رواية بقلم سيلا وليد
وقال بنبرة حازمة
تقدمت نحوه محاولة الحديث لكنه قاطعها بحدة
_لو ماطلعتيش.
تجمدت للحظة أخرى نظرت إلى ظهره بصمت موجوع ثم استدارت وغادرت الغرفة بخطوات مثقلة.
وقفت بالخارج تدور حول نفسها في الغرفة تريد ان تدلف إليه وتصفعه على وجهه.
لم يمض وقت طويل حتى خرج من الداخل ماإن رأته حتى توقفت في منتصف الغرفة تواجهه بنظرات مثقلة بالخذلان ثم اقتربت إلى أن توقفت أمامه
_أنا..أنا ماستهلش منك دا
تمتمت بها بصوت مرتجف وتابعت حديثها
_وشكرا على أحسن يوم.. دمرته بقرارتك الأنانية..
وشكرا كمان علشان مكنتش قد وعدك.
مر بجانبها دون أن يلتفت كأنها لم تكن موجودة.
اتجه إلى الكومودينو فتح الدرج وأخرج علبة سجائره بهدوء استفزها أكثر من أي صراخ.
شعرت أن عقلها سيفلت منها ركضت إليه وانتزعت العلبة من يده بعنف ألقتها على الأرض وسحقتها بحذائها.
ثم رفعت عينيها نحوه وعيناها تقدحان شررا
_مش المفروض إننا عرسان!
ولا خلاص
ظل صامتا يتأملها ببرود قاتل كأن غضبها لا يعنيه...وكلماتها كأنها هواء.
أما هي فكانت تقف أمامه كبركان على وشك الانفجار..
ما بين أنين قلبها وكبريائها الذي يحتضر.
رفع هاتفه ببرود واضح وأجرى اتصالا
_أيوه يا بلال.
جاءه الصوت من الطرف الآخر بمرح لا يعرف شيئا عما يحدث
_صباح الخير إيه الأخبار
كانت تتابعه بعينين مرتجفتين تخشى أن يتحدث عن شيء يفضح وجعهما اقتربت منه بارتباك وهمست
_يوسف..هتعمل إيه
سحب ذراعه من بين يديها دون أن ينظر إليها وقال بجمود قاتل
_لو فاضي تعال وصلنا المطار.
سكت بلال للحظة ثم سأل بنبرة قلقة
_يوسف..إنت كويس صوتك غريب.
ابتسم يوسف بمرارة وهز رأسه
_لسه صاحي من النوم...عارف الواحد مالحقش ينام عندي صداع..
معلش يا حبيبي الطيارة قدامها ساعة لو فاضي تعال.
ضحك بلال بخفة
_ولو مش فاضي يا جو المهم البت ضي عاملة إيه
نظر يوسف إليها نظرة طويلة فيها من الألم مايقتل ثم قال
_خد كلمها بنفسك.
مد الهاتف ووضعه بين كفيها برفق موجع ثم ابتعد نحو الشرفة.
نظرت إليه للحظة قبل أن ترفع الهاتف إلى أذنها وتتنفس بارتباك تحاول كبحه
_صباح الخير يا حبيبي.
ضحك بلال من الطرف الآخر بعفويته المعتادة
_صباح الجمال يا حبيبتي عاملة إيه.. والواد جو عامل معاكي إيه لو زعلك في حاجة عرفيني بس..وشوفي هعمل فيه إيه..
خليكي فاكرة إنك أهم حد في الدنيا دي كلها.
انسابت دموعها بصمت سالت على وجنتيها دون أن تنطق للحظات ثم
قالت بصوت مختنق تحاول تماسكه
_كويس يا بلال..أنا اللي هقولك عن يوسف..بعدين هقفل دلوقتي علشان أجهز.
_تمام يا حبيبتي هستناكم تحت.
أنهت المكالمة تنفست بعمق محاولة كبح ارتجاف أنفاسها نظرت نحوه
وهو يقف في الشرفة ينظر إلى الفراغ البعيد بشرود ثقيل.
