كانت عائلتي تظن اني جالسه خلف مكتب حكومي.... محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء الأول بطلة العاصفة البيضاء
أخفي وظيفتك المتواضعة، همست أختي بسخرية. خطيبي قائد في قوات النخبة البحرية، وهو لا يحتمل الأشخاص عديمي الإنجازات.
ضحك الجميع.
أما أنا فالتزمت الصمت...
لكن في اللحظة التي وقعت عيناه فيها على وجهي، تجمد في مكانه، وسقط الكأس من يده، ثم همس بصوت مرتجف
يا إلهي... إنها بطلة العاصفة البيضاء.
الجزء الأول
طوال ثلاث سنوات، كانت عائلتي تظن أنني أقضي أيامي جالسة خلف مكتب حكومي.
وتركتهم يصدقون ذلك.
كلما سألتني أمي عما أفعله طوال اليوم، كنت أعطيها الإجابة نفسها، إجابة بسيطة لا تثير أي أسئلة
أعمل في مجال الخدمات اللوجستية... العقود، وبعض الأعمال الورقية.
كان أبي يومئ برأسه، وعلى وجهه تلك النظرة المطمئنة لرجل توقف منذ زمن عن توقع المفاجآت من ابنته الكبرى.
أما أختي الصغرى، سلمى، فكانت تبدو شديدة الملل قبل أن أنهي إجابتي حتى.
وكان ذلك مناسبًا لي تمامًا.
فالحقيقة كانت شيئًا تعلمت أن أدفنه بداخلي بإتقان شديد، لدرجة أنني كنت أحيانًا، وأنا أجلس إلى طاولة المطبخ في منزل والديّ وفنجان القهوة يبرد بين يدي، أكاد أصدق قصة الوظيفة الحكومية التي اخترعتها لنفسي.
اسمي ليان حمدي.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، كنت أخدم ضمن وحدة عسكرية متخصصة في عمليات الإنقاذ والاستعادة، وهي وحدة نادرًا ما يُذكر اسمها خارج الغرف الأمنية المغلقة.
كنا نذهب إلى الأماكن التي تحاصر فيها العواصف والجبال والظروف المستحيلة أشخاصًا يُفترض أنه لا يمكن الوصول إليهم.
كنا نصل إليهم عندما يفشل الجميع.
داخل الوحدة، كان اسمي الحركي
العاصفة البيضاء الأولى.
أما في المنزل، فكنت مجرد ليان...
الابنة الهادئة التي تعمل في وظيفة حكومية مملة ولا تستحق الحديث عنها.
كانت سلمى عكس ذلك تمامًا.
لم تكن هادئة في أي شيء.
كانت جميلة، سريعة البديهة، اجتماعية بطبيعتها، وقادرة بطريقة غريبة على تحويل رحلة عادية إلى متجر البقالة إلى قصة تعيد روايتها على مائدة العشاء.
كان والداي يحبان تلك الصفة فيها.
في التجمعات العائلية، كان الجميع يسألونها عن عملها، وأصدقائها، ورحلاتها، وخططها...
ثم، في النهاية، يلتفتون إليّ ويسألون
وأنتِ؟ ما زلتِ تعملين في الوظيفة الحكومية؟
فكنت أبتسم وأجيب
نعم، ما زلت هناك.
لكن المقارنات بيننا ازدادت سوءًا بعدما أعلنت سلمى خطوبتها من رامي فؤاد، وهو قائد في إحدى وحدات القوات البحرية الخاصة.
لمدة شهرين كاملين، كانت تتحدث عنه وكأن إنجازاته العسكرية أصبحت جزءًا من هويتها الشخصية.
كانت تذكر رتبته أثناء الغداء.
وتتحدث عن أوسمته أمام أبناء عمومتنا.
وتحكي عن فريقه خلال العشاء العائلي.
