كانت عائلتي تظن اني جالسه خلف مكتب حكومي.... محمد عبده
الأول.
إيه؟
فريد ما كانش بيحاول يقتلك.
تجمدت.
إيه؟
كان بيحاول يحميك.
نظرت إلى رامي.
ده كلام فاضي.
قال عماد
لو كان عايزك تموت، كان سابك في موقع الانهيار.
قلت
لكنه أمرني بالعودة.
لأنه كان يعرف إن فيه شخص آخر داخل الموقع.
صمتُّ.
تابع
كان فيه خائن داخل الوحدة.
شعرت بقشعريرة.
مين؟
عماد ابتسم.
ده السؤال اللي فريد عايزك تعرفي إجابته.
ثم أخرج ورقة صغيرة من جيبه.
ناولني إياها.
فتحتها.
كان عليها عنوان فقط.
محطة قطارات قديمة الرصيف الثالث.
وتحت العنوان وقت محدد.
منتصف الليل.
قال عماد
لو عايزة الحقيقة، روحي هناك.
قال رامي فورًا
ولا خطوة.
نظرت إليه.
رامي...
دي ممكن تكون خدعة.
وأنا عارفة.
إذن مش هتروحي.
نظرت إليه.
أنا لازم أعرف.
اقترب مني.
وأنا مش هسمح لك تروحي لوحدك.
صمتنا للحظة.
ثم قال
لو فريد فعلًا حي، لازم نعرف ليه اختفى.
نظرت إلى الورقة.
ثلاث سنوات من الأسئلة.
ثلاث سنوات من الكوابيس.
ثلاث سنوات وأنا أظن أنني السبب في موت رجال كنت أقود عملية إنقاذهم.
والآن...
كانت الإجابة على بعد ساعات.
عند منتصف الليل، وصلنا إلى المحطة القديمة.
كانت مهجورة تقريبًا.
الريح تحرك أبوابها المعدنية، وصوت صفيرها كان يجعل المكان يبدو وكأنه جزء من حلم سيئ.
دخلت أنا ورامي من الباب الجانبي.
تبعنا اثنان من رجاله من مسافة.
قلت
مفيش حد.
قال رامي
لسه.
وصلنا إلى الرصيف الثالث.
كانت هناك إضاءة ضعيفة في آخر الممر.
ثم سمعنا صوت خطوات.
ظهر رجل من الظلام.
كان يرتدي معطفًا أسود.
وقف على بعد أمتار منا.
ثم خلع القبعة.
تجمدت.
لم أتنفس.
كان هو.
فريد منصور.
حيًا.
واقفًا أمامي.
بعد ثلاث سنوات كاملة.
رفع عينيه نحوي وقال
أخيرًا، يا عاصفة بيضاء.
شعرت بالدموع تتجمع في عيني.
قلت
أنت ميت.
ابتسم بحزن.
كان لازم العالم كله يعتقد كده.
تقدم رامي خطوة.
ليه؟
لكن فريد لم ينظر إليه.
كان ينظر إليّ فقط.
ثم قال
لأن الشخص اللي خاننا كان أقرب إليك مما تتخيلين.
تجمدت.
مين؟
وقبل أن يجيب، دوى صوت طلقة في المحطة.
سقط فريد على الأرض.
صرخت
فريد!
واندفع رامي نحوي.
لكن قبل أن أصل إليه، سمعت صوتًا مألوفًا يأتي من خلفي
ليان... ما تثقيش في فريد.
التفت.
وكان الشخص الذي يقف هناك...
آخر شخص توقعت أن أراه.
استدرت ببطء.
توقفت أنفاسي.
كان الشخص الواقف خلفي هو والدي.
بابا؟!
كان يقف عند مدخل الرصيف، وملامحه جامدة بطريقة لم أرها من قبل.
اندفع رامي نحوي ووضع نفسه بيني وبينه.
إنت بتعمل إيه هنا؟
لم يجب أبي.
