لأجلها بقلم امل نصر

لمحة نيوز

 


مدخل الغرفة بعد أن دلفت إحدى الممرضات من الطاقم الطبي تلفت انتباههم بهتافها
ليلى عرفان الأشقر نتيجة التحاليل ظهرت يا مدام
رد حمزة يسبقهم جميعا في التساؤل
بسرعة لو سمحتي طمنينا!
سمعت منه الفتاة فتبسم ثغرها موجهة أبصارها إلى الحالة المقصودة وزوجها
خير أوي على رأي الدكتور ألف ألف مبروك يا مدام إنت والأستاذ اللي معاكي النتيجة بتقول إنك حامل وفي ست أسابيع
ن ع م!
صاحت بها مزيونة بعدم تصديق وتكذيب لما وصل إلى مسامعها فتضامن معها حمزة الذي تجلت الصدمة في نبرته هو الآخر
إنتي متأكدة إن التحاليل دي بتاعة الحالة اللي هنا اقري كويس رقم الغرفة لو سمحتي!
عبست ملامح الفتاة أمام ترقب الجميع في الغرفة لتصر على قولها بتأكيد لا يقبل الشك
يا أستاذ مش محتاجة أقرأ رقم الغرف اللي حافظاها أكتر من خطوط إيدي! ده غير إني ساحبة العينات بنفسي منها إنتي مش مركزة ولا إيه يا مدام
توجهت بالأخيرة نحو ليلى التي صارت تطالعها بوجوم وكأن الحديث موجه إلى واحدة أخرى ليست هي لتعقب مزيونة التي بدت وكأن الكلمات تترنح معها
دي بتجولك يا مدام ومتأكدة من سحب العينات! يعني الدوخة كان ليها سببها الحقيقي حامل يا ليلى بتي حامل يا معاذ!
التفت رأسها نحو حمزة بعتاب أشد من الرصاص يخترق قلبه
الأمانة اللي جولتلي في عينيا مكملتش تلت أشهر وحبلت بتي حبلى يا حمزة حبلى يا حجة حسنية ح
ولم تكمل باقي كلماتها لتسقط على الأرض فاقدة وعيها هي الأخرى فيتلقاها حمزة هاتفا بجزع
مزيونة!
يا بنت الناس أبوس يدك قوليلي أنا مش كل يوم بتصل بيكي وأسألك عن الحباية حصل ولا ما حصلش
بعقل يكاد أن يهرب منه كان يكرر تساؤله بأكثر من صيغة وكأنها لا تعي جيدا صحة الإجابة والتي كانت تكررها هي الأخرى ببكاء يقطع نياط قلبه حتى باتت تؤكد عليه بالقسم
والله العظيم والله العظيم ما في يوم واحد فوت! ده أنا عملالها منبه مخصوص قبل ميعاد اتصالك يعني مفيش مرة كدبت عليك فيها
هتف وهو ينفض ملابسه بتشتت وضجر ردا عليها
أمال ده حصل إزاي بس!
صاحت به والدته توبخه
خبر إيه يا واض ما تهدى شوية على البنية! دي فيها اللي مكفيها! مش كفاية خلعتها على أمها ولا التعب الجديد عليها حملك كمان عشان تزود عليها!
سمعت ليلى منها ليزداد نشيجها المتقطع فسارعت حسنية بالتلطيف بعد أن شعرت بهفوتها في ذكر أمر الحمل
يووه يا بتي ما جصدتش والله! أنا كأني بخربط ولا إيه سامحيني
أغمض معاذ عينيه بتعب

يشد على شعر رأسه إلى الخلف مهمهما بصوت مهزوم
هي تسامحك طب وأنا مين يسامحني من أول جوازي وأنا بعمل المستحيل عشان أوفي بوعدي قدام أمها وجدامك وجدام حمزة حمزة اللي أول مرة أشوف في عينيه نظرة واعرة! نظرة واحد خاب أمله فيا طب ليه ده يحصل وأنا ممشيها بالقلم والمسطرة وهي بتحلف ما أخلفتش ولا بتكدب
أيوة والله ما بكدب صح! ومستعدة أحلف على المصحف ولا من غير حلفان إحنا نحسب كام شريط وكام برشامة اتاخدوا بعدد الأيام عشان تعرفوا إن كان كلامي صح ولا تأليف! ثم كمان ليه يحصل وأنا أكتر واحدة مضرورة وهشيل هم فوق طاقتي ولا ناسي
قالتها وانطلقت في  حسنية ببكاء مرير حتى غص قلبه حرقة عليها ليسقط بجوارها على الفراش من الناحية الأخرى يسحبها من الأمان مطمئنا
عمرك ما هتشيلي هم وأنا جمبك وإن كانت خيبت منينا المرة دي برضو المشوار مستمر ومش هنوجف غير بانتصار كامل
خارج الغرفة كان خليفة مستندا بذراعيه على الحائط بحيرة تأكل رأسه لا يدري ماذا يفعل بعد أن انقسم أفراد أسرته إلى فريقين فريق مع الصغيرة في الداخل والفريق الآخر مع والدتها في غرفة قريبة منها وكان نصيبه الوقوف الآن في الوسط مع هالة التي تفتح علب البسكويت التي أتت بها من مقهي المشفى واحدة تلو الأخرى وتتناول وتمضغ دون حرج أو خجل حتى فاض به منها ومن قلة ذوقها في الأكل بنهم دون مراعاة لهيئتها أمام البشر الذين يمرون أمامهم ليقترب منها محذرا من بين أسنانه
خلي عندك دم شوية الناس رايحة جاية تبص عليكي ده غير إن الموقف نفسه ما يتحملش ولا إنت مش واخدة بالك
تقلصت ملامحها بضيق ساخرة
لا مش واخدة بالي يا أستاذ خليفة! هو إيه اللي حصل يعني عشان أتعكنن ولا أمنع على نفسي الوكل واحدة حبلى وبتتجلع وأمها بتتمحك عشان تبين نفسها يعني مش عيا ولا تعب عشان نزعل عليهم! دي أمور حريم يا حبيبي بلا فقع مرارة!
رد خلفها بدهشة سرعان ما تداركها لمعرفته الواثقة بشخصيتها
أمور حريم تصدجي يا هالة أنا مش مستغرب! هو إنتي من إمتى أصلا كنتي بتحسي ولا تفهمي عشان أعتب عليكي ده أكيد غباء مني إني ظنيت لوهلة كده إن المعجزة دي تحصل!
