كانت عائلتي تظن اني جالسه خلف مكتب حكومي.... محمد عبده

لمحة نيوز

 


نظرت إلى الرجل وقلت
أنت غلطان.
ابتسم.
إزاي؟
قلت
أنا ما أخفيتش الملف.
ثم نظرت إلى سلمى.
أختي هي اللي أخفته.
شهقت سلمى.
لكن الرجل لم ينتبه إلى أنني كنت أراقب يده.
كان يحمل جهاز تحكم.
وضغط عليه.
فانطفأت الأنوار.
وفي الظلام...
سمعت صوت رامي الحقيقي عبر جهاز الاتصال
ليان، الآن!
ابتسمت.
لأنني فهمت الخطة.
الهجوم لم يكن من الخارج.
كان قد بدأ بالفعل من الداخل.
في اللحظة التي انطفأت فيها الأنوار، تحركت.
لم أحتج إلى رؤية المكان.
كنت قد حفظت المخزن خلال الدقائق القليلة التي قضيتها بداخله.
انخفضت أرضًا، وسحبت سلمى من الكرسي، ثم انبطحتا خلف مجموعة من الصناديق المعدنية.
تعالت أصوات الفوضى حولنا.
أوامر.
خطوات.
أبواب تُفتح بعنف.
ثم دوى صوت رامي
ليان! ابقي مكانك!
رددت
أنا مع سلمى!
بعد ثوانٍ، اشتعلت إضاءة الطوارئ.
ظهر الرجال وهم يتراجعون أمام قوة رامي وفريقه الذي دخل من الباب الخلفي.
أما الرجل الذي ادعى أنه قائد العملية القديمة، فكان يحاول الهرب.
ركضت خلفه.
وصل إلى باب جانبي، لكنه وجد فريد واقفًا أمامه.
كان كتفه ينزف، لكنه رفع سلاحه وقال
انتهت اللعبة.
توقف الرجل.
ثم ابتسم.
تفتكر؟
نظر فريد إليه.
أنت قتلت رجالًا من فريقي.
رد الرجل
لا. أنت اللي أرسلتهم للموت.
اقتربت منه.
مين أمرك؟
ضحك.
لسه ما فهمتيش؟
ثم نظر إلى أبي.
تجمدت.
أبي؟
لكن الرجل قال
والدك كان مجرد أداة.
ثم نظر إلى فريد.
وأنت كنت مجرد واجهة.
تدخل رامي
إذن مين صاحب القرار؟
لم يجب.
فجأة، دوى صوت سيارة خارج المخزن.
نظر الرجل نحو الباب.
ثم ابتسم.
وصل.
اندفع أحد الجنود إلى الخارج.
بعد لحظات عاد مسرعًا.
سيدي، في سيارة هربت من الجهة الشمالية.
صرخ رامي
مين كان فيها؟
ما قدرناش نشوف الوجه.
شعرت بالغضب.
مش هينفع يهرب.
أمسكت بجهاز الاتصال.
عندي اقتراح.
نظر إليّ رامي.
إيه؟
خليه يهرب.
توقف.
إيه؟
هو فاكر إننا مش عارفين مكان الملف.
ابتسم فريد فجأة.
وأنتِ عايزة نخليه يعتقد إن الملف لسه معك.
أومأت.
بالضبط.
نظر إليّ رامي.
وفين الملف الحقيقي؟
نظرت إلى سلمى.
كانت تبكي.
قلت
هي تعرف.
حدقت سلمى فيّ.
ثم قالت
أنا؟
ابتسمت.
أيوه.
قالت
أنا مش فاكرة أي حاجة.
اقتربت منها.
فاكرة يوم كنتِ عندي قبل العملية؟
سكتت.
فاكرة الصندوق الصغير اللي اديتهولك؟
اتسعت عيناها.
الصندوق اللي قلتي لي أحطه في مكان محدش يعرفه؟
أومأت.
بالضبط.
قالت
أنا خبّيته في بيت جدتنا القديم.
نظر رامي إلى فريد.
