رواية بقلم سيلا وليد
..حمله واتجه للأسفل سريعا قبل وصول دعمهم وكأنه يقرأ أفكارهم إذ سقط الرصاص فوقه من كل حدب وسقوط عدد لابأس به منهم نظر إلى ابنه الذي لا يشعر بشئ وإلى الغاشمين الذين لا يعرفون دينا ولا خلق..
دقيقة واحدة ووصل أرسلان بصحبة إلياس مع بعض من الأمن الخاص بهم..ترجل أرسلان سريعا بعدما شاهد عدد القتلى من الفريقين وفعل مثله إلياس دقائق وصمت المكان من آثار المعركة ليخرج إسحاق بحمزة أخيرا.. ركض أرسلان إليه يتلقى حمزة منه لاحظ إصابته بكتفه
_عمو إنت اتصبت.
أومأ يشير إلى السيارة
_لازم نمشي من هنا وأنا هكلم الأمن يجي ويتصرف.
_المهم إنت كويس
أومأ بصمت باقتراب
________________________________________
إلياس
_حمد الله على سلامته.
_ شكرا إلياس.
ساعده بالتوجه نحو سيارة أرسلان
_ مينفعش تسوق وأرسلان أخد حمزة على عربيته.
_تمام..
عند غادة بمدينة العشاق..
قضت أيام بين دفء الحب ورفاهية الاهتمام فرغم حدة مالك المتحفزة إلا أنه جعلها ملكة متوجة على عرش قلبه.
ذات ليلة بأحد المطاعم الشهيرة كانت تجلس قبالته وهما يتناولان طعامهما المفضل..كان يحدثها عن عمله السابق وصعوباته فهزت رأسها بتفهم.
الصراحة آه كنت بشوف إلياس كده برضه معظم الوقت.
رفع عينيه نحوها في صمت ثقيل
وقال
_زعلت عليه لما عرفت اللي حصل.
ردت بنبرة يغلفها الحنين
_ كلنا زعلنا إلياس مش مجرد أخ ده كان أب..أنا شخصيا ماقدرتش أستوعب الحقيقة...بس مهما حصل هيفضل أخويا..
ابتسمت رغم الوجع الذي اعتصر قلبها وأردفت وهي تتهرب من نظرات مالك
تعرف بيقولي إنك ممكن تتضايق من علاقتنا وحقك بس هو قال كده كأنه مش أخويا الشقيق.
أجابها بصوت هادئ لكنه جاد
وأضايق ليه هو شخص محترم لكن متنسيش ياغادة إن فيه حاجات ماينفعش نتجاوزها قلبك شايفه أخوكي وده حقك بس في الدين هو مش محرم ليكي...يعني خلي بالك لأن ربنا هيحاسبنا على كل حاجة.
تجمعت الدموع في عينيها وارتجفت شفتاها وهي تهمس
صعب يامالك...إنك تعيش عمرك كله شايفة شخص أغلى من روحك وفجأة يقال لك ابعد..
تعالي نتمشى شوية...
نهضت وقد أدركت أنه لا يريد إكمال الحديث.
يبدو أن إلياس كان محقا فمالك لا يستطيع تقبل فكرة الصلة بينهما كما تراها هي.
تجولا في شوارع المدينة تحت أضواء المساء الحالمة ثم عادا إلى جناحهما بالفندق..
أوقفها مالك أمام الباب وأخرج من جيبه شريطا أحمر وضعه على عينيها هامسا
ماتفتحيش عندي مفاجأة.
ابتسمت بحماس طفولي تركت كفيه يقودانها إلى الداخل.
أشعل الأضواء وسحب الشريط برفق.
شهقت ووضعت يديها على فمها من فرط الدهشة.
الغرفة تحولت إلى عالم من القلوب الحمراء المتناثرة وحروف أسمائهما المضيئة تزين الأركان.
التفتت إليه بفرح غامر
شكرا...حبيت المفاجأة أوي.
كل سنة وإنتي طيبة ياحبيبتي.
نظرت إليه بعينين دامعتين من الفرح
أنا حبيبتك يامالك
بحبك.
تلألأت السعادة بعينيها وابتسمت تهمس بخجل عذب
وأنا كمان..أوي.
مرت أيام أخرى وعادت غادة برفقته إلى أرض مصر.
استقبلتهما فريدة وليال بفرحة غامرة وأقامت ليال حفلا صغيرا احتفاء بعودتهما.
حضر المقربون جميعا ماعدا إلياس الذي اعتذر لانشغاله بامتحانات يوسف.
ومضت الأيام بهدوء...إلى أن أنهى يوسف امتحاناته بينما بقيت الأحوال كما هي عليه.
مساء آخر على أضواء القمر وليالي الخريف المتقلبة وبجوارهما يصدح الهاتف بصوت نجاة الصغيرة عيون القلب تدندن مع كلمات الأغنية إنت تقول وتمشي..وأنا أسهر مانامشي
ياللي مابتسهرشي..ليله ياحبيبي..
سهرني حبيبي..حبك ياحبيبي بينما هو يعمل على جهازه رفعت رأسها تنظر إليه
_ ماتيجي ناخد يومين إجازة بعد مالولاد خلصوا امتحانات الفترة اللي فاتت دي الولاد انضغطوا أوي.
خلع نظارته الطبية..ووضعها جانبه
_ دا قرارك ولا قرار الدلوع ابنك
اعتدلت وجلست بمقابلته
_ إخصي عليك هو ابنك دلوع دا ياحبيبي تعب أوي في الامتحانات.
_ لا والله انتي ليه بتحسسيني مفيش غيره اتنيل وامتحن وبعدين ماهو حيوان لو ذاكر من أول السنة مكنش وصل للمرحلة دي.
أغلقت الهاتف بغضب وصاحت بصوت مرتفع
_هو فيه حد في الدنيا يعمل اللي إنت عملته دا تنقله مدرسة حكومي هو حضرتك أصلا اتعلمت في المدرسة الحكومي علشان تدخله هو
_هو أنا كنت زيه يامدام ماتشوفي بلاويه الولد كان ماشي على الصراط المستقيم لحد ماحضرتك ادخلتي في تربيته.
_ يووه بقى هيرجع يقولي كان ماشي ونسي أهم حاجة إنه في مرحلة شبابية متقلبة ولازم يثبت لك إنه كبر وبقى له رأي بس حضرتك تقول كدا أوووه طبعا لأ.
_ برافو ياميرال نكدتي علي ياله قومي روحي لابنك وشوفيه بيحضر مصيبة إيه جديدة حضرتك بتكلميني على إني مكنتش شاب زيه.