ظل ينظر إليّ.
ثم قال
أنا جاي أحميك.
ضحكت دون قصد.
تحميني؟ بعد كل السنين دي؟
نظر إلى فريد الملقى على الأرض.
هو اللي لازم تخافي منه.
ركض أحد رجال رامي نحو فريد، ثم قال
الطلقة أصابته في كتفه. هو حي.
تنفست بارتياح.
ثم التفت إلى أبي.
إنت كنت تعرف إنه حي؟
سكت.
وهذا الصمت كان إجابة كافية.
اقتربت منه.
من إمتى؟
قال
من البداية.
شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي.
من البداية؟
أيوه.
كنت تعرف إن فريد عايش؟
أيوه.
وكنت تعرف إن العملية ما كانتش حادث؟
خفض عينيه.
أيوه.
لم أستطع الكلام.
ثلاث سنوات من الأسئلة.
ثلاث سنوات من الحزن.
ثلاث سنوات كنت أعتقد خلالها أنني فقدت زملائي لأنني لم أكن سريعة بما يكفي.
ثم اكتشفت أن أبي كان يعرف الحقيقة طوال الوقت.
قلت
ليه؟
رفع عينيه.
لأن الحقيقة كانت هتقتلك.
والكذب عمل إيه؟
لم يجب.
تقدم رامي.
مين الخائن؟
نظر أبي إليه.
ثم قال
أنا.
ساد الصمت.
شعرت وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلي.
إيه؟
قالها مرة أخرى.
أنا كنت الشخص اللي سرب معلومات العملية.
حدقت فيه.
مستحيل.
كنت مضطر.
صرخت
مضطر؟! رجال ماتوا بسببك!
خفض رأسه.
أنا عارف.
رامي كان ممكن يموت! وأنا كنت ممكن أموت!
عارف.
يبقى ليه؟!
رفع أبي عينيه، وكانت الدموع واضحة فيهما.
لأنهم كانوا ماسكين أختك.
توقفت.
سلمى؟
هز رأسه.
قبل ثلاث سنوات، كانت سلمى متورطة من غير ما تعرف. مجموعة من الناس استخدموا حساباتها ومعلوماتها للوصول إليك.
شعرت بالصدمة.
أنا مش فاهمة.
قال
كانوا يريدون الوصول إلى ملفات الوحدة من خلالك. ولما رفضت أساعدهم، هددوني بها.
ثم أضاف
أنا سربت جزءًا من المعلومات لإنقاذها.
نظرت إليه.
لكن العملية انهارت.
أيوه.
والرجال ماتوا.
أغمض عينيه.
وأنا عشت كل يوم بعدها وأنا عارف إني السبب.
سمعت حركة خلفي.
كان فريد قد بدأ يستعيد وعيه.
فتح عينيه وقال بصعوبة
هو بيقول الحقيقة... جزئيًا.
التفتنا إليه.
قال رامي
يعني إيه جزئيًا؟
أجاب فريد
والدك سرب المعلومات فعلًا... لكن الشخص اللي خطط للانهيار كان شخصًا آخر.
نظرت إليه.
مين؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
الشخص الذي كان يعرف كل تحركاتك... وكل تفاصيل حياتك.
شعرت بقلبي ينقبض.
مين؟
قبل أن يجيب، سمعنا صوت تصفيق بطيء من آخر الرصيف.
صفقة...
ثم أخرى.
ظهر رجل من الظلام.
كان يرتدي معطفًا أسود.
ورفع وجهه نحو الضوء.
تجمد فريد.
وتغير وجه أبي.
أما أنا...
فلم أستطع تصديق ما أراه.
كان عماد السيوفي.
الرجل الذي كنا نظنه مجرد رسول.
ابتسم وقال
أخيرًا اجتمعتم جميعًا.
رفع رامي سلاحه.
إيديك فوق.
ضحك عماد.