فقال فريد
ده المكان الوحيد اللي ما خطرش على بالهم.
بعد ساعات، وصلنا إلى المنزل القديم.
كان مهجورًا منذ سنوات.
دخلت أنا وسلمى إلى غرفة صغيرة في الخلف.
أزاحت سلمى لوحة خشبية من الحائط.
ظهر تجويف صغير.
أخرجت منه صندوقًا معدنيًا.
فتحته.
في الداخل كانت هناك ذاكرة إلكترونية وملفات ورقية.
أخذها فريد.
بدأ يقلب الأوراق.
ثم توقف.
يا إلهي...
سألته
إيه؟
رفع ورقة.
دي أوامر العملية الأصلية.
ثم نظر إليّ.
وفيها توقيع الشخص اللي أمر بتغيير مسار الفريق.
اقترب رامي.
نظر إلى الورقة.
ثم قال
الاسم...
توقف.
كانت عيناه قد تغيرتا.
سألته
مين؟
رفع الورقة.
وقال
اللواء مازن الشاذلي.
تجمدت.
كنت أعرف الاسم.
كان أحد أعلى المسؤولين الذين تعاملنا معهم.
قلت
لكن مازن مات من سنتين.
هز فريد رأسه.
موته كان مزيفًا أيضًا.
شعرت أنني أعيش داخل كابوس لا ينتهي.
قال رامي
إذن هو العقل المدبر.
أومأت.
والآن عندنا الدليل.
في صباح اليوم التالي، تم تأمين الملفات وتسليمها للجهات المختصة.
بدأت التحقيقات.
تم القبض على عدد من الأشخاص المرتبطين بالشبكة، بينما أصبح اللواء مازن المطلوب الأول.
أما عماد، فقد قرر التعاون مقابل تخفيف العقوبة.
واعترف بكل شيء.
والدي أيضًا اعترف بدوره في تسريب المعلومات.
لم أستطع أن أسامحه فورًا.
لكني فهمت أخيرًا أنه كان
يحاول حماية سلمى، حتى لو اختار الطريق الخطأ.
أما سلمى...
فكانت أكثر شخص تغير بعد تلك الليلة.
لم تعد تهتم بالمظاهر.
لم تعد تتحدث عن رتبة رامي أمام الناس.
وفي أول تجمع عائلي بعد انتهاء الأزمة، وقفت أمام الجميع وقالت
أنا كنت فاكرة إن قيمة الإنسان في شغله وفلوسه وشكله قدام الناس.
ثم نظرت إليّ.
لكن أختي علمتني إن أعظم الناس ممكن يكونوا أكثرهم صمتًا.
ابتسمت لها.
هذه المرة، كانت ابتسامتها صادقة.
بعد أسابيع، عادت حياتي إلى الهدوء.
عدت إلى وحدتي.
وعاد رامي إلى عمله.
لكن قبل أن يذهب إلى مهمته التالية، وقف أمامي وقال
ليان.
نعم؟
المرة الجاية لما أشوفك في مناسبة عائلية...
ضحكت.
إيه؟
ابتسم.
مش هصدق كلمة واحدة عن وظيفة اللوجستيات.
ضحكت للمرة الأولى منذ وقت طويل.
ثم قال
لكن في حاجة أهم.
إيه؟
أخرج من جيبه شارة صغيرة.
كانت شارة الوحدة القديمة.
ناولني إياها.
دي كانت ضاعت في ليلة العاصفة.
نظرت إليها.
كنت فاكر إنها راحت للأبد.
قال
لقيتها مع فريد.
ثم أضاف
وقال لي إنها لازم ترجع لصاحبتها.
أغلقت أصابعي حول الشارة.
وشعرت لأول مرة أن تلك الليلة لم تعد مجرد جرح.
أصبحت ذكرى.
ذكرى لشيء نجوت منه.
لكنني لم أكن أعرف أن رامي يخفي عني شيئًا آخر.
شيئًا سيغير حياتي بالكامل...
فبعد أن ابتعد الجميع، أخرج هاتفه.
كانت هناك رسالة جديدة.