رفعت حاجبها ساخرة
_ شوف إزاي تصدق كنت غايب عني هو إنت أصلا زي الخلق.
_ أرميكي وأرتاح من لسانك دا.
قاطعهم طرقات على باب الغرفة
اعتدلت تعدل ثيابها بعدما استمعت إلى صوت ابنها
_ادخل ياأخويا..تمتم بها إلياس متهكما..أدخل يوسف رأسه وقال
_بابي حبيبي فاضي ولا مشغول مع مرمر
_ ادخل ياحيوان.
التفت إلى بلال وغمز إليه
_مادام قال ياحيوان يبقى إنت جاي في الوقت الصح ياببلاوي.
دفعه بلال ودلف إلى جلوس إلياس..
سحب يوسف المقعد وجلس يلتقط من أمام والده حب الرمان
_ الجو برد عليكي يامرمر قاعدة في الساقعة ليه
كان يراقبه بصمت إلى أن دفع الفاكهة أمامه
_ زعلان علشان أخدت الفاكهة خد ياعم ببلاوي عايزك في موضوع مصيري أبوه طرده من البيت بس مش دا موضوعنا اسمعوه وبلاش تضيعوا مستقبله وفي الآخر ترجعوا تقولوا عقوق والدين.
ظل يستمع إليه بصمت فغمز إلى بلال
_ ياله ياعم انطق أبويا طيب مش زي أبوك.
_ على ضمانتك
ضحكت ميرال على حركاتهم فقالت
_ قول ياحبيبي متخافش عمو أكيد هيسمعك.
فرك كفيه وهو ينظر إلى يوسف الذي استند على خديه ورسم نظرة تألم
_ عمو فيه بنت أنا معجب بيها وعايز أروح أتقدم لها علشان المستر قال النظرة لغير المحرم حرام شرعا.
ضغطت ميرال على شفتيها تمنع ضحكاتها بينما يوسف زم شفتيه بحركة شعبية مصدرا صوت
_قطع في قلبي يابابا حتى النظرة بقت حرام..دنا برأسه من بلال
عارف ياببلاوي لو بصيت لأختي هتاخد سيئات.
كل هذا وإلياس ينقل نظراته بينهما بصمت إلى أن قال
_ ودي ياحبيبي في Kg1Kg2
لا ياعمو إيه شغل العيال ده هو أنا هجبلها بالببرونة ولا إيه!
دي حنين بنت دكتور عاصم البنهاوي جارنا شفت ابن أخوك ذوقه حلو إزاي
بنت مين ياأخويا
لكز يوسف بلال وابتسم وهو يرد
_ مش بقولك أبويا عسل وديمقراطي .وشوف الفرحة على وشه لما عرف العروسة دا راجل مروق..مرة أم كلثوم ومرة نجاة...مش عارف عبد الحفيظ حافظ حبه نار يابابا زي الواد ببلاوي.
لكزه بلال فأكمل يوسف
ماعلينا من أغانيك يابابا..البت حلوة قولي هنروح نخطبها إمتى ولو عمو لسه غضبان ياخد الملحق يتجوز فيه لو مانفعش أديله أوضتي.
صمت إلياس ونظر ليوسف بنظرة كادت أن تصفعه فقال
قولتلي تتجوز
التفت بلال إلى إلياس بنبرة فيها ازدراء
أيوة المستر قال الولد ممكن يتجوز بعد سن الخماستشر.
تهكم إلياس بسخرية
المستر
حمحم يوسف وحاول يشرح
بابا..أنا عارف إنك رافض عشان السن.. إيه رأيك نجوزه عرفي كتير من صحابنا اتجوزوا كده.
اقتلع الكلام أنفاس إلياس هب فجأة وقال بحزم
إيه اللي بتقولوه ده!! أنا فكرتكم بتهزروا وخاصة إن البنت دي في الجامعة أكبر منه
حاولت ميرال تهدئة الجو لكن الياس انفجر
مين من صحابكم متجوز بالطريقة دي
قاطعه يوسف
_ليه يابابا هو مش دا جواز
صرخ بهما وهو يفقد أعصابه
مش عايز أسمع صوتك! ثم التفت لبلال قائلا بغضب مشتعل
شغل الحواري والشوارع اللي أنتوا ماشيين بيه مبقاش مقبول! آخر مرة نهزر في الموضوع ده!
اتجه إليهما مرة أخرى بنبرة عالية داخلها احتقار ووجع
إنتوا فاكرين اللي بتقولوه ده جواز! ده لعب باسم الدين!
الجواز العرفي من غير ولي ولا شهود حرام شرعا وباطل..
اللي بيستخبى ويتجوز في السر بيستخبى من ربنا قبل الناس.
نظر إليهما وعيناه كالسيف
ربنا قال فانكحوهن بإذن أهلهن والنبي ﷺ قال أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل مفيش هزار في الكلام ده!
مش ورقة تنرمى في الدرج هتنفعك يوم الحساب.
اقترب من يوسف وأصبح صوته غليظ
الجواز دا ميثاق غليظ ! دا عقد عمر ومسؤولية وشرف عيلة كاملة مش تجربة سرية!
_بابا احنا كنا بنهزر انت صدقت
ولكن عقل الياس
________________________________________
لم يستوعب سوى مالقوه عليه فهتف بحدة
اسمعني كويس يايوسف الجواز العرفي ضياع لحق البنت.
اللي مش قادر يعلن جوازه زي الراجل يبقى مايستاهلش كلمة راجل أصلا!
_بابا خلاص إحنا بس كنا مفكرين الموضوع عادي.
_عادي! إنت مجنون ياولد! إنت فاكر نفسك لسه صغير إيه يعني عادي! ماتتكلمش معايا كأنك جاهل ما تخرجنيش عن شعوري..أنا مش هتكلم في الموضوع أكتر من كدا إنت كبير وواعي اطلع من الباب واعمل اللي إنت عايزه بس افتكر وقتها هشطب اسمك من حياتي..الحلال والحرام مش هزار سامعني ولا لأ!
ابتلع يوسف ريقه وهز رأسه مرتعشا.
_آسف يابابا..إحنا كنا مفكرين الموضوع عادي خصوصا إن في من صحابنا عملوهافحبين نعمل مقلب ونهزر احنا مش اغبية بس زي ماقولت لحضرتك فيه كتير من صحابنا كدا
صرخ مرة أخرى حتى ارتعدت الأجساد من حوله
_العيال دول من اللحظة دي لو كلمتهم ! سمعتني! الدين
نهضا وتحركا بصمت محملا بالخوف.. اقتربت ميرال منه محاولة تهدئته كان يمسح على وجهه بغضب يعتصره
_ ممكن تهدى قالتها بهدوء.