وضعت الهاتف على الطاولة ثم اتجهت إلى الحمام..لا تدري أتغسل وجهها من الدموع
بعد فترة خرجت من الحمام وجدت أنه سبقها إلى الخارج.
أسرعت بخطوات مضطربة حتى أبصرت بلال يقف إلى جوار السيارة
_وحشتيني يا ضي أنا.
ضحك وهو يدور بها في الهواء
_أول مرة أصحى من النوم ومانغلسش على بعض.
تكورت الدموع في عينيها لم تستطع المقاومة أكثر
وهو يقول ضاحكا
_إيه يا بنتي اللي يشوفك يقول بقالنا شهور ماشفناش بعض!
في تلك اللحظة استدار يوسف عيناه تقعان عليها وهي تكاد تختفي بين ذراعي أخيها.
توقف لبرهة أشعلا في داخله نارا مكتومة فأغلق باب السيارة الأمامي بعزم واضح واتجه نحوهما.
اقترب بخطوات ثابتة ثم قال بصوت خافت
_روح يا أخويا سوق العربية..من أولها كده
رفع بلال حاجبه بمزاح ساخر
_وأنا السواق بتاع جنابك يا خويا
لم يرد يوسف اكتفى بفتح باب السيارة يساعدها على الجلوس دون أن ينظر إلى وجهها..جلست بصمت تتنفس بارتباك وهي تحاول قراءة ملامحه الباردة.
ثم دار حول السيارة وجلس بجوارها أشار لبلال بيده وقال بحدة خفيفة
_يلا يا بني سوق..لو هتوصلنا.
تحركت السيارة أخيرا بينما كانت عيناها تلاحق ملامحه من حين لآخر...
كان يتحدث بهدوء مصطنع مع أخيها يضحك أحيانا يرد أحيانا...
لكنها كانت تقسم في داخلها أن هذا الرجل الهادئ الآن..ليس ذاته الذي كان قبل لحظات الآن ينهار بصمته يكتم وجعه حتى لا يفضحه النفس.
رمقها بنظرة جانبية..تبسمت بداخلها
دنت تهمس إليه
_ليه..ليه كسرتني
اتجه بنظراته إلى بلال المنشغل بالطريق يردد مع كلمات الأغنية التي يدوي صوتها بالسيارة ثم اتجه بنظراته للخارج يهرب من نظراتها وحديثها رفعت أناملها تدير إليها بعدما علمت خوفه أن يشعر بلال بشيء.. فحاولت الضغط عليه
_ساكت ليه رد عليا ليه عملت كدا
_عملت إيه فكريني كدا..مش فاكر حاجة وأحسن لك مفتكرش علشان لو افتكرت هنتوجع.
_يوسف.
_آسف متزعليش مني نعدي الفترة دي وأرحمك من الأناني.
نزلت دمزعها همست اسمه
_يوسف بتقول إيه!
نظر بلال إلى المرآة بعدما أخفض صوت الأغاني وقال
_هتقعدوا كتير يا يوسف في شرم
_أسبوع جدو هيعمل العملية بعد عشرين يوم ولازم أكون موجود.
_مش مشكلة حبيبي إن شاءالله العملية تنجح وتعوضه.
_إن شاءلله...
وصلت السيارة بعد دقائق إلى المطار ترجل من السيارة بينما حمل بلال حقيبتهم ودلف للداخل معهما الى أن غادرت الطائرة المطار.
بفيلا الجارحي..
دلف إسحاق إلى غرفة نجله وجده يقف أمام المرآة يطلق صفيرا توقف خلفه يستند على المقعد يراقبه بصمت إلى أن انتهى مما يفعله.. استدار فوجد والده ابتسم واقترب منه
_صباح الخير يا بابا.
_صباح الخير..دا إيه المزاج العالي دا على الصبح.
