كانت عائلتي تظن اني جالسه خلف مكتب حكومي.... محمد عبده

لمحة نيوز

 


اللي حصل في تلك الليلة... لم يكن حادثًا.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
إيه قصدك؟
اقترب أكثر وقال
العاصفة لم تكن السبب الوحيد في انهيار الموقع.
توقفت أنفاسي.
كان فيه شخص عبث بالمعدات قبل وصولنا.
حدقت فيه.
أنت متأكد؟
دلوقتي عندي دليل.
ثم أخرج هاتفه ونظر إلى الشاشة.
والأسوأ من كده... إن الشخص اللي عملها كان يعرف إنك هتكوني هناك.
تجمدت في مكاني.
ثلاث سنوات وأنا أحاول دفن تلك الليلة.
ثلاث سنوات وأنا أقول لنفسي إن كل ما حدث كان مجرد سلسلة مأساوية من الأخطاء والظروف.
لكن الحقيقة التي أخبرني بها رامي كانت تعني شيئًا واحدًا
لقد كنت مستهدفة منذ البداية.
ثم رفع عينيه إليّ وقال
والشخص ده... موجود هنا الليلة.
نظرت إلى الحاضرين.
وفجأة، لم يعد حفل الخطوبة يبدو حفلًا على الإطلاق.
بل أصبح مسرحًا لجريمة قديمة لم تنتهِ بعد.
شعرت وكأن الهواء أصبح أثقل فجأة.
نظرت إلى وجوه الحاضرين واحدًا تلو الآخر.
أقاربي، أصدقاء العائلة، زملاء رامي، بعض الجيران...
كلهم كانوا يبتسمون ويتحدثون وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن كلمات رامي كانت تتردد في رأسي
الشخص ده موجود هنا الليلة.
قلت بهدوء
إنت متأكد؟
أومأ برأسه.
وصلتني معلومات جديدة من أيام قليلة. كنت ناوي أبلغ الجهات المختصة بعد الحفلة، لكن لما شفتك هنا عرفت إن لازم أحذرك.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قبل ثلاث سنوات، شاركت في عملية إنقاذ داخل منطقة جبلية تعرضت لانهيار جليدي عنيف.
كانت المهمة في ظاهرها عملية إنقاذ عادية.
لكن ما اكتشفناه لاحقًا أن بعض المعدات الحيوية تعطلت في اللحظات الحاسمة.
حينها اعتقد الجميع أن السبب هو الطقس القاسي.
أما الآن...
فقد بدأ كل شيء يبدو مختلفًا.
سألت رامي بصوت منخفض
مين؟
هز رأسه.
لسه ما عنديش اسم مؤكد.
ثم أضاف
لكن الشخص ده كان عنده وصول للمعلومات العسكرية، وكان يعرف مسار المهمة.
في تلك اللحظة، اقترب منا أبي.
قال بابتسامة متوترة
إيه يا جماعة؟ واقفين بعيد ليه؟ الضيوف مستنيين الصور.
عاد رامي إلى هدوئه المعتاد.
وقال
أكيد يا عمي.
ثم ابتعد.
أما أنا، فحاولت أن أبدو طبيعية.
لكن شيئًا بداخلي كان قد استيقظ.
ذلك الجزء الذي تعلم مراقبة التفاصيل.
مخارج الأبواب.
حركة الأشخاص.
النظرات العابرة.
كل شيء.
بعد دقائق، بدأت مراسم التقاط الصور.
وقفت سلمى بجوار رامي، بينما تجمع الجميع حولهما.
كنت أقف في الخلف عندما لاحظت رجلًا لم أره من قبل.
كان في أواخر الخمسينيات، يرتدي بدلة رمادية، ويتحدث مع أحد الضباط الذين جاءوا مع رامي.
في اللحظة التي التقت عينانا، تغيرت ملامحه لثانية واحدة فقط.
ثم ابتسم.
لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه.