_ أهدى إيه رد بعنف مكتوم..أنا هتجنن! إزاي نسيت موضوع خطير كده!
أمسك هاتفه واتصل بارتعاش
_أرسلان فينك
فيه إيه كنت داخل أنام..
_أه ياخوياروح نام بس حضر أوضة لابنك هيتجوز.
ضحك أرسلان من الجانب الآخر ماظنه مزحة
_عايزين يعملوا فيك مقلب قالوا هنا وهيروحوا يهرجوا مع عمو.
قطع الياس كلامه بحزم
العيال دول بيقولوا يتجوزوا عرفي.
صمت أرسلان لوهلة ثم قال
يعني إيه هما بيهزروا ماجابوش سيرة الجواز
_ اقعد مع ابنك واستفهم منه بيقولوا حق ولا لا لانهم غيروا كلام
_فيه ايه ياارسلان
استدار اليها متسائلا
_بلال اتكلم معاكي في اي حاجة
عقدت جبينها متسائلة
_ مش فاهمة
عند الياس أغلق الهاتف وهو يغلي..التفت إلى ميرال بألم وقسوة
_كل ماأقرب للولد تقولي سيبه ابنك مستحيل يعمل حاجة. عاجبك يا مدام أهو جواز عرفي! تخيلي لو يعمل زي أصحابه.
_ مش من المدرسة اللي نقلته فيها. تطلع إليها بعيون نارية
_امشي من قدامي علشان ماتغباش عليكي..السن ده معرض لأي حاجة في كل مكان..المهم رقابة البيت الولد كان ماشي زي الألف.
قاطعته ميرال بنبرة متأففة
أيوه ودلوقتي بقى حرف الجيم إنت ليه بتهاجم بكلامك ده ولسه بتقول السن
تحرك وهو يهمس مقاطعا كأنه يستدعي ذكرى
_واحدة قعدت خمس سنين بحارة استولت على دماغها.
استمعت ميرال إليه وفجأة ركضت لتقف أمامه تطلع اليه بعينان محتقنتان بالغضب والحزن
_مالها فيها رجالة وناس عندها أخلاق ومبادى مش هتتغير..كل حاجة الحارة بعد السنين دي كلها عادي ممكن أرجع لها.
كور قبضته وأطبق جفنيه يحدث نفسه
_ الصبر ياإلياس الصبر.
ابتسمت على حركته ورغم ذلك أخفت ابتسامتها وتحركت تتمتم
_ ياريت أيامها ترجع على الأقل كنت باكل بط ومحشي.
هنا لم يعد للعقل سيطرة اتجه إليها
_لازم أكلك بط ومحشي هو أنا عندي كام ميرال بس.
باليوم التالي..
استيقظت لم تجده بجوارها اعتدلت تجمع خصلاتها تتأفف على قسوته تتذكر
_ لو شوفت عيونك دي مفتحة هقفلها بطريقتي..
بعد عدة ساعات..هبطت للأسفل بعد إبلاغها بوجود غادة..
_دودي حبيبتي وحشتيني فكرتك نزلتي الشغل النهاردة.
_ لا..ماليش مزاج معرفش عندي خمول ماصدقت مالك قال جاي عندكم وقولت آجي أقعد معاكي شويةا
_ وشك متغير لتكوني حامل ياجميلة
صمتت بذهول ثم هزت رأسها
_ لا مش معقول..
قاطعهم دخول الخادمة
_فيه ضيفة جت للباشا..
ضيفة!..تساءلت بها ميرال..
أومأت الخادمة وتحركت لدقائق معدودة تحمل القهوة هبت ميرال من مكانها وتحركت بعدما رأت الخادمة تحمل أكواب القهوة متجهة إلى غرفة مكتبه
استني عندك.
توقفت الخادمة..فاقتربت تجذب منها المشروبات وأشارت إليها بالتحرك
أنا هدخله..سحبت نفس وطردته بهدوء ثم فتحت الباب دون الطرق..
استمعت إلى كلمات تلك المعتوهة
لأ طبعا..سمعتك منورة كل مكان هو أنا جاية لأي حد برضو.
رفع رأسه بعدما فتح الباب بتلك الطريقة خطت بخطوات متزنة وهي ترمقه بنظرات تعني الكثير إلى أن اقتربت ووضعت المشروبات على المنضدة
قهوتك ياحبيبي..
والمدام..عصير.
رفعت رأسها وأومات
ميرسي يااا..جزت على أسنانها واتجهت إلى مكان جلوسه وهو يتابعها بصمت
ميرال الشافعي مرات اللي سمعته منورة كل مكان.
ميرال..همس بها.
اتجهت بنظراتها ترمقه بنظرة نارية
إيه يامنور باشا قطعت حديث رئيس الجمهورية.
حمحمت معتذرة
آسفة ياإلياس..شكل الوقت مش مناسب لبقية كلامنا.
فتح فاهه للرد ولكنها اقتربت منها
نورتينا ممكن يبقى تروحي الشركة لو محتاجة العنوان..أه أستاذ مالك المسؤل الرسمي عن التأمينات..إلياس باشا مشغول..
نورتينا.
حدجتها بنظرة باردة فانحنت الأخرى تحمل حقيبتها وغادرت دون التفوه بحرف.
بينما الآخر جلس وجسده كتلة نارية كادت أن تنفجر..استدارت إليه..رفع عيناه وتقابلت نظرات التحدي بينهما
إيه اللي عملتيه دا
إيه بعمل بروفة لشغلي..بعد إذنك يامنور باشا..قالتها وغادرت وهو يشيعها بنظرات كادت أن تحرق تحركها يهمس بهسيس
نهارك مش معدي يازفت الطين.
تحرك خلفها سريعا هرولت الى الخارج
_ايه البجاحة دي لابسة فوق الركبة وحاطة قدام الباشا رجل على رجل طيب ياالياس انا هعرفك مين هي ميرال
بالخارج..
خرجت غادة بعدما هاتفها مالك فتحت الباب..إذ بها تنصدم بوقوف طارق أمامها
إزيك ياغادة
_ تجمدت للحظات ومشاهد سريعة امامها تجمعهما سويا ابتلعت ريقها وشعرت بالتخاذل من نفسها
_أهلا ياطارق عامل إيه
_ كويس ألف مبروك مع إنها جت متأخر.
