لأجلها بقلم امل نصر

لمحة نيوز

 


قبل جبهتها
وقال بجدية تخللت نبرته
خلاص اهدي أنا بهزر معاكي
ثم افرضي يعني غيبتي بالفعل
ما أنا كده كده هسافر من بكرة وأغيب عنك
بالأسابيع
ده اللي شاغل بالي يا ليلى
مش يوم المدرسة اللي هتاخدي فيه ساعات بس وراجعة تاني
خمدت شراستها بتأثر وارتخت يداها عن ضربه
ناظرة له ببراءة قادرة على سحق مقاومته لشياطين رأسه
التي تدعوه لرمي كل الوعود والالتزامات خلف ظهره ويطيع أهواءه
لعدم تركها أبدا
ولكنه يحمد الله أن ما زال فيه ذرة من عقل تنهيه وتصرفه عن ذلك
فيردف لها برجاء
لاه لاه بلاش يا غالية تبصيلي بعينيكي الحلوة دي وتطلعيها في دماغي صح
جومي يا ليلى من جاري الله يخليكي
قومي روحي مدرستك هتتأخري عليها
شوية كمان وأنا مش هضمن نفسي
وفي الأسفل حيث مائدة الطعام
ارتصت أنواع متعددة من الأطعمة للإفطار
ولم يتبق سوى اللبن الساخن
وقد أتت به حسنية تحمله في وعائه المخصص
لتكمل به الوجبة المتكاملة وتضعه على المائدة
قبل أن تشاركهم الجلوس
تلقي نظرة شاملة على الحضور قائلة
ما شاء الله عليكم
محدش فيكم طلع يصحي معاذ ولا عروسته ياجوا يفطروا معانا
ما تخلي حد من عيالك يطلعلهم يا هالة
ولا روحي شوفيهم إنتي
سمعت منها الأخيرة فتوقف الطعام بفمها
وجاء ردها بحنق
إنتي عايزاني أنا الكبيرة أطلعلهم يا مرت عمي
وهما ما ينزلوش لوحديهم ليه مش عارفين اللي وراهم
وجمت حسنية تطالعها بإجفال لحدتها غير المبررة
فزفر خليفة الذي تابع الموقف منذ بدايته لينهرها بدوره
خلاااص وفري كلامك الماسخ
عنك ما طلعتي
أنا هرن عليه من مطراحي وأصحيهم ولا العوزة ليكي
تمتم بها بنزق فأفحمها عن الجدال
ليتناول هاتفه ويشرع في الاتصال بشقيقه
لكنه انتبه لهبوط الاثنين الدرج بكامل هيئتهما للخروج
فتراجع عن الاتصال
مقربا رأسه من هالة هامسا بضيق
حرام تجملي نفسك شوية بدل ما تبقي مكشوفة كده جدام الكل
عدلت رأسها نحوه تحدجه بنظرة نارية لم يأبه بها
ليصرف نفسه عنها ويوجه اهتمامه نحو العروسين وترحيب والدته المحب لهما
يا ما شاء الله عليكم
الله أكبر دول نازلين لوحديهم أهاه من غير ما نبعت حد!
أنا لازم أبخركم النهاردة قبل ما تطلعوا
تبسم الاثنان لحفاوة الاستقبال المبالغ فيها من المرأة وباقي الحضور
حتى خليفة الذي أشرق وجهه
وتحول تماما إلى مشاكسة شقيقه وعروسه المحظوظة كما رأتها الآن هالة
وقد انصبت أبصارها عليهما
على معاذ الذي كان ملتصقا بها وكأنه يرفض ابتعادها عنه تلك اللحظات
فرحته بها وهذا العشق المبارك من الجميع
شيء يدعو للتساؤل والتعجب
تعالوا يا عرسان تلحقوا الأكل الصابح وهو سخن
تفوهت بها حسنية وكان رد معاذ
مش هينفع يا حسنية يدوب أوصلها بالعربية
معلش يا أمي لما يرجع بجى أبقي اكليه براحتك
قالتها ليلى لتصيح حسنية ببهجة شديدة
يا ختي على أمي اللي طالعة من بوقك زي العسل!
تعالي يا بت الكلمة الحلوة دي جربي يا بت!
انصاعت ليلى وهرولت تقترب منها بمرح
وأعطتها خدها فقبلتها هي أيضا
فدلف حمزة على هذا المشهد معلقا هو الآخر
يا ما شاء الله عليكم!
طب واقفين ليه ما تجعدوا خلي نفسي تتفتح أنا كمان معاكم!
هرجعلك يا حمزة أفطر معاك
قالها معاذ وهم بالذهاب مع زوجته
فتمتمت هي الأخرى بعجالة
وأنا على الغدا بجى يا عم يا حمزة
تأخير أكتر من كده مش هلاقي حد يدخلني المدرسة!
روحي يا بتي وربنا يوفقك اللهم آمين
علقت بها حسنية بطيبتها
أما حمزة فلم يتركها تتخطاه دون أن يوقفها
استني هنا خدي قبل ما تمشي
فتحت ليلى الكف التي تناولها
فجذبها على حين غرة واضعا بها شيئا ما
لتتفاجأ بورقة نقدية من فئة المئة جنيه
فأصابها الحرج وشرعت في إعادتها
لا يا عم حمزة مينفعش
قاطعها بحزم مشددا على أحرف كلماته
دااا مصروفك من هنا ورايح
زيك زي ريان
وده مفيش فيه نقاش ولا أخد ورد
يلا على مدرستك
همت بالجدال
لكن معاذ الذي انتفخ صدره بفعلته
أوقف الكلمات في حلقها
جالك مفيش فيه نقاش
اخلصي خلينا نلحق الحصة الأولى حتى
وسحبها فجأة ليهرول بها بخطواته السريعة
وصوتها يصدح معه
طب براحة هتوجعني يا معاذ!
ضحك جميع الحاضرين من كبار وصغار لمشهدهم
إلا هالة
فقد بات الأمر أمامها أقسى من قدرة تحملها
وفي داخل فناء السجن المركزي
حيث اليوم هو خروج عرفان
وقد كان وسط مجموعة من زملائه الذين يودعونه بطريقتهم الخشنة في المزاح الثقيل
وضحكاتهم تجلجل في قلب المكان ليثيروا انتباه الموجودين والمارة أيضا
حتى أتى عطوة من العدم
يرمي بثقله عليه متمتما
هتوحشني يا صاحبي
هتوحشني يا عرفان يا ولد بلدي!