توقف فمها عن المضغ بصدمة تناظر ابتعاده عنها لا تصدق فحوى الكلمات التي خرجت منه ولكن لم العجب فهذا خليفة ابن عمها وزوجها الذي لم تفهمه أبدا
تحولت أبصارها فجأة نحو الجهة التي تطل من خلفها بعد أن احتل الإجفال معالمه لتفاجأ به يستقبل تلك التي قدمت عليهم بدون استئذان
روان إنتي إيه اللي جايبك هنا
تحدثت المذكورة بلهفة امتزجت بالخوف
أنا جاية على ملا وشي عشان أطمن يا خليفة! ريان كنت بكلمه في التليفون من شوية وقالي إنكم كلكم في المستشفى من غير ما يعرف أي تفاصيل يطمني بيها! خير لتكون ماما حسنية جرالها حاجة
كادت هالة أن تجيبها ولكن آخر ما استوعبته هو سماع تلك الجملة التي تكرهها كرها شديدا ماما حسنية فتعطي فرصة لخليفة عن غير قصد ليسارع لطمأنة تلك المائعة في نظرها
ألف بعد الشر عليها يا روان الموضوع ما يخصهاش أصلا مرات معاذ داخت ووجعت منينا وده اللي خلانا نيجي بيها على المستشفى
العروسة الصغيرة مالها
هب الحماس بهالة لتسبق زوجها في الإجابة هذه المرة
طلعت حبلى يا حبيبتي
أغمض خليفة عينيه يتنفس بغضب قبل أن يوجه أبصاره نحوها بعد أن جذبت اهتمام الأخرى وسحبتها للحديث معها
يا ما شاء الله بسرعة كده ما أفتكرش إن العرسان كملوا التلات شهور في جوازهم ألف ألف مبروك أكيد الحجة حسنية الفرحة مش سيعاها دلوقتي
ضحكت هالة تضاعف من حنق زوجها بردها عليها
لا يا حبيبتي مكملوش تعالي اجعدي جنبي بدل وجفتك دي وأنا أعرفك الحجة حسنية فرحانة إزاي دلوك
تقبلت روان دعوتها بترحيب واقتربت لتجلس بجوارها فأخذتها هالة في وصلة من الحديث وكأنها أصبحت حبيبتها وخليفة يقتله الصمت لا هو قادر علي إبعاد الاثنتين ولا علي غلق فم امرأته التي لا يجد لها حلا
أمسكها كيف أنا خايفة منها
ليه بس يا بنيتي دي ضناكي خليها تشم ريحتك عشان تعرفك رضعيها دي جعانة
كيف وأنا مش عارفة أمسكها أصلا كيف وأنا خايفة منها خدوها مني أنا تعبانة ومش قادرة حتى أجعد على سريري مش مالكة حتى أرفع صباعي هربيها كيف دي هربيها كيييف
استفاقت لوعيها بدمعة تحرق عينيها والذكريات السوداء تجتمع لتعيدها إلى أرض الواقع المؤسف بعد أن استراح عقلها قليلا في تلك الغيبوبة التي صنعها لنفسه ليعود الآن بقسوة يمررها أمام عينيها كشريط سينمائي ويا ليتها توقفت عند هذا الحد بل المفزع هو الاحتمال الأكبر أن تتكرر المأساة مع صغيرتها وتمر هي الأخرى بكل ما مرت به
مزيونة إنت فوقتي أخيراحمد الله على سلامتك يا غالية
هتفت منى تغلق مصحفها بعد أن انتبهت لها وكانت على الكرسي المجاور لسريرها تراعيها وتقرأ القرآن صوتها لفت انتباه شقيقها الذي كان واقفا بجوار النافذة في انتظار استفاقتها هو الآخر ليهرول إليها سريعا بلهفته
خلعتي جلبي يا مزيونة عليكي بس المهم إنك فوقتي الحمد لله
التفت رأسها إليه بحدة تعلق على كلماته
ياريت كنت أروح فيها وارتاح خالص بس للأسف بتي هسيبها لمين خصوصا بعد الشيلة اللي اتبلت بيها دلوك
عارضتها منى تنبهها
استغفر الله العظيم ما تجوليش كده الأطفال دول رزق وإن كان ربنا عجل بيهم أكيد له حكمة
نظرتها كانت بألف كلمة حين وجهتها إليها بصمت قبل أن تذهب ببصرها لذاك الذي وثقت فيه وتعشمت به حتى سلمته ابنتها أمانة فجاء الخذلان منه باكرا باكرا جدا
بلاش اللومة اللي شايفها في عنيكي دي يا مزيونة أنا زيي زيك مصدوم ده غير إني مهما كانت سلطتي لا يمكن هوصل لخصوصيات الراجل مع مرته
لم تكلف نفسها عناء الرد عليه بل زادت تعنتا حين أزاحت أبصارها عنه تطلق تنهيدة من عمق صدرها الموجوع وتلتف برأسها تجاه الأمام في تجاهل يحول قلبه إلى شظايا متناثرة حتى زفر هو الآخر ردا لها يخرج من صدره دفعة ساخنة من رماد حريقه الداخلي
قبل أن يتوجه بأمر لشقيقته
منى اطلعي انتي برا وسبيني معاها شوية
سمعت منه وبرقت أبصارها نحوه باعتراض لم يكترث له ليعيد عليها مشددا
اطلعي بقولك يا منى إحنا مش صغيرين إحنا ناس كبار ما يتخافش علينا
جاء الاعتراض هذه المرة من مزيونة التي لم تستوعب الموقف إلا مؤخرا لتتوجه برفض واضح
اجعدي يا منى ولو هتجومي وتسيبي الأوضة يبقى مش لوحدك
ضاقت عينيه بتوعد بعد تصريحها الأخير والذي يماثل الطرد حتى منى اجفلت لتنهض دون انتظار متحمحمة بحرج
لا طب حيث كده يبجى أقوم أشوف منصور كان اتصل من شوية وقال إنه جاي يلا بينا يا حمزة
روحي لوحدك يا منى
صاح بها بقوة وتحد كامل لتضطر الأخري أن تتحرك للذهاب متمتمة بقلة حيلة
إنتوا أحرار أنا ماشية
كادت مزيونة أن تنادي عليها لتعيدها شاعرة بالخطأ نحوها

الأمر الذي جعلها تعتدل بجذعها بتحفز هاتفة إليه بسخط
أما عجايب والله! يعني اللي عايزاها تجعد تمشي وحضرتك ال تجعد! مش شايف إنها فرطت منك! ده إنت ولا أكن ليك حق لازم معايا حمزة يا قناوي لم الدور لا إنت معاذ المجنون ولا أنا ليلى العيلة الصغيرة اللي تلف عقلها وتضحك عليها!
رغم حدتها رغم صلفها معه وإصرارها على تحميله المسؤولية إلا أنه لا ينكر إعجابه بشراستها تلك التي تزيده تمسكا بها وقد تسرب إلى قلبه نوع من الارتياح ليعلق بهدوء يغيظها
إن كان على معاذ فأنا أجن منه وإن كان على ليلى فأنتي في نظري أصغر منها ده غير إنك أحلى منها طبعا
بطل كلامك البارد ده يا حمزة!
صاحت بها بعنف تنهاه وقد تحول وجهها إلى الأحمر القاني وبرقت عيناها الجميلتان نحوه بصورة كادت أن تدخل في قلبه التسلية لكن الوضع لا يتحمل
بس أنا مجولتش غير الحقيقة يا مزيونة واللي في جلبي من ناحيتك لسه ما طلعتش حتى واحد في المية منه إنت مش عايزة تسمعي أديكي عذرك دلوك لكن مش قابلاه مظنش
ازدادت حدة أنفاسها والغضب يعصف بها لدرجة تجعلها تريد جرحه بكل الطرق حتى تنتقم منه ومن نفسها
تاني برضو بتفسر كل حاجة على هواك بس الغلط عليا أنا عشان وافجت على المهزلة دي وخدني العشم إنك تبجى كد وعدك ليا!
رد بجدية لا تقبل الشك
مكنش عشم يا مزيونة ده كان اختبار حطيتيه من غير ما تدري ثقتك في محلها لكن مافيش طريق في الدنيا بييجي سالك مية في المية لازم بيجابلنا عثرات ومعوقات مش حسبينلها لكن في النهاية برضو هنوصل وأنا هنا أجصدها شاملة شاملة يا مزيونة
وأشار بسبابته والوسطى في الأخيرة يلوح بهما نحو صدره وعليها الأمر الذي جعلها تنهض مستنفرة
تاني هتخرف وتصنع أوهام أنا قايمة وانت عيش في أحلامك!
تركها تتخطاه وتذهب وتوقف في إثرها لحظات يتبعها بعينيه مؤكدا
وماله! ما هي كل حاجة حلوة حصلت كان أولها حلم برضو وأنا قصتي معاكي حقيقة مش حلم يا مزيونة
خارج المشفى وعلى مقاعد الاستراحة جلست مع زوجها الذي غلبه الغضب حتى منعه عن فعل الواجب مع نسائبه بعد أن أخبرته زوجته بذلك الأمر المفاجئ ليعبر لها الآن عن استيائه
أكيد الأمر كان فيه إهمال أخوكي كان لازم يحرص أكتر وأنا اللي وثقت في معاذ وجولت إنه راجل وهيبقى قد كلمته يقوم يخيب ظني وبالسرعة دي طب يستنى على ما تدخل الكلية حتى!
تنهدت من العمق بأسى قائلة بثقل
أهو اللي حصل عاد يا منصور كل حاجة كانت ماشية تمام وعلى الساعة كلنا كنا بنحاول وأمي نفسها كانت أكتر واحدة فينا محرسة لكن أهو أمر ربنا
أمر ربنا برضو
تمتم بها بخفوت لا يخلو من شك لم تتقبله زوجته لتدافع عن يقين ترسخ داخلها
لا يا منصور ميبجاش تفكيرك مش صح كده في معاذ هو مندفع ومجنون اه بس عمره ما يخلف وعده لو ما كانش ناوي ينفذ كلامه ما كانش لزم نفسه بالشروط دي أصلا وليلى نفسها بتحلف إنها ما فوتت يوم واحد من غير ما تاخد الحباية بس بجي والله ما أنا عارفة!
كان يعلم داخليا أنه لا يحتاج لإثبات لكن الغضب أعمى بصيرته ودفعه للهذيان ليردد خلفها باستفسار
مش عارفة إيه بالضبط
توقفت تنظر له بتشتت وعقلها يدور في كل الاتجاهات حول تلك المشكلة التي لم تكن بالحسبان حتى انتبهت فجأة لظل صاحب الجسد الضخم يمر أمامها في اتجاه مدخل المشفى فانتفضت واقفة بهلع
يا وجعة طين جوم معايا يا منصور!
أجوم معاكي فين
تشتت عقلها في البداية عن ذكر السبب الحقيقي ثم ضجرت وهي تسحبه من كفه على عجل
وده وجت أسئلة اخلص يا منصور بعدين أفهمك
استجاب لسحبها له على مضض يرافقها في العودة إلى المشفى غير مدرك أن عقلها يدور كطاحونة فقد تركت شقيقها وحده مع مزيونة وذلك الثور زوجها لا تعرف ما الذي أتى به الآن!