_ ميرسي بعد إذنك..قالتها وتحركت من أمامه توقفت فجأة بوقوف مالك أمامها..فتحت فاهها للحديث..ولكنه
أشار إليها بالتحرك
_مش منتظر مبررات ياغادة..أنا واثق فيكي..ابتسمت بحنان وتحركت ورغم تحركه بالتجاهل عما صار ولكن قلبه جمرة نارية تحرق داخله
على الجانب الآخر..
وصلت ميرال اليه توقفت بجواره
_ متزعلش الحياة أقدار ونصيب.
التفت برأسه نصف التفاتة
_ مش ملاحظة من يوم ماجيت واتحولتي لداعية دا كفاية عليكي ابنك وأبوه.
لكزته وضحكت
_ مش في عيلتك على فكرة.
قاطعهم الصغير من الخلف يشهق
_ أبويا لاقينه على باب الجامع!
هنا تجمدت دقات القلوب كما تجمد الدم في الشريان..
التفتت ميرال الى ابنها سريعا
_حبيبي عيب الكلام دا إنت مش صغير.
_حاضر..مبقتش هتكلم..حلو كدا قالها وتحرك..بينما خطا طارق للداخل دون حديث آخر... ظلت ميرال متوقفة تنظر بشرود وكأن حديث يوسف افاق الماضي مرة اخرى
بشركة العامري
هرولت الى المصعد
_استنى ياسيدي
حضرتك رايحة فين بااستاذة
_للمدير
ابتسم بخفة واشار اليها.. لملابسها وقال
_المدير مرة واحدة
رفعت حاجبها باستخفاف
_ليه المدير بتاعكم فرعون ولا ايه وسع كدا هتأخر عن الموعد
_ممنوع دا خاص بالمدير
تاففت وتحركت الى الدرج تسبه صعدت الى الطابق السابع بانفاسا متقطعة.. وصلت الى السكرتيرة تهمس بتقطع
_استاذ طارق الشافعي موجود
رمقتها السكرتيرة بامتعاض ونظرت الى ثيابها البسيطة
_ طارق باشا مرة واحدة ليه
اعتدلت بعد انتظام انفاسها تنظر اليها بصمت ثم استدارت تدفع باب مكتبه بغضب
_عايزة اوصل لحضرتك والبني ادمة دي رافضة
_اسفة مستر طارق بس حضرتك شايف شكلها
نصب عوده وتوقف يتطلع الى هيئتها
_انتي مين
_هند.. اومأ رأسه بعدما تذكر حديث ميرال فاشار الى السكرتيرة
_خلاص ياشاهي سبيها
_بس يامستر دي
استدارت هند تحدجها بغضب
_ مالك سبيها ولا الاستاذة مابتفهمش عربي
توقف ينظر اليها مذهولا وشق ثغره ابتسامة واشار للسكرترية بالخروج بينما هو جلس يشير الى المقعد
_اتفضلي استاذة هند
اخرجت اوراقها ووضعته امامه
_ دا Cv.. ممكن تشوفه حضرتك
_ انتي هند بنت مدام نعيمة
_بيقولوا كدا
هز رأسه متسائلا
_مين دول
_ اللي زي حضرتك يامستر
زفر بتأفف فيبدو انها مندفعة
مرت السنوات سريعا إلى أن أصبح الشابين بكلية الطب..ذات ليلة جلسا مع بعضهما البعض
عجبني تخصص المخ والأعصاب أوي والأحسن فيه ربطه بالعظام.
_ يعني إيه..! تسائل بها يوسف
_أقولك أول مادخلت الكلية كنت عايز أعرف أيه السر في إن مريض العظام بيروح لدكتور مخ وأعصاب.
_أممم...طيب
________________________________________
فهمني.
_ بص الأعصاب متحكمة في كهربة الجسم زي المخ الحبل الشوكي..
أما دكتور العظام هو المسؤول عن الهيكل اللي بيتحرك فيه العظم والمفاصل والعضلات.
يعني لو الألم سببه خشونة أو انزلاق في فقرة من ناحية العضم يروح لعظام.
لكن لو الألم جاي من ضغط الفقرة دي على العصب وبيوصل الألم للرجل دا بيكون دكتور مخ وأعصاب.
يعني العظام مسؤول عن هيكل الجسم وأعصابه اللي فيها كهرباء بتوصلها للجسم اللي هو خاص بالمخ والأعصاب من الآخر كدا الاتنين بيكملوا بعض.
_ لا شاطر ياببلاوي أغرتني وحبيت التخصص بس خلاص ماينفعش أنا مع الكمثراية بتعتي..
كفاية فيه إنه هو اللي بيعرفك بتحب ولا لأ.
ألقاه بكتابه
_ تصدق مهما يعملوا فيك هتفضل تافه كدا.
ألقى بصره الى آسر الشارد
_ سيدي القاضي الى أين ذهبت هل لديكم لصوص تقدموها لعدالتكم
_ أنا أترفض في النيابة!!
اقترب يوسف منه وسحب مقعدا وجلس
_أنا سمعت بابا بيتكلم مع خالو محبتش أضايقك اللي عرفته في حاجة حصلت زمان في العيلة علشان كدا رفضوا.
تراجع بجسده على المقعد وتجمعت الدموع بعينيه
_ كان حلمي وأملي يايوسف حلمت كتير أوي أكون وكيل نيابة.
قاطعه بلال موضحا
_أنا مش هقولك تتعوض بس اعرف دا نصيب وقدر مش موضوع العيلة ممكن فيه حاجة تانية أحسن في مجال المحاماه اجتهد إنت بس وإن شاء الله ربنا هيعوضك.
مسح على وجهه بحزن
_ أربع سنين الأول على دفعتي وكل سنة أقول باقي سلمة.
ربت يوسف على كتفه
_آسر..مين مننا حقق حلمه أنا كان نفسي أبقى طيار وبابا رفض..
وبلال كان عايز يبقى مرشد سياحي وعمو رفض خلاص دا نصيبنا ممكن يكون فيه أحسن من اللي رتبناله.
قاطعهم طرقات على باب الغرفة.. ثم دخول شمس..اقتربت من آسر
عرفت
رفع رأسه إليها ثم نهض وقال
_ هروح زمان ماما قلقانة سلام.
تحركت شمس خلفه تحاول مواساته توقف ينظر إليها باهتمام
_ بلاش تفكري في الخارجية يابنت عمتو ادخلي كلية حققي حلم يتحقق
ياله باي.
توقفت تردد حديثه وتجمعت الدموع بعينيها
_للأسف ياآسر عرفت دا بس متأخر..
قالتها واستدارت..وجدت إلياس بوجهها
_ واقفة كدا ليه حبيبتي
_زعلانة على آسر يابابي كان بيحلم أوي بالنيابة.