اقترب منه ونظر لعينيه
_ادعيلي رايح لعمو إلياس أشوف رده إيه اتفقت مع عمو أرسلان وعملت حاجة كدا يمكن يوافق.
_مستعجل ليه يا حمزة مش قولت لما نشوف رد اللجنة إيه حبيبي.
وتحرك وهو يهتف
_بابا ماليش دعوة بقرار اللجنة سواء وافقت ولا لأ هتجوز البنت يعني هتجوزها.
_حمزة استنى لازم تصبر إنت كدا بتحط مستقبلك في خطر.
_مش مهم..تمتم بها وتحرك وهو يلوح بكفه خرج إسحاق خلفه بخروج دينا مع الخادمة تحمل قهوتهم
_حمزة خرج
وقف متخصرا ينظر إلى مغادرة ابنه
_الواد دا هيجنني راح لإلياس تخيلي.
_إزاي يعني مش لما نعرف رد شغله إيه
رفع كفيه وأعاد خصلاته للخلف بغضب
_ربنا يستر لما نشوف أخرتها.
اقتربت دينا وأردفت بنبرة هادئة كي تسحب غضبه
_حبيبي اهدى ممكن الواد بيحبها أوي وشوفت دا في الفرح عايز إيه أكتر من إنه يخصص لها رقصة قدام الكل.
سحب إسحاق المقعد وجلس عليه وكل خلية في جسده تنتفض
_أنا مش معترض بس مستقبله هو مش فاهم حاجة الحب خاطف عقله..
عايزه يهدى ويفكر في مستقبله أنا متأكد إلياس هيرفض أصلا.
ربتت على كفه وأردفت بحنان
_ سيب كل حاجة ماشية زي ماهي أنا حاولت معاه وفاروق حاول بس هو بيحبها والصراحة البنت تتحب أوي.
زفر إسحاق بغضب وأومأ برأسه مردفا بامتعاض
_ماأشوف أخرتها إيه.
بفيلا السيوفي
انتهى من طعامه وتحرك إلى الحديقة يتحدث بالهاتف مع مالك في أمور العمل دلفت سيارة حمزة من البوابة الرئيسية أنهى مكالمته واقترب منه ترجل من السيارة يهز رأسه واقترب مبتسما
_عمو إلياس إزي حضرتك
_أهلا حبيبي عامل إيه وباباك عامل إيه
أومأ مبتسما وهز رأسه بخفة
_كويس الحمد لله.
قالها وعيناه تحاوطان عيني إلياس المستفهمة ثم اقترب منه وأخرج من جيبه علبة صغيرة مزخرفة توحي بأنها تخبئ قطعة نادرة من المجوهرات.. فتحها أمامه وقال بنبرة حماس خافتة
_إيه رأي حضرتك
قطب إلياس جبينه ينظر إلى تلك الجوهرة التي تلمع كأنها تحدثه بلغة لا تفهم
_إيه دا يا حبيبي..دا خاتم ألماس
أومأ مبتسما..أخرجه برفق ووضعه بين يدي إلياس فاقترب أرسلان مد يده وسحبه يدقق النظر فيه.
كان خاتما مهيبا يتوسطه ألماسة زرقاء صافية كقطرة من السماء تحيط بها هالة من ألماس أبيض يفيض بالضوء مثبتة على قاعدة من بلاتين يلمع كبريق القمر.
يكفي أن تقع عليه العين ليخفت كل ماحوله..كأن النور اختار أن يسكن فيه وحده.
وحين يرفع إلى الضوء يشتعل بريقه كوميض برق راقص يدهش كل من يراه.
لم يكن مجرد زينة بل رمز للترف الملكي...وحلم لا يشترى لأن من يملكه كأنه يملك نجمة هبطت إلى الأرض.
_حلو أوي يا عمو بس إيه المناسبة
سأل أرسلان بنبرة هادئة تخفي خلفها علمه المسبق بنية حمزة لكنه أراد أن يستدرجه ليقنع إلياس بنفسه.