ومن

في العالم يستحق التضحية سوى ابنتي حتى لو أخطأت في حقي وفي حق نفسها أنا أيضا لن أتركها
دلفت إلى داخل الغرفة التي لم تغادرها صغيرتها بعد وكأنها كانت في انتظارها فتلقت قدومها بلهفة ورجاء شعر به زوجها فنهض ليترك لهما المجال للقرب انضم إلى والدته التي احتلت مقعد الزوار تتابع اللقاء بين الأثنتين وفمها لايتوقف عن التسبيح علي المسبحة التي لا تفارق أناملها
تحركت مزيونة استجابة لنداء النظرات لتقترب بخطوات هادئة حتى جلست على طرف الفراش بصمت كم ودت توبيخها أو حتى تذكيرها بالوعد الذي قطعته معها ثم ها هي الآن تنقضه من أول جولة! ثم إنها لم تصل بعد لمنطقة آمنة تسمح لها بالتهاون
لكن ماذا تفيد العظة الآن! وقد وقعت في المحظور ولا حل سوى أن تأخذ بيدها كالعادة لتوصلها إلى بر الأمان
وبلا كلمة  إلى  تهون عليها وعلى نفسها بدفء لا يعلمه إلا سواهما
تلقت ليلى عناقها كطوق نجاة لغريق تخطفه الأمواج فتشبثت بها بقوة لتلتمس منها الأمان وتهمهم بنحيب خافت
أنا ما جصرتش يا أمي والله ما جصرت!
كل حاجة كانت ماشية تمام
السعادة اللي كنت بحلم بيها مع الإنسان اللي بحبه
والتفوق الدراسي
لكن ده!
ده والله ما أعرف حصل إزاي!
تنهدت مزيونة واكتفت بالصمت والعناق فلا جدوى من الجدال الآن
خيم الهدوء على الغرفة لا يسمع إلا صوت الأنفاس حتى قطعه ذلك الضجيج المرتفع القادم من الخارج تبعه دفع باب الغرفة من آخر شخص تمنت ألا تراه الآن!
قبل ذلك بقليل
كان عرفان يتجول داخل أروقة المشفى يبحث عن رقم الغرفة الذي أخبرته به موظفة الاستقبال في القسم الذي وصله بصعوبة حتى اطمأن لوجهته فور أن وقعت عيناه على خليفة لم ينتبه له الأخير لانشغاله بمتابعة الحديث العجيب بين زوجته وزوجة شقيقه السابقة تلك الصداقة التي لا تدخل عقله أبدا
حتى جاءه صوت عرفان يفيقه من شروده
إيه اللي جرا للبت عشان تنقلوها هنا يا خليفة
أنتظر الأخير لبرهه يتأمل قدومه بدهشة ثم استنكر استفساره المتحفز ليرد عليه بإستنكار
يعني هيكون فيها إيه يا عرفان تعب عادي زي أي تعب بس إحنا قلوبنا خفيفة وبنحب نطمن من كل ناحية
رد عرفان بنبرة تشكك واضحة ليزيد من إستفزازه
تعب عادي تجوموا تجروا بيها على المستشفى الكبيرة دي طب ما الوحدة الصحية جاعدة أو أي دكتور مخصوص يجيلها على البيت!
البت مالها يا خليفة أنا عايز أشوفها وأطمن عليها بنفسي
تدخلت هالة بدورها تدعم زوجها وتزيد من إشتعال الموقف
ما قالك تعب عادي يا عمنا يعني دي جزاتنا إننا خوفنا عليها
خوفتوا عليها! يعني الموضوع واعر علي كده!
أسرع خليفة يصحح له
يا عم أنت كمان ولا واعر ولا حاجة ثم إنت إيه جابك عرفت منين إننا هنا
رد عرفان وقد ارتفع حاجبه بحدة
أنا كنت رايح أسأل عليها في بيتكم وعيالكم خبروني إنها وجعت في الجنينة قدامكم وما حطتش منطج
بعد ما جوزها وصل أنا عايز أعرف ولدكم عمل فيها إيه
ظهر الغضب جليا على وجه خليفة رافضا اتهامه الباطل لشقيقه وكاد يرد عليه ردا يلقنه فيه درسا عن كيفية معاملة

الشرفاء أمثالهم لولا تدخل زوجته للمرة الثانية لتضحض كل شئ بدعم من روان هي الأخري
وهو لحق يعمل معاها حاجة!
بتك تعبت لسبب إنت هتفرحله جوي
ليلى وجعت من طولها عشان حامل
شفت بجى الخبر الحلو اللي ما جدرتش تصبر عليه!
حاااامل!
نطقها عرفان بعدم تصديق لتؤكد روان التي شعرت أنها يجب أن تتدخل هي الأخري
أيوه طبعا الحمل يعمل أكتر من كده بس كويس إن جوزها لحقها عشان تراعوها بقى من دلوقتي
حامل ونراعيها!
تمتم بالكلمات ثم اتجه نحو خليفة الذي زفر بضجر يلتف عنهم بملامح ضيق متعاظم يكبح نفسه بصعوبة من الانفجار في وجه هاتين الغبيتين بفعلتهما التي ستكلفه وإخوته الكثير والكثير من قلة الراحة
أما عرفان فقد التمعت عيناه ببريق المنتصر
كاد أن ينفضح أمره وصورة طليقته تطل أمامه بوضوح
لا يريد شيئا سوى رؤيتها الآن وهي يوما بعد يوم تخسر بعد طلاقها منه لنفس الأسباب التي يعرفها
لكنه تمالك نفسه بسرعة مسيطرا على انفعالاته وقال بنبرة درامية
طب هي فين دلوك
أنا عايز أشوف بتي أكيد جاعدة في الأوضة دي
بعدوا من وشي خلوني أشوفها!
حاول خليفة منعه قليلا حتى يمهل من في الداخل لاستيعاب حضوره
طب استنى طيب أديهم خبر بس
تدي خبر لمين
أنا أبوها!
بعدوا من وشي!
صاح بها ثم دفع باب الغرفة يطل بجسده الضخم يوزع أبصاره على الوجوه المذهولة من حضوره حتى استقرت نظرته على طليقته
يرمقها بنظرة فهمت عليها جيدا تزيد من وجعها بتلك الشماتة التي لن تغفل عنها أبدا
ألف سلامة عليكي يا بتي أبوكي وصل وحضر علشانك!
دخل خليفة بعده ينظر إلى شقيقه ووالدته بأسف وقلة حيلة تتبعه زوجته هالة وروان التي هرعت نحو حسنية بلهفة لتلتقي بها
أما معاذ
فقد تجاهل الجميع متجها نحو ليلى التي تجلت الصدمة في ملامحها وهي تتلقى أول عناق من والدها بحنان غريب عنه
حتي أصابها الخرس وتجمدت بين يديه ليتولي معاذ الحديث
منور يا عمي بس ليلى زينة زي ما انت شايف جدامك أهوه يعني مفيش داعي للقلق
مفيش داعي للقلق!
وإنت كمان ليك عين تتكلم بعد ما خالفت الشروط وحبلتها في أقل من تلات تشهر هو دا وفاءك للوعد!
فين اللي لجح واتريق عليا ولا إيه رأيك يا ست مزيونة
البت اللي اطلجتي مخصوص عشان تعليمها عملتي إيه انتي يخالف اللي كنت هعمله أنا
أغمضت عينيها تلتقط أنفاسها بثقل تزيح بصرها عنه بقهر تنتظر المزيد والمزيد من الشماتة حتى قطع السكون صوت قوي وصاحبه الذي ولج فجأة إلى داخل الغرفة
حل عن مزيونة وخلي كلامك معايا أنا وانت إيه دخلك أصلا بالشروط ولا الاتفاق
انتفض عرفان بأعين يطير منها الشرر يقابل غريمه بشر مطلق واسم مزيونة دون ألقاب أشعل رأسه قبل الإهانة
مزيونة حاف مالك يا نسيب!
ولا هو عشان عجدتوا على البت وأنا في السجن ظلم يبجى خلاص اشتريتوا البت وأمها وتعملوا ما بدالكم
لأ اصحوا البت وأمها من سبع يهد بدل الحيطة عشرة بدراع واحد جدامكم ولا بسلامتكم مش شايفين
انتفض باقي الأفراد وتحفز الجميع لمتابعة الشجار أو التدخل كما حدث من حسنية التي حاولت بتعقل
صلي على النبي يا أبو ليلى حمزة ماجصدش يغلط فيك هو بس بيرد عليك لما لقاك ابتديت بالعراك من غير سبب أصلا
الحمل دا رزق ربنا والبت ما طلعتش من علامها لا سمح الله عشان تتهمنا بلحس الوعود
دعمتها ليلى برجاء نحو والدها
أيوه يا بوي والله جات كده من عند ربنا معاذ ربنا يخليه مش مجصر معايا
جوليلو يا ليلى عشان يعرف إن مش كل الناس زيه!