بوصول أرسلان
_حاولت أساعده وإسحاق تدخل للأسف قوانين مينفعش.
_ أومأ متفهما ثم قال
_قولتها زمان علشان كدا محبتش أربط ولادي بأوهام.
رفع ذقن شمس
_علشان كدا مفيش سياسة واقتصاد حبيبة بابي.
_خلاص يابابي هدخل طب زي يوسف
قالتها وتحركت بهدوء رغم حزنها..
تابعها أرسلان بعيون حزينة
_ابعتها تخرج مع ضي..يغيروا جو..
أومأ له ثم أشار بالدخول.
بعد فترة..
جلست أمام المرآة تنهي زينتها تذكرت غضبه صباح اليوم عليها بسبب ثيابها الضيقة نهضت تعدل من وضع فستانها ثم قامت بوضع بعض المساحيق التجميلية..خرجت وقامت الاتصال بشمس
_حبيبتي ياله هنتأخر.
ردت على الجانب الآخر
_ خلاص نازلة أهو قالتها بخروج يوسف وبلال من غرفة الرياضة استدار بلال يطلق صفيرا
_ماتيجي أتجوزك ياشموسة.
رمقه يوسف بغضب
_لم نفسك يادكتور عيب.
غمز إليه
_ أنا آخد أختك وإنت تاخد أختي.
_ ياخدك ربنا يابعيد..قالها وخرج خلف أخته وجدها تتجه نحو ضي التي ترتدي فستانا من اللون الأسود.. زم شفتيه وسحب عيناه من ناحيتها مع وصول بلال..الذي تحرك أليها بعدما وجدها بذلك الفستان الذي حذرها منه
_إيه اللي إنتي لابساه دا.
_رايحة حفلة عيد ميلاد صاحبتي مالكش دعوة وروح عند صاحبك السوسة وقوله بلاش حركاته دي أنا متأكدة إنه هو اللي قالك..
قالتها وصعدت الى السيارة وتحركت مع ذهول بلال من ردها.
في اليوم التالي
دلف يوسف إلى الحرم الجامعي..
لم يلبث أن وقعت نظراته عليها واقفة أمام أحد الزملاء والضحكات تتعالى بينهما تدغدغ المكان كشرر مستفز
_خلاص هنسهر للصبح قالتها وأشارت إليهم..
_ بس طبعا في حدود ياإيمي إنتي وخطيبك ومها وخطيبها مش مشكلة وهجيب بنت عمي وكمان بنت خالو يزن متقلقوش هنحجز على النيل..
هناك أعين قبيحة تترصد الحديث
_طيب ياضي وأنا مش معزوم.
لم تكد ترد عليه حتى اقترب ذلك الذي اشتعلت نيرانه..
تقدم نحوها بخطوات متسارعة كمن فقد صوابه وكل خطوة تشعل الغضب أكثر..
اقترب
_ امشي قدامي يامحترمة!
توقفت فجأة تشد يدها من قبضته بعنف وغضب جارف
_ إنت إزاي تسمح لنفسك تعمل كده اتجننت وبعدين بتراقبني ليه جاي الكلية ليه أصلا! ابعد عني!!
وقبل أن تكمل ارتسمت على وجهه ملامح الجنون ولم ير سوى يد
شهقة علت من حولهم ومع ذلك لم يتوقف وسحبها بغضب جارف تقدم منها ذلك الشاب يحاول التدخل فوقف أمامها مدافعا
_ في إيه ياضي مين ده
غلت الدماء في عروقه قبض ا
_
_ يلا على العربية!
أشار للحارس الخاص بها وهو يفتح الباب
_ وصل الأنسة لحد البيت فورا.
اقترب منها وهمس بصوت منخفض لكنه أشبه بصفير أفعى
_ أقسم باللهماهرحمك لو ماسمعتيش الكلام.
تجمدت في مكانها وعيناها ترتجفان بالدموع والذهول بينما اقتربت إحدى الفتيات بخطوات مترددة
_ دكتور يوسفروحت فين كنت بدور عليك!
استدار ببطء يسحب أنفاسه محاولا كبح الغليان الذي بداخله ثم قال بابتسامة مصطنعة وعيناه لا تزالان تحترقان بالنظر إلى ضي
_ آسف يامروة..يلا اتأخرنا.
مساء اليوم..
ترجلت من سيارتها مع خروج يوسف الذي قطب جبينه ناظرا إلى ساعته
_ كنتي فين ياحبيبتي
_ كنا بنحتفل بعيد ميلاد ضي هما جايين
لم تكمل حديثها إذ توقفت سيارة غرام ونزلت منها ضي مسرعة نحو يوسف وجهها مشتعلا بالغضب
_ كنت فين حضرتك! بقالك أربع ساعات!
زوى حاجبيه بدهشة ثم قال بحدة
_ وإنتي مالك اتجننتي يابت ولا إيه
قالها تزامنا مع خروج أرسلان وحمزة من المنزل
_ إنت بتكلمني كده ليه
اقترب منها خطوة
_ ضي متنسيش نفسك..إنتي لا أختي ولا ليكي حق تسأليني كنت فين.. خليكي في نفسك عندك أخوكي أهو اتحكمي فيه ولو على اللي حصل النهاردة فدا علشان عايزة تأهيل تربية
صرخت بغضب مجنون
_ لا ياحبيبي! أنا أكتر واحدة ليا الحق فيك سمعتني!
تطلع إليها مذهولا عيناه كادتا تخرجان من محجريهما من الصدمة فتابعت بانفعال أشد وصوتها يعلو وسط وجوه العائلة المذهولة
_ أنا بقولك قدام بابا ياابن عمي..إنت حقي أنا واخبط دماغك في مليون حيطة!
قالتها تزامنا مع خروج الياس وميرال.
اقترب منها إلياس بخطوات سريعة وجهه يشتعل غضبا
_ بت إنتي اتجننتي!
غرست عينيها في عينيه متحدية وهمست بصوت منخفض لا يسمعه سواه
_ والله لأدفعك حق القلم غالي ياابن عمي
ثم استدارت نحو والدها تهتف
_ الدكتور المحترم راح الجامعة وقال لكل الدفعة إني خطيبته!
مش كده يادكتور مش دا إعلان رسمي
رفعت ذقنها وقالت متحدية
_ والصراحة أنا مش هلاقي أحسن منك ياابن عمي ياجميل.