وفي كل مرة كانت تفعل ذلك، كنت ألاحظ أنها تنظر إليّ بطريقة مختلفة قليلًا.
وكأنها تريد أن تقول لي دون كلمات
أنتِ أقل مني.
أقيم حفل خطوبتها في منزل والديّ مساء يوم سبت دافئ.
كانت أضواء صغيرة معلقة فوق الحديقة الخلفية، وفرقة موسيقية تعزف بجوار الفناء، وحوالي خمسين مدعوًا يتنقلون بين الطاولات المغطاة بالأقمشة البيضاء.
دخلت الحفل وحدي، مرتدية فستانًا بسيطًا باللون الأزرق الداكن.
لكنني لم أبتعد أكثر من بضعة أمتار داخل المنزل حتى أوقفتني سلمى.
كانت تبتسم للضيوف ابتسامة مشرقة، ثم أمسكت بذراعي بقوة جعلتني أتوقف.
قالت
ممكن أكلمك؟
ثم قادتني إلى الممر بجوار خزانة المعاطف.
كانت رائحة المكان مزيجًا من الزهور والعطر الفاخر.
سألتها
خير؟
اختفت ابتسامتها فجأة.
وقالت
قادة رامي موجودين الليلة... وبعض زملائه في الفريق حضروا أيضًا.
قلت بهدوء
عارفة.
تنهدت وكأنها بدأت تفقد صبرها.
عشان كده، من فضلك ما تعمليش مشاكل الليلة.
نظرت إليها باستغراب.
أنا؟ وإزاي ممكن أعمل مشاكل؟
تنهدت مرة أخرى وقالت
لو حد سألك عن شغلك، خليكِ عامة في الإجابة. قولي مثلًا إنك بين عقدين أو إنك بتدوري على شغل جديد.
رفعت حاجبي.
أنا مش بين عقدين.
ليان.
انخفض صوتها.
هو بيحترم الناس اللي حققوا حاجة فعلًا. أنا مش محتاجة تقعدي تتكلمي عن جداول المخازن أو أيًا كان اللي بتعمليه، وتخلينا نبان...
توقفت.
نظرت إليها مباشرة.
نبان إيه؟
تلفتت حولها بسرعة.
ثم اقتربت مني وهمست
متواضعين زيادة عن اللزوم.
ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة وأضافت
يعني بصراحة... من مستوى أقل.
لثانية واحدة، لم أسمع سوى صوت الموسيقى الخافت القادم من الحديقة.
رفعت يدها وأصلحت ياقة فستاني بإصبعين، ثم قالت
بس خلي الوظيفة المملة دي سر الليلة، تمام؟ رامي قائد في القوات الخاصة. وهو ما بيطيقش الأشخاص اللي ما عندهمش إنجازات حقيقية.
كان هناك اثنان من أبناء عمومتنا يقفان بالقرب منا.
وقد سمعا كل كلمة.
حاول أحدهما إخفاء ضحكته خلف الكأس الذي يحمله.
شعرت بحرارة تصعد إلى رقبتي.
لكنني لم أجادلها.
لقد تمكنت من حماية هويتي لسنوات، وسط العواصف والعمليات الخطرة والاستجوابات التي لا تنتهي.
ولن أتخلى عن كل ذلك لمجرد أن أختي تحتاج إلى أن تشعر بأنها أكبر مني من خلال إظهاري بصورة أصغر منها.
لذلك ابتعدت عنها.
اتجهت إلى أقصى جانب في الغرفة، التقطت كوبًا من العصير، ثم وقفت بهدوء وسط الحاضرين دون أن ألفت الانتباه.
كنت معتادة على أن أكون غير مرئية.
في الواقع، كنت قد أتقنت ذلك تمامًا.
حتى الساعة التاسعة وثلاث دقائق مساءً.
انفتح باب المنزل.
وفي اللحظة نفسها، تغيرت ملامح سلمى بالكامل.