صدحت من حمزة بقوة اهتزت لها الأبدان ليوجه عرفان حديثه بسخرية نحو تلك التي ظلت علي وضعها صامتة
ما تتكلمي يا ست مزيونة وجولي لادد عليكي اللي بيحصل ده
الناس اللي حطيتي عشمك فيهم نصروكي دلوك
همت أن تقطع صمتها برد مفحم بعد أن استفزها بطريقته الملتوية في الحديث لكن حمزة سبقها بحمائية تثير التعجب من هاتين المراقبتين في إحدى جوانب الغرفة
جولتلك ملكش دعوة بمزيونة كلامك معانا لو عايز تتعارك شد حيلك وورينا مرجلتك
دعوة كانت صريحة بالشجار من حمزة الذي فتح صدره استعدادا لها وتلقفها عرفان بترحيب شديد واضعا في رأسه أن هذا وقت أخذ ثأره القديم لكن صرخة أوقفت تحفزهم وسبقت الجميع الذين أصابهم الهلع بمحاولات مبكرة لإثنائهم
خلاااص! فضوووها!
لا مزيونة مش مستنية اللي يدافع عنها ولا بتها سابت التعليم من أساسه
حبلت بجي محبلتش! أنا شرطي واضح من الأول تسيب ولا تسيب تعليمها تمام
عادت توجهها لمعاذ الذي وافقها دون جدال
تمام كده يا جوز بنتي
تمام يا خالة مزيونة وأنا إن كان فرطت مني المرة دي وعد ودين عليا ما تتكررش تاني
راجل يا ولدي
تمتمت بها حسنية في تعقيب عليه ثم توجهت إلى البقية مضيفة على قول مزيونة
كده بجى نتعوذ من الشيطان ونمشي كلنا مادام اطمنا على ليلى
نطلع كلنا بجى من الأوضة عشان البت تغير هدمتها مع أمها قبل ما نروح بيها
وتابعت تدفع كل فرد منهم بيدها تنادي بأسمائهم
يلا يا خليفة يلا يا معاذ يلا يا هالة إنتي وروان يلا يا حمزةةة
في الأخير كانت تدفع بكل قوتها دون فائدة وكأنها تزيح جرارا زراعيا لتتوجه إلى عرفان مشيرة بيدها على حذر
يلا يا عرفان يا ولدي أديك شايف كلهم بيطلعوا
سمع منها لينفض جلبابه بحنق شديد مقررا الذهاب على الفور بعد أن تلقى صفعة أخرى منها فيغادر ساحبا شياطينه معه ليستجيب أخيرا حمزة لمحاولات والدته يرمق ليلى بنظرة مطمئنة قبل أن ترسو أبصاره على والدتها فلم يرفع عينيه عنها إلا بعد إخراجه من الغرفة وغلق الباب بوجهه بفضل حسنية التي خرجت خلفه فتجد ابنتها أمامها تتلقفها بلهفة
إيه الأخبار يا ما أخيرا هديت
طالعتها حسنية بدهشة سائلة
وانتي كنتي فين يا مخفية وسبتيني
أجابتها منى بنبرة مطمئنة إلى حد ما
أنا كنت بره مع جوزي لما دخل عرفان شوفته لما وصل هنا
حمدت ربنا إنه ما عملش نصيبة وكويس جوي إنها رسيت على عركة في أوضة ليلى
تمتمت الأخيرة بما يشبه الهذيان لتعلق والدتها بعدم فهم فلم يصلها ما ترنو إليه ابنتها
أمال كنتي مستنياهم يعني يتعاركوا في ساحة انتي فين جوزك أصلا
أشارت لها بذقنها نحو الجهة التي اجتمع فيها الثلاثة أشقاء من زوجها الذي كان يستفسر منهم عما حدث في انتظار خروج ليلى ومزيونة ثم عادت إلى والدتها سائلة بهمس وحرص
إيه اللي جاب روان دلوك ولمها على هالة
تقلصت ملامح المرأة بقلة حيلة تخبرها أنها لا تعلم شيئا
أما عند هالة فكانت تغلي داخلها مما حدث منذ لحظات أمامها حتى استفز الأمر تلك المدعوة روان هي الأخرى لتعبر عن دهشتها الشديدة قائلة
هو إيه اللي يخلي حمزة يدافع عن والدة ليلى بالشكل ده! هي لدرجادي معزتها كبيرة في العيلة عندكم
رددت خلفها ساخرة
معزتها كبيرة عندنا دا انت شكلك طيبة جوي يا روان ولسه مفهمتيش الست البلوة اللي جوا دي
سألتها الأخيرة بتوجس
قصدك إيه
تبسمت بمكر وقد وصلت إلى ما تبتغيه قائلة
هجولك يا روان واشرحلك كل
حاجة بس تعالي جنب عشان ناخد راحتنا في الكلام
وفي داخل الغرفة
كانت تلف لها الحجاب ورأسها يدور بلا هوادة غير منتبهة لنظرات ابنتها التي تحولت إلى تلميح صريح بعد ذلك
عمي حمزة كان زي الأسد النهاردة أول مرة أشوفه متعصب كده
فهمت مزيونة ما تقصده ولكنها كالعادة تأبى أن تظهر ما بداخلها رغم المشاعر التي تجتاحها من الداخل وتزلزل ثوابتها بقوة
عشان أبوكي عفش وما لهوش غير الشدة على العموم خلينا في موضوعنا أنا مش هسألك دلوك وهسيبك ترتاحي
بس عايزاكي لو افتكرتي تجوليلي
أقولك عن إيه
ردت مزيونة وهي ترفع باقي متعلقاتها وحقيبة اليد الخاصة بها
عن موضوع الحبوب والحمل يا ليلى ولا انتي نسيتي
يتبع
الفصل السادس والعشرون
هي لا تعرف إن كان ما تشعر به حبا
أم ضعفا أم مجرد ارتباك كلما نظرت في عينيه.
تتهرب من المواجهة
وتقنع نفسها بأن الصد حكمة
وأن الهروب قوة وأن تجاهله نجاة.
لكن الحقيقة
أن قلبها ما عاد يطمئن إلا حين تراه
وأن صوته يطرق بابا خفيا في صدرها
بابا لا تملك له مفتاحا ولا تجرؤ حتى على الاعتراف بوجوده.
أما هو
فكأنه يراها من الداخل من حيث لا ترى هي نفسها.
يعرف ما تخفيه خلف الكبرياء
يعرف أن عيونها تنكر لكن قلبها يهتف باسمه في الخفاء.
هو لا يحتاج تأكيدا ولا ينتظر إذنا.
هو فقط موقن.
موقن بأنها له
وأنه ولد ليتحدى عنادها
وليبقى حتى تدرك هي ما أدركه منذ اللحظة الأولى.
الخاطرة والمراجعة لحبيبتي بطوط سنا الفردوس
الفصل السادس والعشرون
ركضت كثيرا حتى تعبت حاولت مرارا الوصول إلى هدفها باستماتة وفي النهاية سلمت أمرها.
فما الذي ستجنيه من خوض حرب لم تعد تخصها الآن فلتهون على نفسها قليلا وتترك الأمور تسير كما أرادها القدر.
لكنها رغم ذلك لن تتوقف عن المساعدة أبدا.
كان الوقت بعد العصر بقليل حين أبصرها من جلسته على الأريكة المواجهة مباشرة لمنزلها تخرج منه مائلة برأسها عن قصد بافتعال مقصود حتى لا تلتقي نظراتها به.
وعلى قدر ما يستفزه فعلها على قدر ما يثير بداخله التسلية.
منذ آخر مواجهة بينهما في المشفى وهي تتجنبه تهرب منه بقدر استطاعتها وهو يتصيد الفرص ليتحدث إليها يحاصرها بكل الطرق ولا يترك لها فرصة للابتعاد عن عينيه كما يحدث الآن.
فبدون أن تخبره يعلم أنها ذاهبة إلى المنزل الكبير والدرس الأول لابنتها من قبل تلك المدعوة اعتماد بعد أن نسق هو مع زوج شقيقته كي تساعد تلك المرأة ليلى فتكفيها عن الذهاب والمجيء المتعب إلى مجموعات الدروس.
تسابق خطواتها الريح في الذهاب وهو يتبعها بابتسامة عابثة حتى اختفت من أمام عينيه ليعلق بمرح 
فري واهربي على كيفك يا مزيونة... يعني هتروحي مني فين
...........................
أما عنها فقد هدأت وتيرة أنفاسها قليلا بعد أن وصلت إلى الجسر الخلفي لمنزلها واستقلت إحدى السيارات لتأخذها إلى الجزء الغربي من البلدة حيث منزل ابنتها.
ليتها تملك سيارة تحت يدها تمكنها من الذهاب دون هذا الجهد مثل ذلك المغرور جارها الوحيد ومتعبها!