رغم تفاجئه وانزعاجه من تلك الطريقة في توديعه
إلا أنه تماسك يربت على ظهره ويجاريه
تشكر يا عطوة دا من أصلك
وإنت كمان هتوحشني بس إحنا هنروح من بعض فين
كلها تلات تشهر وتحصلني
خرج عطوة يضيف على كلماته
هو دا اللي مصبرني يا صاحبي
إني هطلع ونعيد صحبتنا تاني
بعد الفتنة اللي حصلت ما بينا وبعدتنا عن بعض
بس إنت أخيرا فهمت اللي فيها أها مسامحني يا صاحبي
للمرة التي لم يعد يذكر عددها يناديه صاحبي
وكأن بلعبته الأخيرة في التحايل على القانون ليخرجه من القضية
قد أهداه الحرية
هذا الأحمق يبدو أن الغباء قد استبد به
ونسي أن القضية تخص من إليه بالأساس!
يعني إن لم يتأكد من صدق الرواية التي أدلى بها
فعواقب الكذب ستكون عليه أقسى حتى من تخيله
هل يظن أن التعرض لعرضه شيء هين!
ولكن كل شيء في وقته
ملوش لازمة منه الكلام ده يا عطوة
شد حيلك بس
ولما تطلع تعلالي على طول
هتلاجيني مستنيك يا غالي
توقف بسيارته لينتصب واقفا يطالع المبنى الذي يجرى العمل على بنائه بواسطة الشركة المعروفة
ارتفعت رأسه نحو المخطوط على اللوحة المعدنية في تلك المنطقة الصحراوية القريبة من بلدتهم
مجمع مباني المشفى المتخصص لأبناء المدينة الجديدة والقرى المجاورة لها
وهو المشروع الذي تتولى الشركة إنشاؤه تماما كما فعلت من قبل في مبنى الوحدة الصحية ببلدتهم قبل عدة سنوات
حيث كان لقاؤه الأول بها
واقفة وسط العمال تشرف وتلقي بأوامرها على رجال لا يصلون لنصف حجمها
ولا يجرؤ أحدهم على رفع عينيه إليها
تماما كما يحدث الآن أمامه وكأن الزمان لم يتحرك لحظة
ما زالت كما هي لم تتغير
واثقة ناعمة وجميلة
لا يدري ما الذي أتى به إلى هنا
هل يوجد في هذا العالم رجل يعشق تعذيب نفسه مثله
ربما لكن يكفي هذا عليه أن يغادر
ارتد بقدميه بالفعل عائدا إلى سيارته يهم بالمغادرة
ولكن أوقفه ذلك الصوت الذي تعشقه أذنه
ليتوقف رغم إرادته يتابع نداءها باسمه بعد أن انتبهت إليه كما يبدو
خليفة يا خليفة استنى!
أغمض عينيه يستمتع برنة الصوت الناعمة
سحب دفعة من الأكسجين ثم زفرها ليملك بأسه
واستدار إليها يطالع اقترابها رويدا رويدا حتى وصلت إليه لاهثة
في إيه يا عم بقالي ساعة بنده عليك
برر بابتسامة لم تصل إلى عينيه
سامحيني مخدتش بالي هو انت بتندهي بجالك كتير
أومأت برقة
مش كتير أوي يعني
أنا يدوب خدت بالي وإنت واقف مدي ضهرك
رحت جاية على طول أتأكد وأسلم عليك
هو إنت هنا بقالك كتير بقى
أجاب وعيناه تحاولان الهرب من خاصتيها ومع ذلك لا ينجح
إحنا أصلا لينا أرض قريبة من هنا وأنا جاي من هناك دلوك
لقيت الفضول موجفني أشوف المشروع الجديد
بس ما كنتش أعرف إنه تبع شركتكم
تنهدت باسمه تعلق على قوله
آه بقى ما إحنا ماسكينه قريب بدل الشركة اللي كانت موقفاه
المهم إنت عامل إيه بقى
وريان قلب مامي وحمزة
ما تقولهم هما كمان يعدوا عليا مدام أرضكم قريبة من هنا زي ما بتقول
أنا باجي هنا يوميا على فكرة!
صمت حتى انتهت من إسهابها يومئ برأسه كاستجابة
بعد أن تمكنت من قلب فرحته بلقائها إلى تذكير صارخ بأولوياتها في الحياة
التي لم ولن يراها يوما
تمام يا هالة هجولهم الاتنين يبجوا يعدوا عليكي
مساء
وقد أتت اليوم في زيارة لابنتها بعد
غياب لم يتعد الثلاثة أيام
وكانت نتيجته شكوى وصلت إليها لتعبر عن استيائها منها الآن
بتشتكيني لجوزك يا ليلى عشان بس اتأخرت كام يوم
أمال لو زودت هتعملي إيه يا بت
وأنا اللي جولت إنك كبرتي وعجلتي في جوازتك دي!
تعقيبا على قولها ردت ليلى بتشتت
أنا اشتكيتك يا أمه
مين اللي قالك كده
أنا يمكن زعلت صح بس مش لدرجة الشكوى!
زعلتي!
زفرت مزيونة تردف بغيظ
على تلت أيام يا موكوسة زعلتي
يبجى كده بلغتي جوزك
والمحروس اللي ما يتبلش في خشمه فولة
بلغ الغضنفر التاني طب يمكن كنت تعبانة!
صدر منها شهقة عالية تقارب الصرخة مرددة بهلع وقد اقتربت منها تتفحصها بعينيها
تعبانة!
حاسة بإيه جوليلي أجيبلك دكتور!
صاحت بها
الله يخرب مطنك يا شيخة!
يا بت انتي مفكيش مخ
أنا بجول يمكن يمكن!
مكنتش تعبانة ولا حاجة زينة وتمام
لكن غيبت يا ستي فيها إيه يعني
لازم تتعودي يا بت!