قال حمزة دون تردد
_دا خاتم خطوبة لشمس كنت باخد رأي عمو إلياس..وقبل مايفكر إني بغريه بالخاتم أحب أوضح إني جبت الخاتم لقيمة شمس مش لأي سبب تاني.
قطب إلياس جبينه محاولا استيعاب مايسمعه لكن حمزة تابع بثقة لا تهتز
_حضرتك يمكن تكون مستغرب عرفت مقاسها إزاي بس الموضوع مش صعب خالص.
ظل الصمت مخيما بينما نظرات إلياس تتقلب بين الدهشة والغضب المكتوم كأنه لا يصدق أن هذا الفتى تجرأ على قول ماقاله.
ضحك أرسلان محاولا كسر حدة الجو وقال بخفة
_مبروك يا حبيبي متنساش تعزمنا على الفرح.
التفت إليه إلياس بغتة يهدر بصوت حاد
_هو دا وقت للتريقة يا أرسلان!
ثم عاد بنظره نحو حمزة صوته صار أكثر ثقلا وحدة
_عايز إيه بالظبط يا بني مش فاهم كلامك.
أجابه حمزة بثبات واضح
_عايز تحددوا موعد كتب الكتاب بابا قالي إنكم مبتعملوش خطوبة بتدخلوا على كتب الكتاب على طول.
انفجر أرسلان ضاحكا لم يستطع كبح
_طيب وجبت الفستان كمان ولا لسه
ارتبك حمزة للحظة ثم استجمع هدوئه وقال بابتسامة حاول أن يجعلها جادة
_لا خفت مايعجبش العروسة... فابستأذن عمو إلياس آخد شمس لأي ديزاينر تعمل اللي هي عايزاه.
ساد الصمت لحظة طويلة تلتقط فيها الأنفاس قبل أن ينفجر إلياس ضاحكا ضحكة هستيرية تملأ المكان يصفق كفيه ببعضهما بقوة كأن شيئا فيه انكسر أو اشتعل حتى ليقسم من يراه أنه أصابه مس من الجنون.
خرجت ميرال على صوت ضحكاته التي ملأت أرجاء الصالة تتبعها فريدة تتمتم بقلق واضح
_خير يا رب إيه إلياس بيضحك كده ليه يا ميرال
هزت ميرال كتفيها بدهشة
_معرفش يمكن يوسف كلمه
شهقت فريدة واقتربت منه بسرعة تقول بنبرة متعجبة
_خير يا حبيبي! مرات ابنك حامل ولا إيه
اتسعت عينا إلياس وأرسلان في آن واحد قبل أن يلتفت إلياس نحو أخيه وسط ضحكاته العالية ويقول بين نظراته
_ابني مين!! هو أنا
عندي غير يوسف
اقتربت ميرال منه بقلق وارتباك واضح
_إلياس..في إيه!
حمحم حمزة بخجل وهو يقترب خطوة منهم قائلا بصوت منخفض
_طنط ميرال والله ماعرف عمو إلياس بيضحك ليه...بس أنا جيت علشان أطلب تحديد موعد كتب الكتاب.
تبادلت ميرال وفريدة النظرات ثم استدارتا نحوه في وقت واحد وقالت فريدة مذهولة
_كتب كتاب إيه يا بني مش إنت حمزة ابن إسحاق الجارحي
أومأ بثبات وأكمل بصدق هادئ
_أيوه..كتب كتابي على شمس.
انعقد حاجبا فريدة بتساؤل عجيب
_هي شمس اتخطبت إمتى
وهنا عادت ضحكات إلياس مجددا ضحكة متقطعة فيها خليط من الغضب والذهول مد يده وسحب الخاتم من يد حمزة وهو يقول ساخرا
_شوفي يا جدة العروسة..خاتم الخطوبة!
تناولت فريدة الخاتم بين أصابعها تتفحصه بعينين حائرتين
_خطبت للبت يا إلياس من غير ماتقولي!