شهقات متتالية خرجت من الجميع ماعدا الياس الذي كان يراقب نظراتها الثابتة نحو ابنه ثم رفع صوته الهادر قائلا
انتهى الفصل اتمنى ينال اعجابكم
ورجاء متنسوش التفاعل عليه
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
أتبوح بامتلاكي أمام الجميع
ثم تنكرني حين نكون وجها لوجه وكأن قلبي لم يكن له مكان في عالمك.
أما أنا فلا أملك هذا التناقض
فها أنا أعلنها بصراحة
لقد امتلكت روحي قبل قلبي
وعقلي قبل نبضي
وصرت في كما يتخلل الضوء أعماق البحر
لا يرى لكنه يسكن كل شيء
وأنا أسير وحدتي بين هذا الحب المنكر
صمتك وأبكي قلبا لا يملكه إلا أنت
وأعشقك كما يعشق القلب ما يستحيل امتلاكه
ومع ذلك يركض نحوه بكل جنون.
تجمد الجميع بالمكان للحظات بعد جملتها الجريئة.
شهقات خافتة همهمات مكتومة ووجوه مصدومة تتبادل النظرات بين ضي ويوسف نظر اليها بوجه شاحب كمن تلقى صفعة
_موافقة على إيه ياضي اتجننتي! إنتي عارفة إني مش طايقك.
رغم حديثه الذي اخترق صدرها كالخنجر
_بس أنا موافقة خليك قد كلمتك ياراجل.
قالتها بتحدي ممزوج بالعناد..
كل هذا والجميع في حالة صدمة وترقب أفزعهم صوت إلياس الذي يراقبهم بصمته الحاد المميت كالسوط
_ تعالولي على المكتب أنتوا الاتنين!
التفتت ضي نحوه بعينين مرتجفتين
_ بقولك ياعمو...
لكنه لم يرد فقط أعاد كلماته بجمود يخفي وراءه إعصارا
_ قلت تعالوا لي على المكتب.
_استنى ياالياس لازم أعرف إيه اللي حصل.. تمتم بها ارسلان بعيونا كادت ان تخرج على محجريها
استدار الياس دون حديث بينما
تحرك يوسف بخطوات سريعة دون أن يلتفت إليها وكأنها لم تكن.
أما هي فبقيت للحظة كأنها فقدت توازنها إلى أن اقترب أرسلان بخطوات ثقيلة ونظرات تجمع بين الغضب والخذلان
_ أنا مربي بنتي على الثقة بالنفس..مش على الوقاحة وقلة الأدب.
سكت لحظة يزفر غيظه
_من إمتى وإنتي وقحة كدا!
_ بابا..
رفع إصبعه أمام وجهها يأمرها بالصمت وأردف بصوت خفيض لكنه يحمل ألف تهديد
_ عملتي إيه يابنت أرسلان علشان يوسف يقول كده وكلنا عارفين علاقتكم ببعض شوفي عمك وتعالي.
استدار بعدها نحو غرام التي كانت تتابع المشهد بعينين دامعتين لم يتكلم فقط نظر إليها طويلا بصمت موجع ثم أشار إلى حمزة
_ ادخل ياحبيبي.
حاول التماسك وهو يربت على كتف حمزة بابتسامة باهتة
_ آسف ياحبيبي..ضي مجنونة شوية.
رد حمزة بخفوت حزين
_ تعرف..معرفتهاش كبرت أوي.
ابتسم أرسلان لكن داخله كان يحترق..فابنته لم تكبر فحسب بل جرحته بوعيها بتمردها وبعينها التي صارت ترى شخصها على الجميع..
دلف إلى مكتب والده وجهه لوحة من الغضب الحارق والعروق في صدغيه تنبض كأنها على وشك الانفجار.
أخرج إلياس سيجارته وأشعلها بهدوء ثقيل يتابع انفعالات ابنه دون أن ينطق خاصة حين اتجه إلى شرفة المكتب يبتلع أنفاسه النارية محاولا السيطرة على ذاته.
لم تمر دقائق حتى دلفت ضي بخطوات واثقة وكأن من يراها لم يقل أنها تلك التي ألهبت الجميع بنيران جرأتها قبل غضبها.
أشار إليها إلياس بالجلوس فجلست متصلبة رمقت الذي يدير لها ظهره وقلبها يئن من الألم والحزن..
صاح بصوت خافت يشق الصمت
_يوسف..
نطقها وهو ينفث دخان سيجارته وعيناه تتنقلان بين وجه ضي وظهر ابنه.
استدار يوسف أخيرا وجلس دون أن ينبس بكلمة لكن ساقيه كانتا تظهر عصبيته الواضحة.
نظر إلياس إليها ثم قال بنبرة ثابتة
_سامعك ياضي.
رفعت نظرها إليه وقالت
_أنا قولت ياعمو اللي حصل.
اقترب إلياس بجسده من مكتبه واستند بمرفقيه عليه عيونه تضيق باهتمام
_لا ياعمو..إنتي قولتي غضبك من يوسف ونتيجة حرقة قلبك..بس ماقولتيش اللي حصل فعلا.
التفتت تنظر إلى يوسف الذي جلس في برود يثير جنونها كأنه حجر لا قلب له.
ارتجفت أنفاسها قبل أن تقول بصوت متقطع
_ابن حضرتك أهانني في الكلية قدام زمايلي.
زم إلياس شفتيه يكرر ببطء ثقيل كمن يختبر وقع الكلمة
_ابن حضرتك..يعني مش يوسف
ارتجفت شفتاها واختنقت عيونها بالدموع ثم همست
_ضربني بالقلم ياعموقدام الكل..وقال إني خطيبته.
التفت إلياس بسرعة نحو ابنه نظراته كالسياط لكن يوسف بقي كما هو..صامتا ساكنا كأنه ليس الذي يحكى عنه بل جلس بثبات قاتل أو كأنه لا يرى نفسه مذنبا بما فعله.
_إيه اللي بنت عمك بتقوله دا إنت أكيد اتجننت إنت ناسي نفسك
ظل كما هو يستمع إلى والده وعيناه تنظر إلى الخارج من خلال الشرفة..كأن روحه تائهة أنفاسه بطيئة وجهه متماسك..لكن في عينيه نار مكبوتة توشك أن تلتهم الصمت... لحظات الى إن انتهى والده من توبيخه فاستدار اليه
_ أنا ابن عمها زي ماحضرتك قولت واللي اتعلمته واتربيت عليه لما أشوف الغلط مااسكتش.