لسه فاكر إنك أنت اللي بتتحكم في اللعبة؟
ثم نظر إليّ.
ليان، عندي سؤال واحد لك.
قلت
إيه؟
قال
مين الشخص الوحيد اللي كنتِ تثقين فيه قبل العملية؟
نظرت إلى أبي.
ثم إلى فريد.
ثم إلى رامي.
فجأة، فهمت شيئًا.
كان هناك شخص رابع.
شخص لم يكن موجودًا في المحطة.
شخص يعرف أين كنا.
ويعرف أن فريد سيأتي.
ويعرف أن والدي سيظهر.
ويعرف أنني سأصل إلى هنا.
أخرجت هاتفي بسرعة.
وجدت رسالة جديدة.
لم يكن فيها سوى أربع كلمات
ابعدي عن أختك فورًا.
تجمدت.
رفعت عيني إلى رامي.
سلمى.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم تغير وجهه.
قال
إنها سلمى.
فتح الاتصال.
جاء صوتها مرتجفًا
رامي... أنا في البيت.
ثم سكتت لحظة.
لكن في حد دخل عليّ.
وانقطع الاتصال.
صرخت
سلمى!
وانطلقنا جميعًا نحو السيارة.
لأنني أدركت أخيرًا أن كل ما حدث في تلك الليلة لم يكن بسبب ماضيّ فقط.
كان شخص ما يستعد لاستخدام أختي لإجباري على العودة إلى المكان الذي بدأت منه كل الأسرار.
ضغط رامي على دواسة الوقود وانطلقت السيارة بأقصى سرعة.
كنت جالسة بجانبه، بينما جلس فريد في الخلف، يضغط على جرح كتفه.
أما أبي فكان في السيارة الثانية مع أحد الضباط.
لم يتحدث أحد.
لكن عقلي كان يعمل بسرعة.
من أخذ سلمى؟
ولماذا؟
والأهم...
كيف عرف أنني سأذهب إلى المحطة؟
قلت لرامي
اتصل بالبيت.
اتصل.
لم يجب أحد.
حاول مرة ثانية.
لا شيء.
قلت
لازم نوقفهم قبل ما يوصلوا لها.
قال
هنوصل.
لكنني رأيت القلق في عينيه.
بعد دقائق، ظهرت أضواء منزلنا من بعيد.
كان الباب الخارجي مفتوحًا.
أوقفنا السيارة.
نزلنا بسرعة.
دخل رامي أولًا، وخلفه رجاله.
كنت خلفهم مباشرة.
ناديت
سلمى!
لا إجابة.
كانت غرفة المعيشة مقلوبة.
الطاولة مكسورة.
الزجاج متناثر على الأرض.
لكن لم يكن هناك أحد.
وجدت هاتف سلمى قرب الدرج.
التقطته.
كانت الشاشة مضاءة.
وعليها تسجيل فيديو.
ضغطت عليه.
ظهر وجه سلمى.
كانت جالسة على كرسي، ويداها مقيدتان.
شهقت.
ثم ظهر رجل يقف خلفها.
لم يظهر وجهه.
قال بصوت هادئ
ليان، لو عايزة أختك تعيش، تعالي وحدك.
ثم ظهرت خلفه صورة.
صورة قديمة من العملية.
وتحتها عنوان.
المخزن رقم 7 ميناء الإسكندرية.
ثم انقطع التسجيل.
قلت
ميناء الإسكندرية.
قال رامي
مش هتروحي لوحدك.
هو قال وحدي.
ومش هسمح له يحدد لكِ إيه تعملي.
تدخل فريد
ده فخ.
التفت إليه.
أكيد فخ.
قال
إذن لازم نعرف ليه اختار المخزن ده.
فجأة، قال أبي
أنا أعرف.
نظرنا إليه.
المخزن رقم 7 كان تابعًا للوحدة قبل ثلاث سنوات.
سألته
إيه اللي كان فيه؟
قال
معدات العمليات السرية.