شعرت بشيء غريب.
شعور قديم تعلمت ألا أتجاهله.
اقتربت من رامي بهدوء.
مين الراجل اللي لابس بدلة رمادي؟
نظر إليه.
ثم عقد حاجبيه.
ده عماد السيوفي. رجل أعمال وصديق قديم لعائلة أحد الضباط.
ظللت أنظر إليه.
لماذا أشعر أنني رأيته من قبل؟
مرت لحظات.
ثم...
تجمدت.
ذاكرتي عادت فجأة.
ممر ضيق.
ثلج.
شاشة مراقبة.
ورجل يقف في الظل.
لم أكن قد رأيت وجهه كاملًا في ذلك الوقت.
لكنني تذكرت ساعته الفضية المميزة.
والرجل أمامي كان يرتدي الساعة نفسها.
شعرت بدقات قلبي تتسارع.
هل يمكن أن يكون هو؟
قبل أن أقول شيئًا، رن هاتف رامي.
نظر إلى الشاشة، ثم تغير وجهه.
لا يمكن...
سألته
إيه؟
أراني رسالة قصيرة.
كانت تحتوي على جملة واحدة
إذا كانت العاصفة البيضاء ما زالت حية... فهذه المرة لن تنجو.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
رفع رامي رأسه بسرعة ونظر حوله.
لكن الرجل ذو البدلة الرمادية...
كان قد اختفى.
في تلك اللحظة، انطفأت أنوار الحديقة كلها دفعة واحدة.
ساد الظلام.
وتعالت أصوات الصراخ.
ثم...
سمعت صوتًا أعرفه جيدًا.
صوت إطلاق نار مكتوم.
ولأول مرة منذ ثلاث سنوات...
أدركت أن المهمة لم تنتهِ أبدًا.
انطلقت صرخات الضيوف في كل مكان.
سقطت بعض الكؤوس على الأرض، واندفع الجميع نحو الأبواب في حالة من الفوضى.
أما أنا فلم أتحرك.
لم أكن أستطيع.
لم يكن الخوف هو ما جمّدني، بل ذلك الشعور القديم الذي أعرفه جيدًا.
الخطر كان قريبًا.
قريبًا جدًا.
قلت لرامي بصوت منخفض
خلي الناس تنزل على الأرض.
لم يسألني لماذا.
أصدر أمرًا سريعًا للرجال الذين معه.
أمّنوا الضيوف! اقفلوا المداخل!
وفي ثوانٍ، تحول الرجال الثلاثة من ضيوف إلى جنود مدربين.
تحركوا بسرعة، وبدأوا بإبعاد الحاضرين عن النوافذ.
أما أنا فانحنيت خلف أحد المقاعد ونظرت إلى الحديقة.
كان الظلام كثيفًا.
لكنني رأيت حركة بالقرب من البوابة الخلفية.
شخص يركض.
قلت
هناك!
اندفع أحد الرجال في اتجاهه.
لكن الرجل اختفى خلف الأشجار.
سمعت أمي تبكي.
ليان! تعالي هنا!
التفت إليها.
كانت سلمى ملقاة خلف الطاولة، ووالدي يحاول حمايتها بجسده.
للحظة، نسيت كل شيء.
نسيت أنها قبل أقل من ساعة وصفت عملي بأنه وظيفة متواضعة.
نسيت ضحكتها.
ونسيت نظرتها المتعالية.
كانت أختي خائفة الآن.
فذهبت إليها.
مددت يدي.
تعالي.
أمسكت بيدي فورًا.
ارتجفت أصابعها.
ليان... أنا خايفة.
نظرت إليها.
ما تخافيش. أنا هنا.
ساعدتها على الوقوف.
في تلك اللحظة، عاد أحد رجال رامي مسرعًا.
قائد! مفيش حد عند البوابة.
ثم نظر إليّ.
لكن وجدنا ده.
كان يحمل قطعة معدنية صغيرة.