فتحها.
قرأها.
ثم تغير وجهه.
كان المرسل مجهولًا.
والرسالة تقول
أحسنت يا قائد... لكنك لم تعرف بعد الحقيقة الأخيرة عن العاصفة البيضاء.
قرأ رامي الرسالة مرة ثانية.
ثم أغلق الهاتف ببطء.
كنت أراقبه من بعيد.
عرفت فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي.
اقتربت منه.
مين بعت الرسالة؟
أخفى الهاتف.
مفيش حاجة.
ابتسمت.
رامي، أنا أعرف النظرة دي.
تنهد.
ثم أعطاني الهاتف.
قرأت الرسالة.
أحسنت يا قائد... لكنك لم تعرف بعد الحقيقة الأخيرة عن العاصفة البيضاء.
نظرت إليه.
إيه الحقيقة؟
قال
ما أعرفش.
ثم أضاف
لكن عندي إحساس إن الموضوع ما انتهيش.
في اليوم التالي، وصل ظرف إلى مقر الوحدة.
لم يكن عليه اسم المرسل.
في الداخل كانت هناك صورة قديمة.
صورة التقطت قبل العملية بثلاثة أيام.
ظهر فيها أفراد الفريق جميعًا.
لكن خلفهم كان هناك شخص يقف بعيدًا.
حدقت في الصورة.
ثم تجمدت.
قلت
أنا أعرف الشخص ده.
اقترب رامي.
مين؟
أشرت إليه.
ده أنا.
صمت.
ثم نظر إلى الصورة مرة أخرى.
قلت
الصورة اتصورت قبل العملية بثلاثة أيام.
عارف.
لكن أنا ما كنتش موجودة في المكان ده.
رفع رامي حاجبه.
إزاي؟
قلت
لأن اليوم ده كنت في المستشفى.
ثم قلبت الصورة.
كان هناك تاريخ مكتوب على ظهرها.
قبل وصولي إلى الوحدة بأسبوع كامل.
نظر رامي إليّ.
يعني...
أكملت
يعني دي مش صورتي.
حدقنا في الصورة.
كانت المرأة تشبهني بشكل مخيف.
نفس الوجه.
نفس العينين.
نفس الطول تقريبًا.
لكنها لم تكن أنا.
قال رامي
مين دي؟
هززت رأسي.
ما أعرفش.
وصل فريد بعد دقائق.
أعطيناه الصورة.
بمجرد أن رآها، تغير وجهه.
أنتِ ما تعرفيهاش؟
قلت
لا.
جلس ببطء.
ثم قال
كان لازم تعرفيها من زمان.
شعرت بقلبي يخفق.
مين هي؟
نظر إليّ.
وقال
أختك التوأم.
تجمدت.
إيه؟
قال فريد
قبل سنوات، كان فيه ملف عائلي سري مرتبط بوالدك. كان عندكم بنتان توأم.
لم أستطع الكلام.
أنا... عندي أخت واحدة.
كنتِ تظنين ذلك.
ظهر أبي عند الباب.
كان قد سمع آخر جملة.
نظر إليّ، ثم إلى الصورة.
وأغمض عينيه.
فهمت.
بابا...
لم يجب.
اقتربت منه.
هل عندي أخت توأم؟
ظل صامتًا.
صرخت
رد عليّ!
قال أخيرًا
كان اسمها نور.
شعرت بأن العالم توقف.
فين هي؟
نظر أبي إلى الأرض.
ما أعرفش.
لكنني رأيت شيئًا في عينيه.
كان يعرف.
قلت
أنت بتكدب.
تنهد.
نور اختفت وهي صغيرة.
اختفت إزاي؟
اتخطفت.
ساد الصمت.
ثم قال
ومن يومها، كنت أخاف أن يبحثوا عنك أيضًا.
فهمت فجأة.
كل شيء.
السرية.
الخوف.
العمليات.
محاولات إخفاء هويتي.
لكن بقي سؤال واحد
إيه علاقة نور بالعاصفة البيضاء؟
قال فريد
لأنها كانت سبب اختيارك للوحدة من البداية.