ارتفعت ضحكات أرسلان هو الآخر غير قادر على التماسك
_الله يخرب بيتك يا حمزة وقعت العيلة في بعضها.
وقبل أن تكتمل الجلبة وصل صوت ناعم مرتجف من خلفهم
_حمزة...
تجمد الجميع والتفتوا نحو شمس التي توقفت عند العتبة ملامحها تجمع بين الذهول والارتباك.
اقترب منها حمزة سريعا متجاهلا العيون المعلقة به وقف أمامها يبتلع أنفاسه بين نظرات تفيض بالشوق ثم همس بخفوت عميق
_وحشتيني..أوي.
ابتعدت شمس خطوة إلى الخلف كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها ارتجف قلبها بين ضلوعها
_إيه اللي بتقوله دا!
خرج صوتها هامسا مرتجفا يحمل صراع الخجل والدهشة لكنه لم يمهلها وقال بوضوح يسمعه كل من في المكان
_شمس..أنا طلبت إيدك من باباكي وبقولك قدام الكل...
أنا بحبك وبتمنى نكمل حياتنا مع بعض.
_شمس!!
هدر صوت إلياس فارتجت له القلوب تجمدت مكانها وانتفضت فزعا ثم سحبت كفها بسرعة خائفة..
أشار إليها بصرامة حادة
_ادخلي جوا يا بنتي.
تراجعت خطوتين قبل أن تختفي خلف الباب بينما كان الغضب يتجسد في ملامح إلياس وهو يقترب من حمزة خطوة بخطوة وخرج صوته متماسكا لكنه يحمل نبرة تهديد واضحة
_لولا إني واثق في تربية إسحاق وعارف هو راجل قد إيه محترم كنت صدقني هتعامل معاك بطريقة تانية خالص.
اقترب أكثر حتى صار وجهه على بعد أنفاس
_لو كنت سكت وقت لما رقصت معاها في فرح أخوها فده لأنك حطيتني قدام أمر واقع...لكن شكلك مفهمتش الدرس ولسه ناوي تستفزني بأسلوبك دا.
_إلياس اهدى بقى.
قالها أرسلان وهو يحاول تهدئة الموقف لكن نظرة إلياس إليه كانت كالسهم
_كنت عارف صح..ومش بعيد أنت اللي اتفقت معاه كمان
ثم عاد إلى حمزة يحدق في عينيه بثقل
_هسألك سؤال واحد يا ابن إسحاق...
مال نحوه أكثر وقال بصوت خفيض لكنه يقطع الصدر من شدته
_مش هتكلم عن سن بنتي اللي لسه طفلة في نظري...
توقف لحظة ثم أكمل بنبرة أبطأ وأقسى
أبوك قالك إيه..لما قلت له إنك عايز تخطب شمس وليه مجاش معاك
صمت حمزة وراحت عيناه نحو أرسلان الذي تدخل بفطنة
حمزة أكيد ماقلوش إنه جاي يقولك كده بس هو على علم وعارف كل حاجة وكان منتظر الوقت المناسب يا إلياس.
التفت إلياس إليه بنظرة حادة وقال
اسكت يا أرسلان مش عايز أسمع صوتك.
استدار إلى حمزة اقترب منه وربت على كتفه بشكل محتد
هعدي فكرة إنك بتجبرني تاني..بس اللي إنت جاي له مش عندي يا بني. البنت لسه صغيرة ومش هجوزها دلوقتي وفوق كده..أوعى تفكر مهما تفرض علي أفعالك..فكر في حد تاني ينفعك بنتي للأسف مش هتنفعك..
كنت أتمنى لكن مفيش نصيب.
رد حمزة بصوت كتمه الحزن وغضب الرؤية السريعة للحكم
_عمو إلياس لو سمحت أنا بحبها
_طلبك مرفوض ياكابتن حمزة
هنا هز رأسه ثم انفجر بغضب ممدود
حضرتك حكمت من غير ماتفكر حتى!