أضاء وجهها بالفرح.
كان رامي قد وصل أخيرًا.
دخل برفقة ثلاثة رجال يرتدون زيًا رسميًا.
نظرت إليه...
وتوقفت أنفاسي.
لأنني تعرفت عليه فورًا.
لم يكن من صورة رأيتها على هاتف أختي.
ولم يكن من حديثها الطويل عنه.
كنت أعرف ذلك الرجل من ليلة أخرى.
ليلة قضيت السنوات الثلاث الماضية أحاول بكل ما أملك أن أنساها.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيه...
تغير كل شيء.
توقف رامي عن الحركة.
تجمد تمامًا.
ثم اتسعت عيناه وكأنه رأى شبحًا خرج من الماضي.
ارتجفت يده.
وسقط الكأس الذي كان يحمله على الأرض، وتحطم وسط الصمت المفاجئ الذي خيم على المكان.
نظر إليّ لعدة ثوانٍ، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
ثم قال بصوت خافت، بالكاد سمعه من كانوا بجواره
يا إلهي...
ابتلع ريقه.
ثم تمتم
إنها... العاصفة البيضاء.
وفجأة، لم يعد أحد في الحفل يضحك.
لأنهم جميعًا كانوا على وشك اكتشاف أن المرأة التي وصفوها قبل دقائق بأنها صاحبة وظيفة متواضعة...
كانت في الحقيقة المرأة التي أنقذت حياة العشرات في أخطر عاصفة شهدتها المنطقة.
والرجل الذي كانت سلمى تتباهى بأنه خطيبها...
كان يعرف تمامًا من تكون.
ظل المكان ساكنًا لثوانٍ طويلة.
لم أفعل شيئًا.
فقط وقفت ممسكة بكوب العصير، أنظر إلى رامي بينما كان يحدق في وجهي وكأنه رأى شخصًا عاد من الموت.
سلمى، التي لم تكن قد فهمت ما يحدث، اقتربت منه بسرعة.
رامي؟ إيه اللي حصل؟
لم يجبها.
كانت عيناه لا تزالان مثبتتين عليّ.
تقدمت خطوة وقالت بقلق
رامي، دي أختي ليان.
رفع يده ببطء، وكأنه يطلب منها أن تصمت.
ثم قال
أنا عارف.
ضحكت سلمى بتوتر.
أكيد عارف إنها أختي... بس أنت اتوترت ليه؟
نظر إليها للحظة، ثم عاد بنظره إليّ.
أنتِ... ليان حمدي؟
أومأت برأسي.
أيوه.
ابتلع ريقه.
ليان حمدي، صاحبة النداء العملياتي... العاصفة البيضاء الأولى؟
ساد الصمت.
هذه المرة، لم يكن الصمت عاديًا.
كان صمت الصدمة.
توقفت الموسيقى.
حتى الأطفال الذين كانوا يركضون في الحديقة بدوا وكأنهم شعروا بأن شيئًا خطيرًا يحدث.
نظرت سلمى إليّ، ثم إلى رامي.
إيه الكلام ده؟
لم أجب.
أحد الرجال الذين جاءوا معه، وكان يحمل شارة ضابط على كتفه، اقترب ببطء.
حدق في وجهي ثم قال
معقول؟
أجاب رامي دون أن يرفع عينيه عني
هي.
شهقت سلمى.
هي إيه؟
نظر إليها الضابط وقال
أختك هي المرأة اللي أنقذت فريق الإنقاذ بالكامل في عاصفة جبلية قبل ثلاث سنوات.
تغير لون وجهها.
إيه؟
ثم التفتت إليّ.
ليان... أنتِ كنتِ بتشتغلي إيه بالضبط؟
وضعت كوب العصير على الطاولة.
أنا قلت لكم إني بشتغل في اللوجستيات.
رد رامي بهدوء
وده مش كذب بالكامل.
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة بلا فرح.