هذا الرجل وكأن
الزمان سلطه عليها خصيصا ليقل راحتها...
نعم لا جدال في ذلك يكفي وقاحته وثقته الزائدة بأنها تبادله تلك المشاعر الحمقاء!
هل كانت مجنونة لتفعل
أصبح يستولي على عقلها لا تنكر تحدث معها أشياء غريبة كخفقات القلب المتسارعة والتوتر الذي تسيطر عليه بصعوبة والارتباك...
كل ذلك بالتأكيد نتيجة أفعاله في فرض نفسه عليها.
ليته يتركها في حالها ويرحمها...
هي ليست ندا له ولا حتى أهلا للارتباط برجل مثله متعلم ومنفتح على الحياة أما هي فقد سلمت منذ سنوات طويلة لقدرها حطام امرأة لا تصلح لشيء شاخ قلبها وأصابه العجز حتى وإن خالف رقم عمرها في البطاقة هذا الشعور.
لم يتبق لها في الحياة سوى زرعتها الصغيرة التي تجاهد من أجلها رغم الخذلان الذي يصيبها منها أحيانا لكنها لن تتوقف حتى تصل بها إلى بر الأمان.
وعلى ذكر الأخيرة توقفت السيارة لتضم عددا من الأفراد في طريقها وكانت من بينهم تلك المدعوة اعتماد التي استقلت المقعد المجاور لها بتأفف وضجر بعد أن دفعتها إحدى النساء أثناء صعودها قائلة 
استغفر الله العظيم يا رب مش تفتحي يا ست
لمؤاخذة يا بنيتي ما خدتش بالي.
ما خدتيش بالك ولا مسروعة تسبجي اللي وراكي هي الدنيا هتطير
هتفت بها إعتماد بصوت عال أصاب مزيونة بالحرج فقرصتها بخفة على يدها تبرق لها بعينيها في تحذير حتى تنتبه لكن ذلك استفز اعتماد ليعلو صوتها أكثر 
بتتجرصي على إيدي وتبحلجيلي بعيونك ليه غلطت أنا يعني ولا غلطت
اصفر وجه مزيونة حين لاحظت عيون الركاب وقد التفتت نحوها في انتظار ردها على تلك المجنونة التي لم تكترث لأي منهم.
لتجد نفسها تحصد نتيجة فعلتها الخفيفة التي كانت تقصد بها تهدئة الموقف فارتد الأمر عليها.
تمنت في تلك اللحظة لو اختفت أو تبخرت فلم تملك إلا أن التفتت نحو النافذة المجاورة تهمس في حزن يكاد يصل للبكاء 
منك لله يا اعتماد...
...............................
أما داخل شقة الزوجين الصغيرين فقد تولى مهمة المراجعة مع زوجته حتى تأتي تلك المرأة.
منذ أسبوعان تقريبا ولم يذهب إلى عمله بعد فمنذ معرفتهما بأمر الحمل وقلبه لا يطاوعه على تركها.
يتحمل المسؤولية كاملة في رعايتها ودعمها رغم كل ما يتلقاه من مساعدة من باقي أفراد العائلة ومع ذلك يشعر بالتقصير وتأنيب الضمير كلما رآها متعبة ومجهدة.
لدرجة أنه يندم أحيانا على الاستعجال في زواجه بها لكنه يتراجع سريعا مذكرا نفسه بالسعادة التي يحياها بقربها ليشحذ همته مصمما على إنجاح زواجهما على أكمل وجه مع وجود الرابط القوي الآن وهو طفلهما القادم الذي سيرسخ العلاقة بينهما أكثر وأكثر.
ما كفاية بجى يا معاذ ولا انت ناسي إن لسه دوري مع أبلة اعتماد دي بتهلكني أصلا!
قالت ليلى ليردد خلفها بضجر 
ألف بعد الشر عليكي من الهلكان والفرهدة خلاص نغيرها خالص المحزونة دي ونشوف غيرها.
عارضته ليلى بعتاب 
لا يا معاذ ما توصلش لكده حرام عليك. وبعدين هي ممتازة وسادة معايا في كله ما شاء الله عليها حتى في اللغات.
رد معاذ متعجبا 
ما انتي اللي بتشتكي منها ولا نسيتي
لا ما نسيتش بس دي لحظات بتعدي وتتنسي. دي طيبة جدا بس عصبية جوي وأكيد عنديها أسبابها.
أسباب إيه يا شيخة بس دا أنا بخاف منها! الولية كل ما تشوفني تظغرلي بعنيها وكأن بيني وبينها طار جديم.
تمتم بها جادا حتي جعلها تضحك ساخرة 
يالهوي يا معاذ على شكلك وانت بتتكلم عنها! بس هي طارها مع كل الرجالة مش إنت بس. مسكينة ما شافتش من صنفكم غير كل خسة.
أثارت فضوله بتصريحها ليسألها بإستفسار 
يخرب بيت تعبيرك وانتي بتعممي بس أنا معرفش قصتها. كل اللي أعرفه إنها واحدة مكشرة وخلاص.
تنهدت بأسى تخبره 
ماهي قصتها طويلة جوي والشرح فيها يطول. بس يكفي أجولك إن أبوها طفش وساب لهم البيت وهي عندها ستاشر سنة في الثانوي يعني سابها في أكتر وجت كانت محتجاه فيه.
مسكينة اشتغلت وهي بتدرس عشان تكفي مع أمها مصاريف البيت ما قدرتش تحقق حلمها وتدخل طب واكتفت بتربية كملت شغل عشان تساعد إخواتها اللي أصغر منها وشالت المسؤولية كلها.
لحد لما جالها النصيب اللي إتأخر ولما حصل وحست إن الدنيا بدأت تضحكلها طلع نطع وعايز يعيش على مرتبها ولما ماعجبهاش فضل يرازي فيها ويرمي بلاه لحد ما اتخلصت منه بطلوع الروح ورفضت تتخلى عن إخواتها اللي بقت عايشة ليهم من غير سند وأكتفت بيهم كنهم ولادها اللي مخلفتهمش .
هز رأسه بتأثر 
يا ساتر يا رب... أعوذ بالله من الأشكال دي. ما أكره في حياتي قد الراجل النطع وهي بحظها الحلو اتسطت في اتنين!
قالها معاذ بنوع من السخرية السوداء لتبتسم علي إثرها وتضيف 
فعلا زي ما جولت عشان كده أمي بتحبها جوي وبتعديلها كل أخطاءها. وهي

اللي حكيتلي قصتها من البداية عشان أعرف أنا بتعامل مع مين وأتحمل عصبيتهاوغضبها علي أتفه الأسباب في بعض الأحيان
أومأ بتفهم وقد هدأت مخاوفه من تلك المرأة الشرسة التي كان يخاف على زوجته منها لدرجة أنه أراد طردها من أول يوم سمعها فيه تنفعل عليها أثناء تدريسها لولا رفض منصور زوج شقيقته الذي وبخه وقتها وطلب منه ألا يتدخل مادامت ليلى لم تشتك أو تطلب منه شيئا.
انتفض الاثنان فجأة على صوت عال صدح في الأجواء قادما من الأسفل فركضا معا إلى الشرفة ليتبينا أن صاحبة الشجار لم تكن سوى من كانت تدور حولها الأحاديث منذ لحظات والمفاجأة كانت في الشخص الذي يتشاجر معها!
.................
قبل قليل 
كانتا قد وصلتا إلى محيط المنزل الكبير وفي طريقهما إلى صعود الدرج الرخامي نحو المدخل كانت مزيونة تسبق اعتماد التي كانت منشغلة بقراءة إحدى الرسائل على هاتفها فلم تنتبه لأحدهم وهو يغسل سيارته منهمكا فيلقي بدلو الماء لغسلها من الصابون فانتقلت إليها المياه من تلك المسافة القريبة إلي حد ما إلى حجابها ووجهها وظهرت بعض البقع على بلوزتها لكن الضرر الأكبر كان في الهاتف.
شهقة بصوت عال صدرت منها وهي تلتف نحو الجهة المعادية فلفتت إنتباه الأخر ومزيونة التي عادت راكضة لتجد الذهول مرتسم على وجه خليفة الذي شعر للتو بخطئه فتلقى جزاءه بصيحة غاضبة 
إنت... إنت... إنت عميت!
استفاق خليفة من ذهوله بعد سبتها ليملك زمام أمره ويرد عليها بقوة 
إيه يا أخت أنتي نجي كلامك واعرفي بتكلمي مين قبل ما تغلطي! شايفاني عيل صغير جدامك ولا هفية
نظرت إلى هاتفها الذي أظلم فجأة تحاول مسح الماء عنه مرددة بنبرة مختنقة 
لا شايفاك إنسان مهمل ومعندكش نظر! ألحق على هدومي اللي اتبلت ولا التليفون اللي فصل مية ونور!