وجمت ليلى بملامح تذكرها باحتياجها الدائم لها
مهما وجدت السعادة مع زوجها
مفيهاش حاجة
بس أنا مهما شفت من محبة في

البيت هنا
عمري برضو ما هتعود على بعادك
ده غير إن معاذ من بكرة هيسافر
يعني انتي كده لو زودتي في الأيام يبجى عايزاني أتعود على الوحدة
معقولة تسيبيني يا أمه
نفت لها مزيونة بهزة من رأسها
لاه طبعا إن شاء الله أجيلك دايما بس
بس إيه
صمتت مزيونة لحظات
فكيف تخبر ابنتها الصغيرة عن تلك المشاعر المتناقضة التي تنتابها في هذا المنزل
محبة شديدة من معظم أفراده
لكن نظرات غريبة من تلك المدعوة هالة رغم ادعائها غير ذلكبالإضافة إلي حمزة الذي
لا تعلم ولا تريد التفكير في الأمر
لكنها دائما ما تفضله كجار في بيتها أما هنا
لا لا تريده أصلا لا تريد حتى رؤيته!
سرحتي في إيه يا أمه
خطفتها ليلى من شرودها فتنتبه وتغير دفة الحديث سريعا
سيبك ما تحطيش في بالك
المهم شوفي السلة اللي عند الباب دي
طلعي منها الحاجات اللي فيها وهاتيها ورايا على المطبخ نرتبها في التلاجة
سمعت منها ليلى وتحركت بالسلة حتى وضعتها على أرضية المطبخ
تخرج الطعام المعد من والدتها داخل أوان محكمة الغلق
الحمام المحشي بالأرز فهذا شيء أساسي
ثم أنواع أخرى
لكن ما لفت انتباهها تلك العلب البلاستيكية المغلقة
التي ما إن قامت بفتح غطائها لتكتشف محتواها حتى هتفت بلهفة نحو والدتها
التي كانت بدأت في جلي الأطباق بحوض الغسيل
معمول! عملالي معمول!
سمعت منها لتلتف نحوها بتذكر
أيوه استني بس أنا عاملة علبتين
واحدة ليكي وواحدة لريان
ريان!
أيوه ريان أصلي عرفت إنه بيحبه
لا تعلم مزيونة لماذا بررت عبارتها بنوع من الحرج الذي شعرت به فجأة
لكن ليلى صاحت بمرح تركض بالعلبة
ده أكيد هيفرح بيه جوي!
أنا هروح أدهوله بنفسي!
استني يا بت!
لم تسمع منها
وقد ركضت بالعلبة لتفرح الصغير
ووقفت هي مكانها بتوتر
لا تعلم سببه
حين خرجت من شقتها تبحث عن الصغير وقفت في الشرفة الشاسعة التي تتوسط الطابق لتنظر إلى الأسفل فوجدته يلعب مع أقرانه
نادت باسمه
ريان يا ريان!
حين التفت إليها أشارت بيدها كي يصعد وحده وملامحها تنبئ بأنها ستخبره بسر ما
مما حفزه أن يذهب سريعا دون أن يسحب معه البقية ليعرف ماذا تريد
أما والده فقد كان في هذا الوقت يصطف بسيارته داخل الفناء الضخم للمنزل عائدا من الخارج
يجري مكالمة هامة مع أحدهم
طلع من الصبح انت متأكد من كلامك ياض الراجل ده فعلا طلع طب اسمع زين عايزك تخلي بالك منه وتجيبلي أخباره أول بأول زي ما بقولك كده انت نفذ وبس تمام
أنهى المكالمة يزفر بضيق متعاظم وهم يجثم على صدره
لقد خرج هذا الشقي يحمل بيده صك البراءة من الجريمة المخزية
وهو الأعلم بما يدور برأسه الآن
خرج من سجن استمر لشهور
وهو لم يتقدم ولو خطوة واحدة في علاقته بتلك العنيدة
التي تفرض سلطة عقل ممتلئ بعقد الماضي
على قلب سلم الراية منذ فترة ليست بالقليلة
لكن لا حيلة له
زفر بضيق ثم دلف إلى داخل المنزل
وألقى التحية على والدته التي تتخذ من المقعد في وسط الردهة مجلسا دائما لها
ثم سقط بجسده بجوارها
مساء الفل يا ست الحبايب
ردت ببشاشتها المعتادة
مساء الفل والهنا يا نور عيني شكلك جاي تعبان يا ولدي
أومأ لها بضيق يرمي حجته على العمل دون الإفصاح عن السبب الحقيقي
معلش بجى النهاردة كان يوم مليان شغل ومقابلات ولت وعجن يلا الحمد لله
مش متعودة تجعدي لوحدك فين بقية الشعب
ضحكت حسنية تجيبه بسجيتها
يا خوي ربنا يزيد ويبارك
على العموم لو قصدك على أخواتك البنتة فدول في بيوتهم مفيش ولا واحدة جات منهم النهاردة
أما عن خواتك فخليفة نايم فوق ومعاذ راح يجعد شوية مع أصحابه قبل ما يسافر بكرة على شغله
أما عن حريم إخوتك فهالة انت أدرى بيها زي الجن تخفي وتظهر فجأة
وليلى معاها أمها دلوك
بتقولي مين
تمتم بها معتدلا في جلسته مردفا باهتمام
يعني مزيونة جاعدة فوق عند بتها دلوك
أومأت بجفنيها وشبح ابتسامة بزغ على ثغرها قائلة بمكر
طلعت بجالها ييجي ساعة قعدت معايا لحظة قبل ما تروح لبتها
شوية كده وتلاقيها نازلة حكم إنها عزيزة النفس ما تحبش تأخر نفسيها أبدا
بدوره أومأ هو الآخر يدعي التفهم
أيوه صح أنا برضو واخد بالي منها في الحتة دي أآآ
قطع الحديث بتشتت وقد تاه عقله بين رغبة ملحة في الصعود ورؤيتها
بحجة يختلقها من أجل ذلك
أو الانتظار المر وذلك ما يملكه الآن ولا حيلة له بغيره
لكن
لم يكن حظه سيئا لتلك الدرجة
حين وصله صوت صغيره مختلطا بصوتها وصوت ليلى
تنبهت حواسه واعتدل باهتمام شديد يتابع هبوط الثلاثة على الدرج
أنا هغيظ بيه كل العيال النهاردة يا خالة مزيونة واللي ياخد واحدة يدفع تمنها الأول!