لكنها نسيت تقول لكم إنها كانت تقود أخطر عمليات الإنقاذ في الوحدة.
قال أحد أقاربنا بدهشة
بس... أنا فاكر إن الأخبار قالت إن العملية دي كانت سرية.
أجاب رامي
كانت سرية فعلًا.
ثم نظر إليّ.
لحد دلوقتي.
شعرت أن عشرات العيون أصبحت معلقة بي.
لم أحب هذا الشعور.
لذلك قلت
رامي، مش هنا.
فهم كلامي فورًا.
أومأ برأسه.
عندك حق.
لكن سلمى لم تكن مستعدة لترك الأمر.
أمسكت بذراعه.
استنى. أنا مش فاهمة أي حاجة. أنت بتقول إن أختي بطلة عسكرية؟
التفت إليها.
هي ليست مجرد بطلة.
توقفت أنفاسها.
أكمل
هي الشخص اللي رجعنا من منطقة الانهيار.
ثم سكت لحظة.
أنا شخصيًا ما كنتش هكون واقف هنا النهارده لو هي ما وصلت لناش.
فتحت سلمى فمها، لكنها لم تجد شيئًا تقوله.
أما أمي، فاقتربت مني ببطء.
كان وجهها مليئًا بالارتباك.
ليان... ليه ما قلتيش لنا؟
نظرت إليها.
كان بإمكاني أن أقول الكثير.
كان بإمكاني أن أذكر الليالي التي لم أعد فيها إلى المنزل.
والأيام التي كنت أختفي فيها دون تفسير.
والندوب التي أخفيتها تحت الملابس.
والأسماء التي لم يكن مسموحًا لي بذكرها.
لكنني قلت فقط
لأنكم ما كنتوش محتاجين تعرفوا.
والدي ظل واقفًا في مكانه.
ثم قال بصوت خافت
إحنا كنا فاكرين إنك بتشتغلي في مكتب.
ابتسمت بحزن.
وأنا كنت مرتاحة إنكم فاكرين كده.
اقتربت سلمى مني.
لم تعد تبدو واثقة كما كانت قبل دقائق.
قالت
بس... أنا قلت لرامي إنك بتشتغلي شغلانة مملة.
نظر إليها رامي.
ثم قال بهدوء
هي ما تحتاجش تثبت لأي حد إنها تستحق الاحترام.
خفضت سلمى عينيها.
لكنني لم أشعر بالانتصار.
على العكس.
شعرت فقط بالتعب.
كنت أكره أن تتحول الأشياء التي فعلتها من أجل إنقاذ الناس إلى وسيلة تجعلني أبدو أفضل من شخص آخر.
لذلك قلت
كفاية.
نظر الجميع إليّ.
أنا مش عايزة الحفلة تتحول لحكاية عني.
ثم التفت إلى رامي.
ولو سمحت، ما تتكلمش عن العملية.
أجاب
مش هتكلم.
لكن قبل أن يبتعد، اقترب مني خطوة.
وقال بصوت منخفض لا يسمعه إلا أنا
كنت فاكر إنك ماتِّ.
تجمدت.
كانت تلك الجملة وحدها كافية لإرجاعي ثلاث سنوات إلى الوراء.
إلى الثلج.
إلى الظلام.
إلى أصوات أجهزة اللاسلكي.
إلى الرجال الذين كانوا يصرخون من خلف الجدار الجليدي.
وإلى اللحظة التي اضطررت فيها لاتخاذ قرار لم أستطع نسيانه حتى الآن.
قلت بصوت خافت
وأنا كنت فاكرة إنك ما خرجتش.
نظر إليّ طويلًا.
أنا خرجت بسببك.
لم أجد ردًا.
ثم أضاف
لكن في حاجة تانية لازم تعرفيها.
رفعت عيني إليه.
إيه؟
نظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمع.
ثم قال

 

تم نسخ الرابط