حاولت مزيونة التخفيف عنها ومسحت الهاتف بشالها ربما يأتى بنتيجة فنطقت مخاطبة خليفة 
اعذرها معلش. أنا نفسي اتخلعت من المية اللي اتدلجت ورايا.
لم يكن أعمى حتى لا يرى بعينيه سكوتها المفاجئ وحزنها على الهاتف فبرر بتوتر نحو مزيونة 
أيوه بس أنا ما كنتش جاصدها يعني! أنا حتى ما خدتش بالي إنكم داخلين...
إيه الحكاية
جاء التساؤل هذه المرة من خلفهم من حمزة الذي ترجل من سيارته بالقرب منهم أتى كعادته خلف تلك العنيدة والتي انتفضت لرؤيته وتولت مهمة الرد عنهما 
لا حكاية ولا رواية فضت على كده وخلصت تعالي يا حبيبتي يلا نطلع عند ليلى يمكن تعرف فيه.
وسحبتها تهرول بها سريعا من أمامه فتابعهما قليلا ثم انتقل ببصره إلى شقيقه الذي قال بحنق 
أهي نصايب وبتطب علينا من حيث لا ندري. جاعد في حالي وبغسل العربية أبص ألاقي المية غرقت صاحبتنا دي وتليفونها وبتقولي فتح يا أعمى! يمين تلاتة لولا إنها حرمة ما كنت عتجتها النهاردة.
أومأ حمزة واضعا كفه على فمه في استيعاب ليعقب بوجل 
ومالاجتش غير الحزينة دي وتشبط معاها يخرب مطنك!
............................
في مكان آخر
فتح باب السجن العمومي ليخرج منه إلى العالم الواسع الذي حرم منه لعدة شهور. رفع بصره إلى السماء وصفائها المبهر ثم أنزل نظراته إلى الأرض التي يخطو عليها بحرية ذاهبا نحو ما يشاء لا يمنعه الآن حارس ولا قضبان.
بلعبة صغيرة فعلها مع ذلك الأحمق استطاع أن يخفف مدة الحبس لأقل ما يمكن. ضحك بسخرية حين تذكر دعوته له لزيارته...
هل يظنه بالسذاجة التي تجعله يأمن مكره
لكن لا بأس سيجد الطريقة للتعامل معه لاحقا أما الآن فعليه أن يعود لينظم أوراقه ويستعيد نشاطه...
من أجل من كانت السبب في حبسه.
مزيونة... الحرة الجميلة.
............................
في منزل عرفان
كان جالسا على العتبة الرخامية في مدخل منزله يتلقى خبرا عبر الهاتف من أحدهم. عيناه شاردة نحو الحديقة الجانبية الصغيرة تتأملان الأرض الطينية الجافة التي تأثرت بهجر صاحبتها لها بعد أن كانت مملوءة بشتى أنواع الخضروات التي يحتاجها البيت.
وهو كالغبي لم يشعر بقيمتها سوي الآن بعد رحيلها.
ألهذه الدرجة كان أعمى عن كل ما هو جميل حوله
ماشي يا عيد زي ما جولتلك جيبلي أخباره أول بأول الحزين ده ماشي... تمام اجفل من عندك.
أنهى المكالمة التي شتتت تركيزه
قليلا وزفر باختناق.
كل شيء من حوله بات قبيحا...
وعلى ذكر الأخيرة حضرت زوجته التى بات يراها كالحرباء التي كانت مصدر الخراب لحياته السعيدة تقترب بوجه متجهم تضم كوب الشاي الساخن الذي أمر به دون أن تنطق ببنت شفة مما استفزه ليمسكها قبل أن تغادر 
حتى الحاجة الوحيدة اللي قدرت تسيبهالك ما قدرتيش تحافظي عليها حوضين الخضرة كانوا هيتعبوكي في رشهم ولا سقيهم لكن أقول إيه... مفيش فايدة من الكلام أصلا.
تطلعت صفا قاطبة الحاجبين نحو ما يشير لتستدرك مقصده سريعا فتشتد خطوط وجهها بغل إكتسحها وردت عليه 
دا على أساس إنه كان هامك انت كمان ولا عمرك حتى بصيت عليهم!
يالا بقى بجملة ما انت محملني كل نصايب حياتك جات على دي
بس أنا برضو مش هكش ولا هأنكر!
أيوه يا عرفان... كل الخضرة اللي سابتها المحروسة بعد ما هجت واتطلقت منك سيبتها من غير سقي ولا مراعية لحد ما ماتت واتكنست بالمجشة كمان!
عارف ليه
عشان أنا معمرش زرعة غيري... خصوصا زرعتها هي!
تفوهت الأخيرة بفحيح وغل أثار اشمئزازه حتى لم يعد يحتمل رؤيتها فنهرها بازدراء 
طب غوري! غوري من وشي! مش طايق أبص في وشك حتى!
...........................
عودة إلي المنزل الكبير
حيث كان معاذ منهمكا بجدية في فحص هاتف الأستاذة اعتماد أثناء تدريسها لزوجته بينما كانت ترمقه بطرف عينها من وقت لآخر دون أن تعلق بكلمة واحدة.
أما مزيونة فلا تكف عن السؤال وحثه برجاء رغم يأسها من إصلاحه 
شوفه زين يا معاذ أكيد في طريقة لفتحه!
تنهد معاذ بنظرة خاطفة نحو إعتماد ثم عاد ليهمس لها بحذر.
ما أنا بحاول والله وعملت كل حاجة ومفيش فايدة... عامل زي الميت اللي وجع فجأة ومحطش منطج.
يا ساتر يا رب... وبعدين
همست بها مزيونة أيضا بصوت بالكاد يسمع 
لكن رغم ذلك وصل إلى اعتماد والتي ردت وهي منكفئة على الكتاب دون أن ترفع عينيها 
لا بعدين ولا جبلين يا مزيونة... باظ ولا غار في داهية حتى مش فارقة... وفروا تعبكم لحد كدة!
التوى ثغر مزيونة تتبادل النظرات مع معاذ بحرج حتي إنتقل إلي ليلى هي الأخري التي لم تجرؤ على التدخل كي لا تزيد الطين بلة.
كان الحزن يكسو وجهها فهي تشعر بحزن معلمتها القوية التي تكتم عن قصد لا تريد إظهار ضعفها أمامهم وتدعي عدم الاكتراث في شرح لها بعض الفقرات وهي تدعي الفهم.
استمرت محاولات معاذ في إصلاحه حتى يئس تماما يعلل السبب في عدم معرفته بنوع الصناعة ليتركهن وينزل إلى الأسفل ليجد شقيقيه في إنتظاره بحضور والدته وهالة التي استقبلته ساخرة 
لا تكون كنت بتاخد درس مع مرتك كمان يا معاذ
رد بابتسامة صفراء 
بس لو تبطلي خفة دمك دي شوية عنينا يا هالة.
ضحكت دون اكتراث فيما رمقها زوجها بامتعاض

وتوجه بالسؤال نحو معاذ بنوع من التوتر 
ما أنت بصراحة اتأخرت صح النهاردة ودي مش بعادتك يعني.
جلس معاذ وزفر بأسف ثم أجاب 
ما أنا كنت بحاول في تليفون أبلة اعتماد عشان يفتح بس للأسف معرفتش خالص.
علق خليفة علي قوله بعصبية 
انت اللي معرفتش ولا هو اللي معجرب
صمت معاذ وردت عنه والدته بحرج 
يا دي الكسوف! وما يجيش غير في وشنا!
تدخلت هالة وقد تابعت الحوار بانفعال 
وتاجي في وشنا ليه إن شاء الله! واحدة تليفونها بايظ من الأول ولا هي تماحيك وخلاص دول ماكانوش نجطتين مية!
تحول توتر خليفة إلى حنق شديد نتيجة قولها فنهض نافضا جلبابه بضجر وعدم تحمل 
يا بوووووي على كلامك التجيل إنتي كمان! أنا جايم وماشي!
وغادر الجلسة وسط نظرات الأسف من والدته وإخوته بينما مصمصت هالة شفتيها في أثره بعدم رضا مما استفز حمزة الذي صرف نفسه عنها بالحديث مع أخيه الأصغر 
وانت يا أستاذ مش ناوي ترجع شغلك وشي بجى في الأرض منك!
وكأنها فهمت عليه لتقرر تحديه في التدخل بهذا الأمر أيضا بسخريتها 
لا ما هو... هيخاف يمشي ويسيب المدام
الحامل لوحدها!
حدجها حمزة بنظرة نارية متجنبا الرد عليها بينما زفر معاذ ثم قال مطمئنا 
متجلجلش يا حمزة... أنا مظبط أموري مع رئيسي في الشغل وعلى العموم خلاص... كلها بكرة ولا بعده وارجع إن شاء الله.
حرب باردة... هذا هو الوصف الصحيح لما يدور بين الاثنين.
حمزة الذي واصل الحديث مع شقيقه ووالدته متعمدا تجاهلها وتجاهل نظرتها المصوبة نحوه.