وه للدرجة دي عاجبك يا ريان
جوي جوي يا خالة
قالها ريان ردا لها وأيدته ليلى بشقاوتها
جدع يا ريان! أيوه كده اتعلم تبقى تاجر شاطر من صغرك
شوف يا خوي مين اللي بتتكلم! أخيب واحدة في العالم بتدي نصايح!
شهقة استنكارية عالية صدرت من ليلى هاتفة بها
أنا يا أمه أنا برضو خايبة يا أمه!
أيوه إنتي يا عين أمك أمال أمي أنا!
قالتها مزيونة بضحكة جلجلت بمرحها غافلة عمن اهتز قلبه فرحا بداخله
فقد كانت هذه أول مرة له يسمع ضحكتها المنطلقة دون تحفظ
ضحكة تتعمد كتمها مع جميع البشر
إلا هذين الاثنين ابنتها ليلى وفخر العرب ابنه ريان
والذي كان أول من انتبه إليه منهم
ليكمل باقي الدرجات نحوه راكضا
أبوي ابوي شوفت خالتي مزيونة عملتلي ايه
خجلت الاخيرة تبتلع ريقها بحرج شديد فهذا ما كانت تخشاه والان يتحقق مع رد فعله وهو يتذوق واحدة من يد صغيره متلذذا بشدة
امممم تسلم يدها دا احلى كمان من اللي اشترناه من محل امبارح واللي قبله يا ريان
قدم ريان واحدة آخرى ممن يحتفظ بهم داخل كفه إلى جدته والتي تناولت منه هي ايضا لتعبر عن إعجابها
يا ماشاء الله تسلم يدك يا بتي حلوة جوي صح زي ما جال ريان وابو ريان بس مش عيب يا ولدي تملى كفك من حاجة العروسة
تدخلت هنا ليلى تزيد على الطين بلة بعفويتها
لا ما هو مش من بتوعي ريان امي عملتله علبه كبيرة لوحدة لما عرفت انه بيحبه زيي
تمنت مزبونة أن تنشق الأرض وتبتلعها فرغم أن ما قامت به كان بمحض نيتها الطيبة لا تقصد من خلفه شيء ومع ذلك شعرت الان بحنق شديد وكأنها وقعت بفخ نصبه لها ذلك الماكر والد الطفل كم تود خنقه
يعني امك عملت علبة معمول كاملة لريان
جاء التساؤول فجأة من تلك التي ظهرت ايضا فجأة لا احد يعلم من أين خرجت او أتت تطالع مزيونة بأعين حادة حتى جعلت حمزة يقطع عليها موجها خطابه للأخرى
تشكري يا ست مزيونة والله وفيكي الخير جبرتي بخاطر ريان ولدي مجرد بس ما عرفتي انه بيجيب المعمول
أضافت ايضا حسنية
طبعا امال ايه مش بعيد عليها بت الأصول ربنا يبارك في صحتك يا بتي والله اللي عملتيه ده عجبني انا كمان تسلم يدك
اومأت مزيونة برأسها في رد للأثنان متجاهلة تلك التي صارت تخرج دخان احتراق منها فتستأذنهم
الله يسلمكم انتو الاتنين اسيبكم بجى بعافية اصل عايز اعدي على اخوي قبل ما اروح بيتي
هم حمزة أن يمنعها عن الذهاب ولكن اوقفه دوي هاتفه باتصال من الرقم الذي كان يحدثه منذ قليل وما ان شرع بأن يجيبه حتى دخل احد الاطفال من ابناء اخيه مناديا
عمي حمزة في واحد برا طالب يدخل يشوف مرة عمي ليلى
وه 
انتفض حمزة هادرا نحو الصغير امام دهشة ليلى ووالدتها
مين يا مخبل انت اللي طالب يشوف مرة عمك كدة مرة واحدة دا مجنون دا ولا ايه
لا مش مجنون دا بيقول انه ابوها
تفوه بها الصغير لتأتي كصاعقة ضربت رؤوسهم وتابع حمزة بعدم تصديق
ابوها مين يا واض هو اي حد يقولك كلمة تصدقها
فينه الراجل ده خليني اشوفه
انا اها يا حمزة باشا جايلك بنفسي عشان تتأكد
جاء الصوت من مدخل المنزل من قبل عرفان الذي دلف بصحبة زوج ابنته معاذ يرافقه بوجه متجهم اظهر حجم الضيق الذي يشعر به وهو يدعوه مضطرا
اتفضل يا عمي طبعا البيت بيتك
يتبع
ارجع تاني افكركم شدو حيلكم ووصلوه لألفين على الاقل عشان نعجل بالفصل القادم مش عايزين تعرفوا حمزة هيعمل ايه مع عرفان
لأجلها 
بنت الجنوب
الفصل الثالث والعشرون
أخاف عليك من الدنيا
من عيون الناس من مفترق الطرق من لحظة ضعف منك حتى منك.
أحببتك بوجع لا بهدوء العشاق.
أحببتك كمن وجد فيك وطنا فصار يخشى كل رياح تعصف بالبيوت.
أعلم أني لا أحسن التعبير ولا أجيد حياكة الكلمات كما تستحقين.
لكني أراك كل شيء وكل خوف.
أحمل عنك صمتك حين يثقلك وأخبئ وجعك في صدري ولو استطعت لخبأتك كلك فيه.
أنا لا أملكك لكني لا أحتمل فقدك.
وكل ما أفعله الآن حماية بصوت مكتوم وتمسك بصبر مر ودعاء لا يسمعه سواي
اللهم احفظها كما أحفظها أنا بل أكثر.
مراجعة وخاطرة جميلتي سنا_الفردوس
.........................
المنزل المرتب النظيف أصبح مدخله ساحة لها تقطعه ذهابا وإيابا تطل برأسها كل لحظة إلى الخارج تستطلع إن كان قد وصل إلى الشارع أم لا.