استدار نحوها بنظرات أشبه بصفعة ثانية كأنها تجردها من كل ماتبقى من كبرياء وهدر بصوت غليظ غارق في الغضب المكبوت
_لما أشوف بنت عمي اللي تحمل دمنا واسم العيلة
شهقة خرجت من فمها كأن أحدهم انتزع منها الروح و ارتجف جسدها وبريق الدموع لم يعد يحتمل لينذرف على خديها بينما إلياس جلس كتمثال من نار السيجارة تحترق بين أصابعه دون أن ينتبه حتى انطفأت في رمادها وعيناه على ابنه بأنفاس تتسارع كأن قلبه هو الآخر يدخن وجعا.
رمقها يوسف بحدة ورغم دموعها إلا أنه واصل بقسوة تقطر سما
_ماتقولي يامحترمة ليه ضربتك بالقلم وجاية بكل بجاحة توقفي قدامي لو موضوع خطيبك دا مضايقك أوي مستعد الصبح أروح لك الجامعة وأفهمهم..يمكن زعلانة على حد
سقطت الكلمات عليها كالرصاص..
تشعر و كأن الأرض سحبت من تحت قدميها.
هنا فقدت النطق وانسابت دموعها بغزارة حتى ارتجفت شفتيها بدخول أرسلان الذي استمع إلى كلمات يوسف
_يوسف..صرخ بها أرسلان مقتربا منه بعقل فقد السيطرة وأمسكه من تلابيبه
_إنت اتجننت!! إيه اللي بتقوله دا!
شعر يوسف بالحزن من حالة عمه اتجه بنظره إلى ضي التي شحب وجهها ولم تتفوه بحرف ثم رفع عيناه إلى أرسلان
_ آسف ياعمو أنا بس كنت مضايق منها وعايز أغلطها قدام بابا وبس قالها والتفت إليها
آسف يابنت عمي وزي ماقولت لك بكرة هروح أصلح غلطي.
رفع عيناه إلى أرسلان الذي مازال تحت تأثير صدمة مااستمع إليه
_عمو آسف بجد حضرتك عارف إني عصبي وممكن أكون اتجاوزت حدودي معاها أرجوك متزعلش مني..
قالها وتحرك مغادرا للخارج..بينما ظل أرسلان ينظر إلى ابنته التي تبكي بصمت اقترب منها بخطوات ثقيلة مع وقوف إلياس قائلا
_ضي قومي روحي ومتزعليش من يوسف حبيبتي هو شاب والشباب دايما بيكونوا منفعلين.
_معملتش حاجة.
قالتها بنحيب باك تتقطع أنفاسها كأنها تخرج الألم مع كل كلمة..
انحنى أرسلان بجانبها كأن العالم انهار فوق كتفيه حاوط مقعدها بذراعيه وصوته يرتجف وهو يهمس
ليه ياضي ليه يوسف قال كده! أنا متأكد إنه مش بيكذب..احكيلي إيه اللي حصل ومين الشباب اللي يقصدهم
رفعت وجهها نحوه عيناها متورمتان دموعها تتساقط بلا توقف وقالت بصوت مبحوحا من البكاء
_بابا
قالتها كطفلة تستنجد من غرقها ثم تابعت وسط شهقات متلاحقة
كنت واقفة مع صحابي..بنتكلم عن عيد ميلادي..والله العظيم يابابا كنت بس يوسفيوسف
توقفت وانهارت شهقاتها حتى تعالت أنفاسها لدرجة الألم..
شعر أرسلان وكأن الأرض انسحبت من تحته جسده كله ارتعش وعروقه انتفخت بعنف مكبوت.. تراجع
يتمتم بصوت متقطع بالكاد خرج من صدر يحترق
منين جاتله الجرأة يعمل كده!!
مد يده فجأة ورفع كفيها المرتجفتين وأردف بصوت غليظ كالرعد الذي يسبق العاصفة
_امشي من قدامي ياضي..امشي قبل ماأعمل اللي يوسف عمله
تجمدت عيناها تلمعان بالدموع وقلبها ينزف من الخوف من وجع والدها
نظرت إليه نظرة طويلة مرتجفة كأنها تقول سامحني دون أن تنطق
ثم التفتت نحو إلياس الذي كان يراقب المشهد بصمت ثقيل..
أشار إليها برفق ظاهري وبنبرة خافتة تحمل تحتها ألما خفيا
_ روحي دلوقتي ياحبيبتي..وأنا بتأسف لك نيابة عن يوسفمتزعليش منه خايف عليكي..وأنا بوعدك مش هخليه يقرب منك تاني وبالنسبة للي قاله متأكد دي نيته إنتي زي شمس يعني لو شمس عملت كدا كان دا رد فعله.
رفعت عينيها إليه بذهول موجع
كأنها تلقت طعنة ثانية لا تقل قسوة عن الأولى..
نهضت بخطوات متعثرة والدموع تحجب عنها الطريق قلبها ينفطر
وهي تسمع خلفها صوت أرسلان يخنق أنفاسه ركضت الى المنزل بخروجه يصطدم بها بعدما صعد وأبدل ثيابه..
توقفت تنظر إليه بخذلان..ترك ذراعيها وقال
_على مهلك..كنتي هتوقعيني.
ابتلعت ريقها وأزالت دموعها بعنف تكره نفسها من ضعفها أمام أحد وخاصة أمامه سحبت نفسا تزفره بهدوء بعدما تحرك ولم يكترث لبكائها..
_دكتور يوسف.
توقف يستدير إليها..لتقترب منه
_أنا مكنتش هسكت للولد بس رغم كدا بشكرك على تدخلك..دنت خطوة من وقوفه وطالعته بعيون مستاءة
_شكرا لكرم أخلاقك ولإعادة التربية بس زي ماقولت بابا وبلال أولى بتربيتي ابعد عن قليلة التربية ويوم ماأفضح العيلة يبقى اتبرى مني..
قالتها وانسحبت من أمامه تخطو بخطوات واسعة ثم قامت بجذب حجابها وألقته على الأرض تدوس عليه بحذائها وتحركت إلى منزلها كل هذا وهو يراقبها بصمت ولم يغيب المشهد عن ميرال التي توقفت تتابع مايحدث..خطا الى الحجاب الملقى على الأرض لم يلفت انتباهه في بداية الأمر ولكن بعد نزعه بتلك الطريقة علم أنها أحرقت كل مايخصه اقتربت ميرال تجذب من بين يده الحجاب
_سيبه هغسله وأبعته الواحدة لما تبقى مضايقة من حبيبها أول حاجة بتفكر فيها تحسسه بنارها ودا اللي عملته.
استدار إلى والدته
_ماما ضي مش حبيبتي قولتلك قبل كدا مليون مرة.
_متأكد..
_وحياة ربنا مافي مشاعر ليها عندي أتمنى الموضوع دا يتقفل بلاش كلامك ونظراتك اللي بتحسسني إننا دايبين في بعض.