ثم سكت.
وكان فيه شيء آخر.
اقتربت منه.
إيه؟
السجلات الأصلية.
تجمد فريد.
السجلات؟
أومأ أبي.
كل التسجيلات والاتصالات التي تمت ليلة الانهيار.
قلت
يعني الدليل الحقيقي موجود هناك؟
أيوه.
قال رامي
وده سبب إنهم خطفوا سلمى.
نظرت إلى الفيديو مرة أخرى.
ثم قلت
هم مش عايزين يقتلوا سلمى.
نظر إليّ رامي.
إزاي؟
لو كانوا عايزين يقتلوها، كانوا عملوا كده من البداية.
ثم رفعت الهاتف.
هم عايزين يستخدموها علشان يوصلوا لي.
فريد أومأ.
وإلى السجلات.
قلت
بالضبط.
بعد أقل من ساعة، وصلنا إلى الميناء.
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا.
المكان شبه مهجور.
البحر كان مظلمًا، والهواء شديد البرودة.
وقفت أمام المخزن رقم 7.
قلت
أنا هدخل.
أمسك رامي بذراعي.
مش لوحدك.
لو دخلنا كلنا، ممكن يؤذوها.
قال
ولو دخلتِ وحدك، ممكن ما تطلعيش.
نظرنا إلى بعضنا.
ثم قال
أنا مش مستعد أخسرك مرة ثانية.
كانت تلك أول مرة يتحدث فيها رامي بهذه الطريقة أمام الآخرين.
ابتسمت رغم خوفي.
لسه بتخاف عليّ؟
قال
من يوم العاصفة.
لم أقل شيئًا.
ثم أعطاني جهاز اتصال صغيرًا.
لو حصل أي شيء، اضغطي هنا.
أخذته.
ودخلت.
كان المخزن مظلمًا.
خطوت ببطء.
ثم سمعت صوتًا.
ليان.
توقفت.
كان صوت سلمى.
أنا هنا!
اندفعت نحو الصوت.
لكنني توقفت قبل أن أصل إليها.
كان هناك شيء غريب.
سلمى كانت مربوطة إلى كرسي...
لكن لم يكن هناك أحد يحرسها.
قلت
سلمى، ما تتحركيش.
نظرت إليّ وهي تبكي.
ليان، اهربي.
ليه؟
صرخت
ده فخ!
وفجأة أُغلقت أبواب المخزن.
اشتعلت الأضواء.
ظهر عشرات الرجال حولنا.
ثم خرج شخص من بين الظلال.
توقفت أنفاسي.
كان رامي.
لكن ليس رامي الذي أعرفه.
كان رجلًا آخر يرتدي الزي نفسه.
قال
مرحبًا يا عاصفة بيضاء.
تراجعت خطوة.
أنت مين؟
ابتسم.
الشخص الذي كان معك في العملية قبل ثلاث سنوات.
حدقت فيه.
ثم بدأت ذاكرتي تعود.
كان هناك جندي في الفريق...
اختفى بعد العملية.
قال
أنا لم أمت.
ثم أضاف
وفريد لم يكن القائد الحقيقي في تلك الليلة.
رفعت عيني إليه.
مين كان؟
اقترب مني.
أنا.
ساد الصمت.
ثم قال
والآن، عندي شيء أهم من كل السجلات.
أشار إلى سلمى.
أريدك أن تخبريني أين أخفيتِ الملف الأصلي.
قلت
أنا ما عنديش أي ملف.
ضحك.
أنتِ الوحيدة التي تعرفين مكانه.
ثم اقترب أكثر.
لأنك أنتِ التي أنقذته قبل انهيار الموقع.
تجمدت.
بدأت أتذكر.
صندوق معدني صغير.
أخذته من غرفة القيادة.
ثم أخفيته في مكان لم أخبر به أحدًا.
مكان لم أتذكره منذ سنوات.
لكن الآن...
بدأت الصورة تتضح.