حدقت فيه.
إزاي؟
الجهة التي كانت تبحث عن نور كانت مرتبطة بنفس الشبكة التي كنا نواجهها.
ثم أعطاني ظرفًا آخر.
فتحته.
في الداخل كان هناك تقرير قديم.
وفي نهايته جملة واحدة
إذا ظهرت العاصفة البيضاء، فابحثوا عن أختها.
رفعت رأسي.
نور عايشة.
لم يجب أحد.
لكنني عرفت الإجابة.
بعد شهرين، وصلتني رسالة.
لم يكن فيها سوى عنوان.
ذهبت وحدي إلى المكان.
كان مقهى صغيرًا في مدينة ساحلية.
جلست.
وبعد دقائق، دخلت امرأة.
كانت ترتدي معطفًا أبيض.
رفعت عينيها نحوي.
وتوقفت.
لم أستطع الحركة.
كانت تشبهني تمامًا.
اقتربت.
جلست أمامي.
وقالت
أخيرًا وجدتك.
دمعت عيناي.
نور؟
ابتسمت.
أيوه.
قلت
كنتِ عايشة كل السنين دي؟
أيوه.
ليه ما رجعتيش؟
خفضت عينيها.
لأنهم كانوا يراقبونك.
صمتنا.
ثم قالت
أنا اللي أرسلت الرسالة الأخيرة.
نظرت إليها.
ليه؟
قالت
كنت محتاجة أتأكد إنكِ أصبحتِ قوية بما يكفي لمعرفة الحقيقة.
ثم مدت يدها.
أمسكت يدها.
لأول مرة في حياتي، شعرت أن جزءًا مفقودًا مني عاد.
وبعد كل تلك السنوات، فهمت أن أعظم سر لم يكن عن العاصفة...
ولا عن العملية...
ولا عن الخيانة.
كان عن عائلتي.
وعن أخت لم أكن أعرف أنها موجودة.
بعد عام، تغير كل شيء.
تم كشف الشبكة بالكامل.
أُغلقت الملفات السرية المتعلقة بالعملية القديمة بعد انتهاء التحقيقات.
استعاد فريقي أسماء الرجال الذين فقدناهم في تلك الليلة.
أما أبي، فبدأ يتحمل مسؤولية أخطائه.
وسلمى أصبحت أقرب شخص لي.
أما رامي...
فلم يعد مجرد الرجل الذي تعرفت إليه في أسوأ ليلة من حياتي.
أصبح الشخص الذي بقي بجانبي عندما ظهرت كل الأسرار.
وفي أحد الأيام، وقف أمامي في مكان هادئ بعيدًا عن الجميع.
قال
ليان، فاكرة أول مرة شوفتك فيها؟
ابتسمت.
في العاصفة؟
أيوه.
وأنا فاكرة إنك كنت على وشك تموت.
ضحك.
ثم قال
وأنا فاكر إنك كنتِ الشخص الوحيد اللي ما خافش.
قلت
كنت خايفة.
بس ما هربتيش.
هز رأسه.
وده السبب اللي خلاني أعرف من أول لحظة إنك مختلفة.
ثم أخرج خاتمًا صغيرًا.
نظر إليّ.
المرة دي... مش هطلب منك تخبي أي حاجة.
ابتسمت والدموع في عيني.
ومش هخبي.
مد يده.
فأمسكت بها.
وفي تلك اللحظة، أدركت أنني قضيت سنوات أظن أن قوتي تعني أن أتحمل كل شيء وحدي.
لكنني تعلمت شيئًا أهم
القوة ليست أن تخفي جراحك عن العالم.
القوة أن تنجو منها، ثم تسمح لمن يحبك أن يقف بجانبك.
أما لقب العاصفة البيضاء...
فلم يعد بالنسبة لي اسمًا لبطلة أنقذت الآخرين.
بل أصبح تذكيرًا بالمرأة التي نجت من العاصفة...
وعادت منها أقوى.
النهاية.

تم نسخ الرابط