_يوسف..أنا أمك..وأكتر واحدة أفهمك.
_ماما مبحبهاش..صدقي بقى مبحبهاش..قالها واتجه إلى سيارته بعدما وضع الحجاب بكفيها.
بمنزل مالك..
تسحبت بهدوء من جوار طفلها ثم نهضت للخارج تسحب نفسا وهي تجمع خصلاتها وقعت عيناها على زوجها الذي غفى بنومه ..خطت إليه بهدوء تسحب طفلتهما فتح عيناه أومأت هامسة
_هدخلها أوضتها..قالتها وهي تحملها متجهة إلى الداخل بينما اعتدل بجلوسه يجمع ألعاب ابنته مع خروج غادة.
_حبيبتي قومي نامي في الأوضة وأنا قدامي ساعتين لسة على الشغل.
_لا هنام هنا علشان لو حد من الولاد صحي.
_معرفش ليه مشيتي المربية طيب أنا وافقت في الأول علشان مكنش فيه غير فريدة بس دلوقتي معاكي ولد كمان.
_محبتش نانا تربي ولادي يامالك عايزة أعيش تفاصيلهم.
قائلا بصوت خافت يغلبه القلق
_غادة الإرهاق باين عليكي أنا مش مرتاح لحالتك دي..فارس كبر ياحبيبتي والنانا ممكن تساعدك شوية..مش بقولك تبعدي عنهم بس اهتمي بنفسك شوية علشانهم وعلشاني.
أومأت برأسها في إنهاك ثم أطبقت جفنيها واستسلمت لنوم سريع ثقيل.. يحدثها همسا ظنا منه أنها مازالت تسمعه لكن كلماته ذابت في صمت نومها. وضع رأسها على الوسادة برفق جلس بجوارها للحظة يتأمل ملامحها المرهقة ثم نهض وسحب علبة سجائره متجها نحو الشرفة.
لم يكد يشعل سيجارته حتى دوى رنين هاتفه التقطه على الفور
_أيوه ياماما
جاءه صوت ليال ناعما على الجانب الآخر
_حبيبي عمك هنا..انزل إنت وغادة شوية وكمان هات
________________________________________
الولاد نفسهم يشوفوهم.
مسح على وجهه بتعب يحاول كبح انزعاجه الذي بدأ يتسلل من جديد فهذه ثالث مرة تكلمه والدته لنفس السبب..سحب نفسا من سيجارته وقال بصوت متماسك
_سلميلي عليه ياحبيبتي بس أنا نازل شغل ضروري ومش عارف هرجع إمتى..وغادة نامت دلوقتي.
تنهدت ليال بغيظ مكتوم ثم نهضت أمام ضيوفها ورسمت ابتسامة مصطنعة..ابتعدت بضع خطوات وقالت له بنبرة أم متعبة
_أنا مش كلمتك قبل كده يامالك
_عارف ياماما والله آسف بس حضرتك عارفة ظروفي.
_ظروف إيه ياابني بقالي أسبوع ماشوفتش مراتك ولا ولادك..لو مش فوق مني كنتوا نسيتونا خالص.
_ماما آسف والله لازم أقفل..اتأخرت.
أنهى المكالمة بتأفف واضح ثم التفت نحو الاريكة إلى تلك التي تغط في نوم عميق لا تدري شيئا عن اشتعاله الداخلي..
فتحت عينيها نصف فتحة وهمست بتعب
_مالك بتعمل إيه
اجابها بنبرة خشنة حاول أن يخفي خلفها ضيقه
حاولت أن تعترض لكن الإرهاق سحبها من جديد إلى غيبوبة النوم. ثم دثرها جيدا وجلس على المقعد المقابل يحدق في ملامحها المنهكة...
ظل على تلك الحال حتى غلبه النعاس فنام هو الآخر
بمنزل طارق..
خرجت من المطبخ تحمل طبقا مملوءا بالفواكه تتهادى بخطوات هادئة بينما تبحث عنه بعينيها..لمحته يقف بالشرفة الهاتف بيده يتحدث به وطفله بين ذراعيه.
وضعت الطبق على الطاولة واقتربت منه وماإن وصلت حتى تلقفت صغيرها بحنان من بين ذراعيه وتوقفت تستمع لحديثه الحازم
جهزيه في ملف واحفظيه على اللاب ولما أرجع فكريني بيه..وبالنسبة للأوراق اللي محتاجة إمضاء ابعتيها لمدام رحيل أنا مش هرجع غير بعد يومين.
أنهى المكالمة واستدار نحوها ليجدها تنظر إليه بنظرات غاضبة
مالك ياحبيبتي واقفة كده ليه
ردت بصوت يحمل خليطا من الغضب والغيظ
_مش قولت إن البت دي ماتتواصلش معاك مش قولت هتغيرها لسه موجودة بتشتغل عندك ليه
تنهد بعمق وهو يومئ نحو الطفل بين ذراعيها
هند الولد هيصحى...وطي صوتك..دخلي علي أوضته وخلينا عقلاء شوية..أنا قولتلك عملنا إعلان لسكرتيرة جديدة مش كل مرة هنفتح نفس الموضوع.
احمر وجهها من الغيظ تنادي على المربية التي هرعت بخطوات سريعة
نعم يامدام
_خدي علي دخليه أوضته وخلي بالك منه.
ثم استدارت إليه لتجده يجلس ببرود أمام التلفاز يتناول الفاكهة وكأن شيئا لم يكن.
تقدمت بخطوات سريعة انتزعت جهاز التحكم وأغلقت التلفاز بعنف تصرخ بانفعال مكتوم
أنا بكلمك وإنت قاعد تاكل ولا
رفع نظراته إليها ببرود متعمد ثم نهض بهدوء أثار جنونها أكثر وقبل أن تنطق كلمة
بمنزل يزن..
دلفت إلى غرفة ابنتها وقامت بفتح النافذة
_رولا..حبيبتي قومي الساعة داخلة على اتناشر ومرحتيش عايدتي ضي وزمانها زعلانة منك.
اعتدلت متأففة تجمع خصلاتها
_ماما أنا كنت تعبانة كان عندي محاضرات كتيرة وأنا قولت لها تعذرني.
اقتربت رحيل تقف أمامها وتتطلع إليها بصمت مخذي
_أه وبعد كدا نسهر للصبح وهكذا حالنا ليه بقى علشان حياتنا غلط وياريتك بتحضري كل محاضرتك..
نفضت غطاءها واعتدلت من فوق الفراش تقترب من والدتهاا
_مامي الجميلة