لقد طال انتظارها وتسرب القلق إلى قلبها. منذ علمت من أحد أقاربها
أنه قد وصل إلى مدخل القرية وعلى وشك الوصول إليها ما الذي أخره والمسافة المقدرة من مدخل القرية إلى منزلها لا تستغرق أكثر من دقائق بالسيارة أو ربع ساعة على الأكثر إن قطعها بقدميه إذا ما الذي عطله
ألا يكفيه بعد أن رفض استقبالها له خارج أبواب السجن حين خروجه لتضطر إلى التزام المنزل في انتظاره! لقد فعلت كل شيء من أجل إسعاده. قلبت المنزل رأسا على عقب في التنظيف والترتيب أعدت كل الأصناف التي يحبها من الطعام حممت أطفالها وجعلتهم يرتدون الملابس الجديدة الزاهية فهم وسيلتها لاستدراج عاطفته نحوها. أما عنها فقد فعلت كل شيء حتى تصبح امرأة كاملة كما تنظر إلى نفسها في المرآة. حتى لو استمر على صلفه ربما تغلبه رغبة الرجل بداخله. لقد اشتاقته... وبشدة. ألن يأتي بعد
زفرت وهي تلتف عن المرآة ذاهبة نحو الهاتف تحاول الاتصال بأحد ما يخبرها عنه ولكن أوقفها دخول ابنها الذي كانت قد أرسلته هو الآخر منذ قليل للسؤال. ركضت نحوه بلهفة
واض يا ناصر عرفت إيه أخر أبوك
أجابها الصغير متأففا وقد أرهقته بتوترها وأسئلتها المستمرة
أبوي دخل البلد من بدري يا أمه بس هو عدى على بيت أختي يسلم عليها قبل ما ييجي على هنا زي ما قالي عمي اللي كان معاه.
تحفزت بعدم استيعاب سائلة
أختك مين اللي راحلها! إنت اتخبلت يا واض إنت
رد ناصر ببساطة وهو يجاور شقيقته في الجلوس على المقعد
أختي ليلى يا أمه راح يزورها في بيت جوزها وعلى ما يخلص مشواره هياجي على هنا.
تخلص روحها هي وأمها...
صرخت بها تضرب كفا بكف ثم تفركهما بغل
والله عال يعني طالع من السجن عليها دوغري في بيت الناس! اللي كان ما يسأل عليها وهي في بيته هنا! ماشي يا عرفان أما أشوف آخرتها إيه معاك إنت والمحروسة مزيونة الزفت! أن ما كنت أطلع القديم والجديد لو حصل اللي في بالي.
......................................
لم نتذوق حلاوة البدايات...
ربنا نجد سلوانا في القادم
ولكن...
هل اقترب الوصال أم ما زلنا في تلك المتاهات
وننتظر فقط المعجزة لقلب الواقع إلى السعادة التي نرجوها
حمزة
في منزله! ومجبر على استقبال ذلك المتنطع!
في منزله! ومجبر على الجلوس والتكلف بالحديث معه في تلك الجلسة التي تضم أفراد عائلته وبحضورها هي وابنتها.
تلك النيران التي تشتعل داخله الآن من يشاركه بها أو يشعر به!
كان ينقصه هذا الناقص ليزيد على همومه وهو بالكاد يتلمس لينها بعد شهور أنهكته صبرا في ترويضها من عقد كان هو سببها.
مجرد بس ما عربيتي دخلت البلد وأنا لقيت نفسي جاي على البيت هنا طوالي من غير ما أريح ولا أغسل جسمي عشان أشوف البت وأطمن عليها وسطيكم.
توقف ناقلا بصره نحو حسنية المتجاوبة معه بعض الشيء مردفا نحوها
حكم نار كانت جايدة فيا يا حجة ربنا ما يحط حد مكاني ولا يتعرض للظلم اللي أنا اتعرضتله.
أومأت حسنية بعدم تصديق ولكنها ادعت مجاراته
الحمد لله اللي فك كربك في الآخر يا ولدي وربنا يجازي ولد الحرام اللي كان السبب بس سمعت إنه كان صاحبك
أبدا ولا أعرفه.
أنكرها سريعا ليجبر هذه المرة مزيونة على تكذيبه بحدة قطعت بها صمتها
كيف يعني ولا نعرفه إنت بتتكلم على حد غريب دي عطوة اللي عتبت البيت شكت من دوسه عليها.
ضحك بخبث يحدق بها بسفور وكأنه أوقعها بالفخ يتحدث بانشراح وكلمات مقصودة
معلوم يا أم ليلى بس أنا ما جصديش على اللي فات دا عدى وولى بالنسبالي من كله يبجى هتمسك بصحبة واقعة زي دي تجيب الفقر ليه أنا راجل قررت أبدل من نفسي بعد الظلم اللي عيشته وأبجى إنسان تاني يعني عرفان القديم مات واللي جدامك دلوقتي عرفان المحترم اللي عايز يحادي على عياله ويصلح اللي فات.
خلينا في اللي حاصل دلوك.
صدح بها قوية ذلك الثائر برفض حاسم لتلك الألاعيب المكشوفة من هذا الثعبان المتلون وحتى يصرفه عن النظر نحوها بوقاحة تجعل الدماء تغلي برأسه. فجاء الرد من عرفان بتسلية وتبجح يثير الدهشة
وماله بجى اللي حاصل دلوك يا أستاذ حمزة ما أنا بقول أها طالع من السجن وفاتح بابي للدنيا وللتغيير بتي...
توقف يضم إليه ليلى المذهولة والتي كانت جالسة جواره ليردف بحمائية جديدة عليه
بتي ليلى دي إينعم أنا ما حضرتش جوازها ولا خطوبتها حتى لكن دا مش معناه إن مهمتي انتهت على كده. من هنا ورايح أنا مش هتخلى عنها واصل. واخد بالك يا معاذ ليلى وراها أبوها دلوك...
رد معاذ بحدة لا تقل عن شقيقه وقد استفزه المعنى المبطن خلف كلماته
وماله يا عمي لما تبقى سندها بس ليلى وراها رجالة كتير مش بس خالها وصفي ولا رجالة عيلتها اللي استلمتها منهم على الأصول المعروفة. أمها كمان نفسها الست مزيونة بألف راجل بالنسبالي. وبردك ليلى مش محتاجة لحد أنا هحافظ عليها جوا عيوني مش هعوزها للي يدافع عنها.
يسلم فمك يا معاذ.
