات، نزلت بلد عُمر رجلي ما خطتها غير مرة واحدة في رحلة المدرسة وأنا في إعدادي، فكنت غريب لا عارف ناسها ولا شوارعها، عيشت شوية في سكن شباب على ما ألاقي شغل وأخد أوضة جنبه، شهر بلف على كل الشركات اللي تتخيليها، كبيرة وصغيرة.. كله.. لحد ما لقيت شركة أغذية وافقت تشغلني.. ما أنا كنت جايب جيد جدًا في كلية تجارة.
استلمت الشغل وروحت بقا دورت على سكن قريب من الشركة دي لحد ما لقيت شقة فيها شوية مغتربين شغالين في شركات حوالينا فسكنت معاهم وحظي جه في الأوضة مع أحمد.
رفعت حاجبي باستغراب وأنا بقوله 
أحمد سديم؟!
هز راسه بتساؤل وهو بيقولي 
مستغربة؟ 
هزيت راسي بإيجاب وأنا بقوله 
آه طبعًا.. ده واحد في كل انترڨيو بيعمله بيقول إنه من سكان المعادي وعايش عمره كله فيها وده اللي نمى الموهبة والإبداع عنده.
ضحك بسخرية وهو بيقولي 
الموهبة والإبداع! 
ضيقت عينيا بتركيز وأنا بقوله 
شكلي كده ابتديت أفهم الكلام على إيه.. بس هستناك تكمل. 
كان شغال وقتها في شركة أثاث جنبنا، بدأنا نتصاحب رغم إنه كان أكبر
مني بكام سنة، مع أول مرتب ليا حسيت باستقرار وابتديت أسد في ديوني.. كام شهر وكنت خلصت الديون دي وابتديت أبعت لأبويا حاجة تساعده وابتديت كمان أشتري لبس كويس ومعاه نفسيتي اتحسنت كتير، وده خلاني أرجع للكتابة اللي كنت سيبتها من فترة.
ابتسمت وأنا بسأله 
إنت كاتب؟ 
كان نفسي أقولك بيقولوا كده، بس للأسف محدش قرالي.. قصدي الجمهور.. بس أحمد بقا كان بيقولي إني بكتب حلو.
وبعدين؟ 
حرك راسه وهو بيجاوبني 
كان عندي مسودات لروايات كتير قوي، ابتديت أخد منها مسودة مسودة واشتغل عليها لحد ما تكمل الرواية ، كنت مليان طموح، كنت بحلم إن كتاباتي تلف العالم، بحلم إنها تتحول لأفلام والأفلام دي توصل للعالمية.. كان فيه حلم دايمًا بحلمه نايم صاحي.. إني واقف في مكان عالي والدنيا كلها واقفة تسقف لي وكنت كل ما أحلم الحلم ده شغفي يتضاعف وأتحدى أفكاري.. وفعلًا في أقل من سنة كنت كاتب ست روايات واقفين على النشر.. وفي يوم دار نشر كبيرة كانت عاملة مسابقة للنشر المجاني، يومها كنت طاير من الفرحة.. كنت مستنى أحمد يرجع من الشغل عشان أحكي له ونقعد نختار سوا الرواية اللي هقدمها للمسابقة.. ما إحنا في السنة دي بقينا أصحاب قوي، وكان هو أكتر واحد في الدنيا بيشجعني على الكتابة.. والوحيد اللي بيقرأ كتاباتي. 
وصل من الشغل ومن دخلته من باب الأوضة ابتديت أحكي له عن المسابقة واسم دار النشر اللي عاملاها عشان يتحمس أكتر مني وهو بيقولي 
سيب موضوع التقديم ده عليا، أنا عارف مدير دار النشر وهخليه بنفسه يقرأ العمل.. أنا متأكد إنه هيوافق عليه. 
ساعتها الفرحة ما كانتش سايعاني وجريت على التليفون أطلع ملفات الوورد للست روايات وأنا بقوله 
أقدم إيه بقا من دول؟ 
لقيته بيقولي بكل محبة 
ابعت لي الملفات بتاعتهم على الواتساب وأنا هفتحهم على اللابتوب وأقرالهم بتركيز أكتر وأقولك نختار إيه. 
عقدت جبيني باستغراب وأنا بسأله 
وبعتهم؟! 
ابتسم بسخرية وهو بيقولي 
وبكل سعادة.. وكان جوايا كمان فيضان امتنان وعرفان ليه، عشان يعدي يومين وألاقيه بيختار الرواية اللي هبعتها للمسابقة، وفعلًا كانت دي الرواية اللي في دماغي، وافقت وقولت له خلاص هبعتها، قالي هبعتهالك أنا من عندي على اللاب ابعت لي بس ايميل الدار.. وبعت له الايميل.. وقدم الرواية للدار. 
بعدها عدى يوم والتاني وأسبوع والتاني وشهر كامل ولقيته في يوم جاي يقولي
دار النشر قبلت الرواية وهتنشرها في معرض الكتاب.
ياااه على الفرحة اللي كنت فيها واللي قلبي ماكانش متحملها!.. إني أوصل لحلم من أحلامي في أول محاولة ده ماكنتش متصورة ولا دماغي كانت متخيلاه.
ابتسمت بسعادة وأنا بسأله سؤال ثُعباني 
ومضيت عقد الرواية؟ 
هز راسه بإيجاب وهو بيقولي 
مضيت.. أحمد جاب لي العقد أمضيه وبعدها أخده سلمه لدار النشر. 
فل قوي.
ابتسم بسخرية وهو بيقولي 
ده كان عقد مزيف. 
عقدت جبيني باستغراب وأنا بهز راسي بتساؤل عشان يجاوبني 
عقد مضړوب يعني.. كتبه أحمد على اللاب وسحبه وخلاني أمضيه. 
سألته بترقب 
والأصلي؟ 
ابتسم بسخرية أكبر 
مضاه هو. 
اتحركت في الكرسي بانتباه وأنا بقوله 
لأ أفهم بقا. 
ابتسم بتهكم وهو بيقولي 
الرواية قدمها باسمه ومن الايميل بتاعه وراح دار النشر وقع العقد باسمه ورقم الإيداع كمان طلع باسمه. 
ضيقت عينيا باستغراب وأنا بقوله 
وإنت ما حستش بأي حاجة غريبة؟! 
أحس إزاي والرواية نازلة معرض الكتاب باسمي أنا؟
ضيقت عينيا باستغراب أقوى وأنا بقوله 
إيه؟! .. يعني إيه باسمك؟! 
أحمد سديم.
حركت راسي بتساؤل

تم نسخ الرابط