لقد أصبحت تحفظه عن ظهر قلب هذا المتيم لا يكتفي بجيرته لتلك المزيونة حتى يأتي خلفها يوميا كل ما جاءت إلى هنا.
يتلهف لكل لفتة منها ولا يخجل من النظر إليها أمام الجميع!
من كان يصدق أن تلك الأفعال تصدر من حمزة... إبن عمها الذي كان يصنع لنفسه هالة من الهيبة تبعث الرهبة في القلوب بمجرد رؤيته
ذلك الذي كانت تراه مغرورا أصبح في حضور تلك المزيونة كالطفل الصغير...
وطبعا هي لا تقصر في مشاغلته والحجة مساعدة ابنتها!
حتى منزلهم أصبح مرتعا لها وللغرباء الذين تأتي بهم كتلك المدرسة المجنونة... لكنها لن تسكت لهما أبدا!
تبسم وجهها فجأة مع القدوم المفاجئ لزوجته الأولى برفقة ابنه ريان الذي دلف مهللا إليهم 
شوفت أمي جابتلي إيه يا بوي البلايستيشن اللي جولتلك عليه قبل كده!
انتشت في داخلها وهي تراقب رد فعل حمزة الذي نهض عن مقعده بشحوب يستقبل والدة ابنه ثم علق قائلا 
ومالك فرحان جوي كده هي أول مرة تجيبه البلايستيشن مكنش ليه لزوم التعب يا روان...
مسحت على شعر صغيرها لتتولى الإجابة عنه وعن نفسها 
ربنا ما يحرمه منك أكيد أنت مكفيه من كله بس أنا أمه وحقي أجيب له كمان... النوع ده مختلف شوية هو كان كلمني عنه وحبيت أعملهاله مفاجأة.
ده ابني يا حمزة وأنا عايزة أعوضه على قد ما أقدر.
مهما كنت أنت حنين أو أهلك كلهم محدش فيهم يقدر يسد مكاني.
أومأ لها بصمت دون تعليق يتركها تلتقي بباقي العائلة وبداخله تغير غير مفهوم...
روان العملية تلك اللغة جديدة عليها.
يتسرب داخله شيء ما يجعله يشك في قربها المتزايد وقدومها المتكرر هذه الأيام لأخذ ريان...
كلها أشياء تؤكد له وبشكل قاطع صدق الظنون التي تنهش رأسه...
.......................
راقبتها من مكانها وهي مستندة بمرفقيها على السور الرخامي لشرفتها تتبعها بعينيها وهي تغادر المنزل الكبير أخيرا تتحدث مع تلك المدعوة اعتماد التي تذهب أيضا معها.
ركزت بأبصارها جيدا عليها جميلة لا تنكر لكنها لن تزيد عنها بالتأكيد. بالإضافة إلى أنها امرأة مطلقة تحوم حولها المشاكل والمصائب أينما حلت.
أما هي... لقد كانت وما زالت جميلة العائلة ومع ذلك رفضها!
رفضها وفضل عليها تلك المدعوة روان لتكون أول طعنة غادرة تتلقاها منه.
منذ أن خلقت وهي تحفظ اسمه قبل أن تحفظ الكلمات هالة لحمزة وحمزة لهالة.
نشأت وترعرعت على أنه لها وأنها لن تكون لأحد غيره.
كل الرجال كانوا سواء في نظرها هم في كفة وحمزة وحده في كفة.
ومع ذلك لم ير ولم يقدر الحب الكبير الذي كانت تحمله له.
تنهدت بحرارة خرجت من صدرها كالصهد أغمضت عينيها بقوة وقد استعادت تلك الذكرى المذلة حين خرجت عن أدبها المعتاد بعد صدمتها بالخبر الأسود لتواجهه دون خجل 
ليه رفضتني يا حمزة
صدر صوتها بقوة أجفلت الحصان الذي كان ينظف حافره حتى انتفض متراجعا فكاد أن يؤذي حمزة لولا حرص الأخير ليلقي ما بيده أرضا ويلتفت إليها متجهما يوبخها 
إنت اتجننتي يا بت جاية ورايا هنا عشان تقوليلي الكلام ده
لم تكترث بغضبه بل دفعها شعور الإهانة الذي كان يكتنفها إلى أن تتقدم منه أكثر إلى الداخل حتى وقفت مقابلة له تواجهه 
وأجيلك آخر الدنيا كمان عشان أسألك! ليه تخطب واحدة غيري وإنت عارف إني معلجة على اسمك كيف تبص لواحدة تانية وأنا بت عمك اللي أحق بيك زي ما إنت أحق الناس بيا
توقفت برهة لتكمل الباقي وجسدها ينتفض من الانفعال أمامه 
أنا هالة يا حمزة أحلى بنات العيلة والبلد كلها. بصلي كويس وانت تعرف إن كنت بكدب ولا صادقة. طول عمري بتكبر على الكل بجمالي وعيلتي وبيك على أساس إني خطيبتك من غير كلام. دلوك لما الناس تعرف إنك رفضتني وفضلت عليا واحدة تانية تبجى فين كرامتي
رغم تفاجئه منها ومن جرأتها التي تصل إلى حد الوقاحة في فتح أمر كهذا إلا أنه حاول أن يكون مقدرا إلى أقصى درجة معها علها تفهم 
عشان النصيب يا هالة. حكاية إني واد عمك ومكتوبة على اسمي دي مشهورة في كل العائلات. الوفق والقبول ده من عند ربنا يا بت عمي محدش فينا له دخل فيه.
اهتز رأسها بجنون وكأن حديثه يأتي بنتيجة عكسية 
يعني إيه وفق ولا قبول هو إنت أول مرة تشوفني دا أنا متربية على يدك يعني تعرفني أكتر من نفسي!
ما هو عشان عارفك أكتر من نفسي أنا بجولك لا يا هالة.
يعني إيه
ما يعنيش. لفي واطلعي من هنا يا هالة. إنت بالذات محدش يحمل همك لأنك حلوة زي ما بتجولي.
انفعل في الأخيرة مما زاد من اشتعالها لتردد مؤكدة 
صدجت في الأخيرة يا حمزة! بكرة تشوف لما جمالي ده يجيب سيد سيدك! أنا هالة ومش هجبل غير باللي أحسن منك!
وظلت تكرر الكلمات حتى غادرت من أمامه وهو تجمد في مكانه يتابع انهيارها بقسوة وجمود...
تنهدت عائدة إلى واقعها وحظها المؤسف في عدم تنفيذ وعدها معه.
كانت تبغي أن تذله بمن هو أوسم وأغنى وأكثر هيبة.
لكن حظها التعس جعل نصيبها مع خليفة شقيقه بفضل ضغط والديها عليها.
لتعيش كالميتة محرومة من الحب والسعادة...
ولكنها أيضا مصممة أن يكون الجميع مثلها.
لقد نجحت قبل ذلك كثيرا وما زالت مستمرة في مسعاها للانتقام من حمزة وكل ما يخصه...
........................
في منزل مني 
تفاجأت منى بالزيارة المفاجئة لشقيقها الذي لا يأتي دون استئذان في العادة ولا في هذا الوقت

من المساء كما خالف وفعلها اليوم.
لكنه كان متغيرا وذلك ما لمسته منذ بداية الترحيب به وحتى جلستها معه لتترك له المجال الكامل حتى أوضح أخيرا سبب الزيارة بعد أن قص عليها جميع ما حدث 
خدي يا منى... إديها دول.
نظرت إلى كم النقود التي وضعها في يدها متسائلة بعدم فهم 
ليه دول يعني يا خليفة مش فاهمة!
زفر المذكور بخفوت ثم أجابها بعد لحظات 
دول ترضية يا منى... بدل التليفون اللي ضاع.
بما إني مش هعرف أكلمها ودي واحدة زي الجطر ما بتديش فرصة للتفاهم.
فأنا شايف إنك أنسب واحدة بحكم علاقة المودة اللي بينكم.
مش جوزك برضو هو اللي دايما متشددلها وبيقدمها في أي مشوار شغل
تمتمت منى تلوي ثغرها على الجانبين وقد فهمت ما يقصد ورددت بطريقتها مستنكرة 
يا حزني يا أمه... يعني إنت عايز تضحي بأختك عشان بس جوزي متشددلها وبيقدمها في مشاوير شغل
طب افترض جوزي مخه ضارب أضيع أنا بسببه
إيه اللي بتهلفطي بيه ده يا منى ما توزني كلامك!
يا حبيبي والله وازنه كلامي... بس أنا بقولك أهو انس حكاية الفلوس والكلام الفاضي ده.
أعفش حاجة في اعتماد هي عزة نفسها وحساسيتها الزيادة عن اللزوم.
خد يا حبيبي فلوسك دي... أنا مش مستغنية عن عمري.