غمغم بها خليفة الذي كان حاضرا هو الآخر بفخر انتفخ بصدره كبقية الحاضرين. فقد سدد رميته جيدا في إفحام هذا الرجل المستفز لهم بحديثه الذي أشعل الصدور ليضطر هو الآن للتدخل من أجل تهدئة الأجواء قبل أن يفعل شقيقه الأكبر جريمة يجزم أنه على وشك القيام بها
زي ما جالك كده يا حج عرفان وفي الأول والآخر ليلى بنتنا وفي عنينا كلنا من جوا إحنا برضو رجالة ونعرف في الأصول.
أضافت عليه ليلى تؤيده
أيوه يا أبوي إن كان عمي خليفة ولا عمي حمزة ولا أمي حسنية كلهم في البيت ده بلا استثناء شايلني جوا عيونهم دول عيلتي الكبيرة بعد أمي...
وأبوكي... بعد أمك وأبوكي يا ليلى احفظيها.
قاطعها بها يثير الاستهجان والحنق الشديد نحوه رغم تريثهم الشديد معه. ثم أردف يرحمهم قليلا من ثقله وهو يهم بالنهوض عن أريكته
طب أجوم أنا دلوك أستأذن عشان أروح بجي.
خاطبه خليفة بمجاملة زائفة أمام صمت الباقين
بسرعة كده يا حج خليك شوية على تتعشى وتريح شوية ولا عاوزها تبقى عيبة في حقنا وإحنا خلاص بقينا عيلة واحدة.
عبست ملامح حمزة بضيق واضح نحو شقيقه الذي تبسم

مشاكسا وقد دعمته حسنية أيضا تنفيذا للأصول التي تربت عليها
صح زي ما جالك كده البنتة جوا بيحضروا الوكل مسافة خمس دقايق بس وكله يجهز على السفرة. إنت أبو ليلى بنتنا يعني منينا دلوك.
ضحكة سمجة ارتسمت على محياه يوزع أبصاره نحو حمزة وزوجته السابقة مزيونة قبل أن تستقر أخيرا علي حسنية
يجعله عامر بحسك يا حجة إنتي قولتي بنفسك بجينا عيلة يعني في أي وقت أجي أسأل على بتي الغالية بكرية أبوها.
إلا صحيح... هي وقفت دراسة ولا بتروح منزلي
هتفت مزيونة ردا له تسبق ابنتها في الإجابة
لا دي ولا دي بتي مكملة في تعليمها عادي وهتكمل سنتها عشان تجيب المجموع الزين وتدخل الكلية اللي هي عايزاها.
للمرة الثانية يجرها لمخاطبته فيحدق معقبا عليها يتفرسها بعينيه يزيد من جذوة النيران التي تسري بقلب حمزة الذي يحجم نفسه بصعوبة عن ارتكاب جريمة قد تكلفه عارا يلبسه إن هو قتله أو حتى طرده من المنزل
وعد الحر دين عليه وإحنا ناس بنفهم في الأصول نبجى كدها مش واطيين إحنا عشان نوصل لعرضنا وبعدها نلحس عهودنا.
ذهب عن عرفان العبث وقد فهم قصده بتلميحه الواضح عن مزيونة وشهادة الإعدادية التي حرمها منها بعد زواجها. تقلصت ملامحه بضيق واضح مستأذنا
وماله كل حاجة نصيب في الأول وفي الآخر. يلا يا أم ليلى مش مروحة معايا برضو
أم ليلى لسه هتجعد شوية مع بتها.
لا تعلم كيف فعلها وتكفل بالإجابة عنها. لتضطر مذعنة لمجاراته رغم حرجها الشديد أمام باقي الحضور. حتى إذا غادر عرفان يجر أذيال الخيبة خلفه توجهت بنظرات متسائلة نحو حمزة الذي تنفس أخيرا بعد قرابة الساعة التي قضاها مختنقا في وجود عرفان الكريه. لينتبه إليها قائلا
أكيد مكنتيش هترضي تمشي معاه فأنا حبيت أوفر عليكي. أبو تجل دم أمه أنا مش عارف كنتي متحملاه إزاي الجزين ده!
حمزة...
تفوهت حسنية بالاسم بلهجة محذرة حتى لا يتجاوز فيحرج المرأة وابنتها التي تغضنت ملامحها بتأثر لا تدري عن سبب الزيارة المفاجئة لوالدها أتحمل وراءها خيرا أو شرا
فتابع حمزة يردف ملطفا
معلش يا جماعة ما تأخذونيش أنا بس اتعصبت. يعني لما طب كده من غير سابق إنذار... لكنه أكيد مرحب بيه عندنا وبرغم كل الخلافات اللي ما بينا يكفي إنه أبوكي يا ليلى.
أومأت الأخيرة بتفهم وقد التفت ذراع زوجها الحانية حول جذعها يدعمها ويبث إليها الاطمئنان بنظرته مما انتقل بأثره على مزيونة التي شعرت بالإنهاك يأن جسدها تعبا وطلبا للراحة
يادوبك أنا كمان أروح على بيتي الله يجازيه عرفان أخرني أكتر ما أنا متأخرة.
كانت تتحدث وأقدامها تتحرك للمغادرة مما استدعى حمزة لتوقيفها
استني أنا جاي معاكي أوصلك.
توصلني فين
هتفت تهم بالجدال لكنه حسم بإصرار لا يقبل النقاش
هسبقك أنا وريان على العربية. من الليلة دي أساسا هبيت في بيتنا الجديد.
في بيتك الجديد!
تمتمت مزيونة من خلفه بذهول وقد تيبست قدماها ناظرة في أثره وهو يسبقها بالفعل
للمغادرة تحاول استيعاب قراره المفاجئ بالسكن في المنزل الجديد رغم عدم اكتماله بعد على حسب علمها...
......................................
المحبة والود
ذلك الشيء السحري لاستمرار العلاقات أن نتشاجر ثم نعاتب ونتقبل النقد حتى وإن اختلفنا في الطريقة أو مهما حدثت بيننا من أخطاء...
كل شيء يمر وتبقى المودة التي تجمع بيننا ولا تفرقنا.
والمحبة... هي وقود الاستمرار في مواجهة الواقع.