تعرف عليها رامي فورًا.
جهاز تشويش.
أخذتها منه.
قلبتها بين أصابعي.
ثم قلت
ده مش جهاز عادي.
نظر إليّ رامي.
إزاي؟
ده من نوع قديم كانت وحدتنا بتستخدمه قبل ثلاث سنوات.
سكت.
ثم قال
إنتِ متأكدة؟
أومأت.
متأكدة.
شعرت أن كل شيء بدأ يترابط.
المعدات التي تعطلت في المهمة القديمة.
المعلومات السرية التي تسربت.
الرجل صاحب الساعة الفضية.
والآن جهاز التشويش.
لم تكن مصادفة.
كان هناك شخص يتعمد إعادة فتح الماضي.
لكن لماذا؟
قبل أن نصل إلى إجابة، سمعنا صوتًا من خلفنا.
ليان.
التفت.
كان الرجل ذو البدلة الرمادية واقفًا عند باب المنزل.
عماد السيوفي.
لم يكن يحمل سلاحًا.
وكانت يداه مرفوعتين.
قال
ممكن نتكلم؟
اندفع رامي نحوه.
لكنني أوقفته بيدي.
استنى.
نظر إليّ.
ليان، ده ممكن
يكون هو.
عارفة.
ثم تقدمت نحوه.
إنت كنت فين؟
ابتسم ابتسامة هادئة.
مش فاهم السؤال.
قلت
أنت فاكرني؟
لثانية، تغيرت ملامحه.
ثم عاد إلى ابتسامته.
أول مرة أشوفك.
قلت
كذاب.
ساد الصمت.
تقدم خطوة.
أنتِ شبه أختك جدًا.
إنت ما تعرفش أختي.
ابتسم.
أنا أعرف عن عائلتك أكثر مما تتخيلي.
تدخل رامي
إيديك فوق راسك.
لكن عماد لم ينظر إليه.
ظل ينظر إليّ.
وقال
بعد ثلاث سنوات، ما زلتِ تبحثين عن إجابة.
شعرت بقلبي يخفق بقوة.
إجابة عن إيه؟
قال
عن سبب انهيار الجبل.
ثم أضاف
وعن الشخص الذي ترك فريقك يموت.
تجمدت.
مين؟
ابتسم.
أنتِ عارفة.
هززت رأسي.
لا.
بلى.
ثم قال جملة جعلت الدم ينسحب من وجهي
القائد الذي أعطاكِ الأمر بالعودة إلى الموقع... كان يعرف أن المعدات معطلة.
نظرت إلى رامي.
ثم إلى عماد.
لم أستطع الكلام.
القائد الذي كان يتولى العملية في تلك الليلة...
كان شخصًا وثقت به.
شخصًا كنت أعتبره قدوة.
وشخصًا مات بعد العملية بأيام في حادث سيارة غامض.
قلت
أنت بتقول إن موته ما كانش حادث؟
ابتسم عماد.
بدأتِ تفهمين.
في تلك اللحظة، سمعنا صوت سيارة تنطلق بسرعة خارج المنزل.
التفت الجميع نحو الباب.
قال رامي
مين كان واقف معاه؟
لم يجب أحد.
ثم سمعنا صوت محرك يبتعد.
رفع أحد الرجال جهاز الاتصال.
سيدي... الرجل الذي كان مع عماد اختفى.
نظرت إلى عماد.
أنت مش العقل المدبر.
ابتسم.
أخيرًا.
قلت
إنت مجرد رسول.
ضحك للمرة الأولى.
والآن بدأت اللعبة الحقيقية.
وفجأة، دوى صوت ارتطام قوي في الخارج.
ثم انطفأت الأنوار مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
لم أسمع صراخًا.
بل سمعت صوتًا عبر مكبر الصوت المثبت في الحديقة
مرحبًا يا عاصفة بيضاء.
تجمد الجميع.
وتابع الصوت
ثلاث سنوات وأنا أنتظر أن تعودي.