وختمت الأخيرة كلامها وهي تفتح كفه تعيد له النقود التي وضعها بيدها منذ لحظات فنظر إليها متمتما بحيرة 
طب وبعدين في الموضوع المعجرب ده أحله إزاي بس وأريح مخي
...........................
ناديتك وانتظرت الإجابة...
ناديتك يا عنيدة وما زلت صابرا حتى يلين قلب الحجر قلبك.
لن أكف عن المحاولات ولن أيأس.
فرغم كل شيء قلبي يخبرني بقرب الوصال.
كيف السبيل إليك دليني.
حمزة
لقد مر اليوم طويلا ولم يتحدث معها رغم حرصه وتتبعها إلى منزل العائلة ولكنها تعمدت أن تظل في طابق ابنتها ولم تنزل إلى الطابق السفلي أثناء تواجده والذي لم يستمر طويلا نظرا إلى الحضور المفاجئ لزوجته السابقة.
حتي إنه لم يحتمل المكوث أكثر من دقائق معدودة خاصة بعد متابعته لذلك الود المبالغ فيه بينها وبين هالة ابنة عمه.
ليستغل فشل محاولته للذهاب إلى أعماله المتراكمة بسبب انشغاله في الأهم وهو ترويض العنيدة كما يحدث الآن.
تجاوز حنقه حدود السماء وهي لا تخرج حتى لابتياع احتياجاتها المنزلية من خضروات وبقالة بعد أن تكفل بها هذا المتحذلق ابن أخيها حازم.
تنهد بيأس وهو يراقب صغيره الذي يلعب بالكرة أمامه يذهب بها هنا وهناك حتى اصطدمت في مرة بإحدى الشجيرات التي زرعها بنفسه.
لينتقل ريان بالنظر إليه مذعورا ينتظر التوبيخ وكان على وشك ذلك فعلا... وقد خطرت بباله فكرة جعلته يتراجع.
ليطمأنه بنظرة حانية ثم نهض من على أريكته وتناول الكرة منه وقرر مشاركته اللعب مما جعل الصغير يقفز فرحا.
لتبدأ لحظات من الركض والمرح وتسديد الأهداف حتى أتى بأهم هدف في لحظة تركيز حين أصاب المكان الذي يريده ليتوقف ريان فجأة قائلا بوجل ولهاث 
يا وجعة! الكورة دخلت في بيت خالتي مزيونة... هنعمل إيه دلوك
تنفس والده بابتسامة ماكرة وصحح له 
وجعت في الحوش المكشوف من غير قصد يا ريان... يعني تقدر تندهلها تجيبهالنا.
يعني مش هتزعج
لأ يا حبيبي وتزعج ليه بس إن شاء الله متكونش كسرتلها حاجة. ولا أقولك انده عليها وجولها عشان نشوف.
وهكذا أقنعه ليذهب إلى مدخل منزلها مناديا من الخارج بتشجيع من والده 
يا خالة مزيونة يا خالة مزيونة! الكورة وجعت عندك في الحوش هاتيها!
وحين جاء ردها من الداخل واطمأن حمزة لخروجها وضع بيد ريان بعض الأوراق المالية ليصرفه ويجعله يذهب إلى أقرب محل بقالة يشتري ما يشاء ثم انتظر فقط لحظات حتى خرجت بالكرة تبحث عنه 
الكورة أهي يا عفريت! بس على الله تكررها تاني... لا أشجهالك بالسكين!
وأكملت بضحكة مرحة حتى وصلت إلى الجزء الخلفي وهو ما زال في انتظارها جالسا على مصطبتها الحبيبة.
لقد ذهب عقله عشقا بها...
هو متأكد تماما من تلك المعلومة.
حجج المراهقين وأفعال الصغار في ابتكار طرق اللقاء بالحبيبة يفعلها الآن في هذا العمر!
ولم لا يفعل!
وبماذا سيفيده العقل إن نام ليلته دون أن يكحل عينيه برؤيتها بعد أن اختفت طوال اليوم
فقد خرجت الآن بزي مختلف عن كل العباءات العصرية التي ترتديها ذلك الزي القديم لنساء البلدة رداء يشبه الفستان يصنع من قماش منقوش بخامات مختلفة مجسم إلى حد ما في الأعلى حتى حردة الخصر ثم يتسع كالتنورة في الأسفل.
ازدادت بهاء وسحرا في عينيه وهو أصلا لا ينقصه!
وكأنها شعرت به التفتت إليه فجأة ليكتشف الحردة الأمامية عند الرقبة...
اللعنة!
أنزل عينيه سريعا يبتلع ريقه الذي جف بحضورها.
وانتبهت هي بدورها لتخفي الجزء المكشوف من جيدها بشالها وتقول بارتباك 
أنا كنت طالعة بالكورة لريان... هو فين
ارتفعت أبصاره يحدثها بنبرة عادية الآن 
ريان جري على البقال يشتريله حاجة ساجعة بس أنا أبوه وأستلم عنه عادي يعني.
قال الأخيرة بنوع من المزاح تجاهلته وأنزلت الكرة أرضا قائلة 
تمام على العموم أهي لما يرجع يبجى ياخدها... أنا كده عملت اللي عليا.
قالتها وشرعت في الانصراف من أمامه لكنه أوقفها قبل أن تتحرك خطوتين معلقا على ردائها 
ده تبع المرحومة أمك صح ولا حد تاني من أهلك
ابتلعت رمقها بحرج شديد وحنق يكتسحها من تعليقه 
أيوه... بتاع المرحومة أمي عادي يعني. رتبت حاجتها النهاردة وخطر لي ألبس حاجة من ريحتها.
طب ياريت متكرريهاش تاني...
هكذا يأمرها وببساطة!
طالعته بعدم استيعاب تكذب أسماعها لكنه لم يكترث وعاد يؤكد بجدية 
أيوه يا مزيونة... اسمعي الكلام.
أهالينا زمان كانوا غلابة ومتعودين عشان الكل كان بيلبس كده...
إنما دلوك ومع واحدة زيك اللبس ده جريمة يعاقب عليها القانون.
نعم! قالتها بغضب ليرد عليها 
أنا ما بغلطش على فكرة...
ما انتي لو وجفتي جدام مراية كبيرة هتشوفي بنفسك...
ويمكن تاخدي بالك إن واحدة زيك حتى العباية البهتانة بتفرق معاها.
أشحال بقى حاجة زي دي
حمزة يا قناوي!
صاحت بالاسم بعدم تحمل لتوقفه عن هذيانه مرددة 
مش شايف إنك زودتها جوي
ناجص كمان تنجيلي لبسي!
مش كفاية اسمي اللي بقى لبانة على لسانك!
استقبل ثورتها بهدوء يثير الدهشة 
أولا لازم تاخدي بالك إن انتي كمان بتندهيلي باسمي حاف من غير ألقاب...
ولو على اللبس أختار لك وماله ليه لأ
فغرت فاها واتسعت عيناها بذهول لا تصدق الجرأة بل الوقاحة التي يتحدث بها...
وكأنه شيء عادي.
وظل يتأملها دون خجل حتى خرج صوتها بصعوبة 
إنت شكلك اتجننت!
بفضلك...
سيجلطها هي موقنة من ذلك إن ظلت واقفة تجادله.
يتحدث بأريحية ولا يشعر بذرة أسف...
ليس أمامها سوى الهروب كعادتها 
أنا عارفة إن مفيش فايدة... ماشيه وسيبهالك!
وتحركت تسبق الريح بأقدامها نحو باب منزلها بغضب لم يمنعه من وصف ما يشعر به ويؤلمه الآن بصوت خفيض... لكنه وصل إليها 
والله محدش جالك تبقي حلوة زيادة عن اللزوم... يا المزيونة...
دلفت إلى مأمنها تصفق الباب بعنف لتستند عليه من الداخل وتخرج شهقة من عمق صدرها الآن واضعة يدها على موضع قلبها الذي كان يضرب بقوة.
بمشاعر لم تعد
تميز إن
كانت غضبا... أو شيء آخر لكنها ليست طبيعية على الإطلاق.
هذا الرجل مستفز بدرجة تربكها إلى أقصى الحدود.
يزلزل كيانها رأسا على عقب...
ولكن... لماذا
وهي قد وضعت النهاية المحسومة برأسها ولن تتراجع عنها أبدا أبدا!
أما عنه
فقد سقط عائدا إلى أريكته بغيظ جعله يضرب بكفه على فخذه مرددا بتصميم وإصرار 
ماشي يا مزيونة ماشي...
أنا برضو وراكي ومش هسيبك!
اعندي براحتك واعملي ما بدالك...
برضو مش هحلك من راسي!
وهتبجي حلالي... يعني هتبجي حلالي.
... يتبع
للمرة الألف برضو هنبه احنا نقدر نوصل لأربعة الألف وخمسة آلاف بالمستريح والله ليه البخل اضغطوا لايك وخليكو حلوين انا بتشجع منكم

تم نسخ الرابط