أغلقت خلفه مصحفها بعد انتهائها من القراءة فيه وهي خلفه.
سنة يتبعها معها منذ بداية زواجهما معا
مهما مر عليهما من خلافات أو نشبت بينهما مشاجرات
فمجرد أن يأمرها أن تتوضأ وتأتي خلفه... لا تعصيه أبدا.
وكم كان جميلا وما زال إطفاء نيران الغضب بالوضوء والصلاة معا ثم قراءة القرآن.
صدق على آيات الله الكريمة يتأملها جواره بنظرة رضا وقد اندمجت تتضرع إلى المولى ببعض الأدعية له ولها ولباقي أفراد أسرتها ومن تعرفهم. ثم تمسح بكفيها على وجهها فتنتبه أخيرا على تحديقه بها سائلة
إيه بتبصلي كده وانت ساكت ليه
وأنا من إمتى كنت شبعت بص فيكي أصلا
تبسمت بخجل شديد تنهيه رغم سعادتها الدائمة بغزله
ووه عليك يا منصور لما فجأة تهب عليك بتطلع منك حاجات!
وبارتباك شديد حاولت أن تنزل طرحتها لتقف وتذهب إلا أنه جذبها لتصطدم بجسده يطبق عليها بذراعيه يهمهم مرحا بعد أن وضع المصحف على حامله
إيه يا ست منى يا أم لسان طويل بيكش فجأة مجرد ما أجولك كلمة حلوة بعد العمر ده كله ولساكي بتتكسفي مني
اعترضت تحاول إزاحته عنها بمزاحها كعادتها
وانت هتطلعني بتكسف بالعافية! بعد يا منصور ليدخل حد من العيال يقولوا عليك إيه وانت حاشر أمهم على صدرك كده
جلجل ضاحكا يتحداها
يقولوا اللي يقولوه يا ستي إنتي ملكيش دعوة!
مش أنا اللي حاشرك على صدري!
يجرؤ حد بس يتكلم
ادعت التذمر في محاولة الفكاك منه
يوووه لما تطلب معاك غلاسة! طب افتكر حتى صلاتك ولا القرآن اللي كنت لساك ماسكه في يدك يا شيخ منصور.
تبسم مشددا بذراعه أكثر على ظهرها يرفع وجهها مقابل وجهه
وإيه اللي يمنع بجى مادمت ماسك حلالي ومغضبش ربنا في فعل الحرام ده حتى يبقى حرام عليا أكتم أشواقي اللي محبوسة في صدري دي ناحيتك. ترضيهالي
هذه المرة كانت الضحكة من نصيبها تعلق ساخرة
أشواقك إيه يا منصور كل السنين دي مع بعض ولسه باجي أشواق محبوسة في صدرك
تبسم مرة أخرى ليؤكد على قولها
ولو مر مية سنة ما أظنش أبدا إني أبطل أحبك ولا أشتقلك.
من وجت ما شوفتك أول مرة في الفصل بضفيرتينك وأنا أول مرة أدرس كنت عايز أعمل شخصية بشدتي عشان الكل يحترمني.
كل البنات خافت إلا إنتي الوحيدة اللي كنتي تعارضي ولما أتعصب تقلبيها هزار.
معرفش آخد منك حق ولا باطل.
لا بعاقبك ولا بجدر أمنع نفسي من الضحك على أي جملة تجوليها.
شجلبتي عقلي وخليتيني أحب التدريس عشان أدخل كل يوم الفصل بس أشوفك وأناكف فيكي.
ولما زادت معايا حلفت إني هستنى عليكي لحد ماتكبري لا هبص لغيرك ولا إنتي هتكوني لغيري.
كانت تناظره بحب فالوضع بينهما لا يحتمل استخفافا ولا المزاح الذي تتخذه منهجا في التعامل معه.
هو بالفعل اختارها منذ أن كانت صغيرة بضفيرتين وهي أيضا لم تر أو تعرف من الرجال غيره وإن كانت لا تعرف الطريقة في التعبير مثله
إلا أنها تعلم تمام العلم أن شعورها المتبادل معه... يصله جيدا.
غلبتها عفويتها سائلة تنتشله من شروده وذكريات مضت
طب وبعدين هنفضل كده كتير
صدحت ضحكته العالية مرة أخرىثم رد عليها
لا أنا عارف آخرتها... وانتي كمان عارفة.
قطبت قليلا ثم ما لبثت أن فهمت مغزى كلماته لتحاول الفكاك منه
واه! ده إنت محدد هدفك كمان! جوم يا منصور لحد من العيال يعوز حاجة!
باغتها يرفعها عن الأرض حاملا لها مؤكدا على ما يعتزم عليه
لا والله ما يحصل. العيال وزمانهم ناموا أصلا!
وأنا... ونقضت وضوئي يبجى إيه
إيه
ما جولنا... إنتي عارفة.
تاني عارفة ووه

عليك يا منصووور!
.................... 
الوكل يا عرفان مش ناوي تاجي
أكيد كنت جعان جوي دا غير أكل السجن اللي ما يجوع أكتر ما يشبع اسم الله عليك نجصان النص!
توقف فجأة عن تلويك الطعام بفمه ليحدجها بنظرة غامضة وغير مفهومة أطال بها لدرجة أثارت الريبة داخلها حتى ابتلعت ريقها بتوجس سائلة
بتبصلي كده ليه في حاجة
مصمص طرف أصابعه المدهونة بأثر اللحوم التي كان يلتهمها بشراهة ليرد بما أذهلها
أصلك متغيرة.
تنبهت حواسها وتراقص داخلها الأمل لتلمس شعرها المصبوغ متعشمة بكلمة غزل منه
عندك حق اصلي صابغة شعري جديد عند الحفافة خليتها دارت على وشي وجسمي مخلتش حاجة. حتى رسم تحبي أوريك آها
قالتها لترفع كم ذراعها تظهر الحناء حتى الرسغ ثم في الأمام تنزل حتى آخر نهديها ثم أكثر المناطق إغراء. تطالعه بتفاخر وهو يتأمل كل واحدة منها بصمت حتى ظنت أنها وصلت لغرضها قبل أن يفاجئها بقوله
تعبتي نفسك جوي بس دا كله لمين بجى
تجمدت بصدمة مرددة باستهجان
هيكون لمين يا عرفان هو أنا ليا غيرك عشان أتزوج له دا أنا مستنياك على نار بجالي شهور وما صدقت إنك طلعتلي بالسلامة.