ثم ظهرت على شاشة العرض الكبيرة صورة قديمة من العملية.
صورة لي.
وسط الثلج.
وبجانبي رامي.
ثم ظهرت جملة واحدة
كان يجب أن تموتي في تلك الليلة.
نظرت إلى رامي.
وكان وجهه قد أصبح شاحبًا.
قال
ليان... لازم نخرج الناس من هنا فورًا.
لكنني لم أتحرك.
لأنني كنت أحدق في الصورة.
وفي الزاوية الخلفية منها...
ظهر رجل لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا في موقع العملية أصلًا.
رجل كنت أعرفه جيدًا.
رجل ظننت أنه مات منذ ثلاث سنوات.
همست
مستحيل...
اقترب رامي.
مين؟
أشرت إلى الصورة.
الرجل ده.
حدق فيها.
ثم اتسعت عيناه.
ده...
قلت
أيوه.
ثم أضفت
قائدنا السابق.
ساد الصمت.
لأن الحقيقة كانت أخطر مما تخيلنا جميعًا
القائد الذي ظننا أنه مات... كان حيًا طوال هذه السنوات.
ظللت أحدق في الصورة وكأن عيني ترفضان تصديق ما تراه.
كان وجهه واضحًا بما يكفي.
العميد فريد منصور.
قائد الوحدة في تلك الليلة.
الرجل الذي أخبرونا أنه مات بعد العملية بأيام في حادث سيارة.
الرجل الذي حضرت جنازته.
والرجل الذي ظللت ألوم نفسي لسنوات لأنني لم أستطع إنقاذه.
قلت بصوت خافت
هو حي.
قال رامي
واضح إن كده.
هززت رأسي.
لا... أنت مش فاهم.
نظرت إليه.
لو فريد حي، يبقى كل اللي حصل من ثلاث سنين كان كذبة.
اقترب رامي.
إيه اللي تقصديه؟
أشرت إلى الصورة.
فريد كان آخر شخص شفته قبل الانهيار. هو اللي أمرني أرجع للموقع.
ثم توقفت.
لكن بعد انهيار الجبل، اختفى.
قال رامي
وإحنا اتقال لنا إنه مات.
بالضبط.
في تلك اللحظة، اقترب أحد الضباط وقال
قائد، لازم نتحرك. المكان مش آمن.
أومأ رامي.
ثم نظر إلى الضيوف.
الجميع يخرج من الباب الأمامي، بهدوء. لا أحد يركض.
بدأ الرجال بتنظيم خروج الحاضرين.
أمي كانت تمسك بذراع أبي، وسلمى كانت تسير بجوارهما.
لكنها توقفت فجأة.
نظرت إليّ.
ليان.
التفت إليها.
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
أنا آسفة.
لم أجب.
قالت
أنا كنت غبية.
ظللت صامتة.
كنت فاكرة إنك فعلًا أقل مني... عشان شغلك بسيط.
ابتسمت بحزن.
سلمى، أنا ما كنتش عايزة حد يعرف.
خفضت رأسها.
بس أنا أهنتك.
قلت
أيوه.
رفعت عينيها.
وهل ممكن تسامحيني؟
نظرت إليها للحظات.
ثم قلت
بعد ما نخرج من هنا سالمين.
أومأت بسرعة.
وعد.
غادر الجميع تقريبًا.
ولم يبقَ سوى أنا ورامي والضباط الثلاثة وعماد.
اقتربت من عماد.
فين فريد؟
ضحك.
كنت عارف إنك هتسألي.
فين؟
مش هنا.
يبقى اتصل بيه.
مش بهذه البساطة.
تقدم رامي نحوه.
إما تتكلم أو هتروح معانا للتحقيق.
ابتسم عماد.
أنا ما عنديش مشكلة أتكلم.
ثم نظر إليّ.
لكن لازم تعرفي حاجة

 

تم نسخ الرابط