ابتسامة غير مفهومة حلت في زاوية فمه سائلا بهدوء
اشتاجتيلي!
شهقة ملتاعة شقت حلقها تجيب عن سؤاله المختصر في كلمة
اشتاجتلك!... دي كلمة صغيرة جوي عن اللي جوايا يا عرفان دا أنا هموت من شوقي إليك.
أمممم...
زام بفمه متابعا طعامه وهي في انتظار إشارة منه تثلج قلبها فلم يدم صمته سوى لحظات قبل أن يصعقها بفظاظته
غريبة! مع إني لا اشتقت ولا طايقك أصلا.
غص حلقها شاعرة بنصل سكين حاد انغرز في صدرها. لا تصدق كم القسوة التي يتحدث بها دون أدنى إحساس بما يفعل من جرح لكرامتها وأنوثتها. لتجد أخيرا صوتها معبرة عن استيائها
ليه كده يا عرفان ليييه أنا مرتك ولا عدوتك
توقف أخيرا عن طعامه لينهي الحديث والجدال
اعتبري نفسك لا مرتي ولا عدوتي. وكويس جوي إني حاطك في المساحة دي دلوك مش عايز أجلب ولا أخليها ضلمة عشان العيال اللي ما بينا بس لو تفتكري إني نسيت يبجى انتي واهمة. أذيتك ليا ولمرتي دي تروح فيها رقاب.
بدمعة احتبست في عينيها إثر الإهانة التي أصابتها منه دافعت
بس أنا معملتش حاجة لمرتك كل اللي عملته كان عمل بالمحبة. إنما مرض مزيونة فأنا ماليش دخل بيه. ولو عايز الحق يبجى بسببك وبسبب أنانيتك. كلنا كنا عارفين وفاهمين إلا أنت. عشان مبتفكرش غير في نفسك وهواها. وهي كانت صغيرة صغيرة جوي على حمل واحد زيك. أنت مبترحمش ولا بتحس يا عرفان ولا عايز تعترف إن العيب فيك مش فيا. أنا كل اللي عملته في حياتي عشان كنت عشقاك. تعرف معناه إيه الكلمة دي
ضاقت عينيه بحقد وغضب دفين بعد أن غمره الانتشاء بدموعها رافضا تعكير مزاجه أو تصديق ما تدعيه. فزفر أنفاسا حارقة يردف بهدوء مريب
حظك إني مليش غاية أعكر مزاجي وهفوت. لكن كلمة تاني يبجى انتي اللي جبتيه لنفسك...
صمت برهة يحدق بها بناريته يبث الرعب بقلبها حتى تخرس عن أي جدال ويتابع آمرا
انزلي دلوك حضريلي الشقة اللي تحت تنضفيها وتعدليها. كل هدومي وحاجتي تنزل عليها. ومن هنا ورايح ليكي عندي غير مصاريفك انتي وعيالك انتي هنا في شقتك وأنا تحت في شقتي شقة مزيونة وبتي ليلى.
..........................................
أوقف السيارة في المنطقة الفاصلة بين منزلها ومنزله لتلتفت إلى ريان ذلك الصامت منذ أن تحرك بها من المنزل الكبير. وها هو يترجل منها بتجهم يخرج حقيبتين من الملابس له ولطفله جمعهم على عجالة وكأنهم استعداد لرحلة مدرسية. وجهه مظلم بغضب لا تعلم سببه لقد تبدل مزاجه من وقت ظهور عرفان في منزله ضغط على نفسه وتعامل معه بالأصول مضطرا لكن في الآخير تحول إلى هذا الشخص الغريب أمامها.
يتعامل بجفاف حتى مع طفله وهي لا يحدثها كعادته ولا يلتفت نحوها من الأساس. وها هي الآن عليها أن تترجل من السيارة وتترك ذلك الصغير ليبيت معه داخل منزله الجديد الذي لا تعلم إن كان مجهزا ومفروشا أم لا ولماذا العجلة في السكن من الأساس
هتنزل معايا يا ريان أديك من بلح الشام اللي عملاه النهاردة دا هيعجبك جوي.
لا تعلم لماذا عرضت على الطفل ذلك الأمر ربما أشفقت عليه من جنون أبيه وكما توقعت وجدته مرحبا
بلح الشام من يدك إنتي أكيد هيكون أحلى من المعمول كمان يا خالة مزيونة...
ريااااان!
قاطعه والده وهو يلقي بالحقيبة الصغيرة إليه
مش وجت حلو! خش دلوك رتب هدومك في دولاب الأوضة بتاعتنا على ما أركن العربية وأجي وراك.
لم يعارضه الصغير رغم الحزن الذي اعتلى قسماته ليتناول الحقيبة ويسبقه في فتح باب المنزل وتنفيذ ما أمره به. مما استفزها لتعبر عن سخطها
في إيه دا انت ساحب الواد من غير ما تعشيه في بيت جده وحتى الحلو كمان مستكتره عليه! عشان هدمتين يطبجهم في دولابك طب استنى لما تجهزله أوضته حتى!
لا مش هجهز. هو مجبر يبيت معايا على سريري على
ما أجهزله أوضته بالمرة. وإن كان على الوكل متشيليش هم. أنا ممكن أبعت أي حد يجيلي من البيت أي حاجة خفيفة الوكل دا آخر همنا.
يتحدث بحدة تستعجبها وكأنها أخطأت أو أجرمت في حقه
طب وليه دا كله فجأة طب في دماغك تبات الليلة في البيت الجديد إنت والواد وانت لسه مخلصتش ألوانه حتى
بماذا يخبرها تلك الجاحدة التي تجعل نيرانه تستعر وهي في عالم آخر لا يصلها شيء. ليحدق بها بصمت أربكها وكادت أن تتركه لولا أنه لحق سريعا بإجابة جاءت بكلمات ذات مغزى
الألوان كمان مجدور عليها وترتيب البيت وباقي العفش كله ياجي في وقت واحد. المهم إني...
 

 

تم نسخ الرابط