وقف إلياس وحاول الضغط على نفسه المرتعش الان الماضي يعاقبه بقسوة سحب نفسا لكن هدوئه كان محملا بألما موجع
حمزة إنت عاقل وطول عمري أسمع إنك ذكي بس بنتي ماتنفعكش بلاش أوجعك وصدقني المسألة مش مجرد فرق سن بس بينكم أكتر من اتناشر سنة لكن فيه حاجات مينفعش نعديها
تراجع حمزة بخطوة ثم عاد بصوت مخنوق من التحدي والصدق
لو قصدك على السن دا مش سبب إنك ترفض..ولو الموضوع بجد على جد شمس وخالتها أنا مستعد أتنازل عن الوظيفة اللي حتحرمني منها.
هنا كان وقع الكلام صاعقا..شهقات وعيون متحمسة وجسد إلياس ارتجف من ضيق في الصدر ونظرة التوسل ارتسمت فيه
أنا مش بجبرك بس عايز أفهمك إني بحبها..وأكيد فهمت قصدي لما خصتها برقصة مابلعبش بمشاعر بنتك لأني بحبها بجد.
أطلق إلياس نفسا وقال بحزم منهك
امشي يا بني..ربنا يسعدك بنتي متنفعكش
قالها الياس وتحرك بجسد يترنح يشعر بقبضة تعتصر فؤاده كأن الماضي مازال يعاقبه ويخنقه في أعز مالديه.
صاح حمزة بصراخ وحاول اللحاق به ولكن اوقفه ارسلان
_روح دلوقتي ياحمزة احنا حاولنا نفهمك صعوبة الموضوع
_أنا هتجوزها ياعمو ارسلان عرف عمو إلياس بكدا شمس هتكون مراتي
قالها وهو يطوف بنظراته عليهم
انتفض جسد ميرال تتراجع للخلف والماضي عاد يخنقها بقسوة هزت رأسها وبكت
_ذنبهم ايه ولادي ليه بيحصل معانا كدا..
اوقفها ارسلان يهز رأسه بألم لوالدته اقتربت غرام تساعدها على الوقوف
_حبيبتي قومي
طالعتها بعيونا باكية
_ليه بنتحاسب على حاجة مالناش دعوة بيها اعمل ايه اكتر من اللي عملته علشان ولادي
وبكت على بكاؤها
عند إلياس دلف إلى مكتبه بخطوات ثقيلة يغلق الباب وراءه بأنين مكتوم اتكأ على الحائط يتنفس بصعوبة يشعر بأن الهواء يأبى أن يدخل رئتيه.
رفع يده إلى صدره يضغط عليه محاولا كبح تلك الرجفة التي تجتاحه... أصبح قلبه متهشما بين أنين وذكريات.
جلس خلف مكتبه يسند رأسه بين كفيه يغرق في صمت كثيف يخالطه بكاء مكتوم..العلبة التي كان يحملها حمزة تلمع كأنها تذكره بالجرح الذي لا يلتئم.. ونظرات ابنته ودموعها التي حاولت اخفائها
دلفت فريدة بخطوات مترددة توقفت عند الباب نظرت إلى نجلها الذي انحنى على نفسه كطفل مكسور.
اقتربت منه بخفة ووضعت يدها على كتفه وقالت بصوت يختنق بالعطف
_ناوي على إيه يا ابني
رفع عيناه إليها بتيه وشرود وأردف بصوت انكسر داخله كل شيء
_مش عايز أكسر قلب بنتي يا ماما..مش قادر...
كفاية وجع فيا وفي أمهم...
ذنبهم إيه يتعذبوا بماضي أسود
ذنبهم إنهم اتولدوا في دايرة اتفرضت عليهم.
قالها ثم انحنى أطبق كفيه على وجهه وارتفع نحيبه المكتوم كجندي مهزوم
بينما وقفت فريدة خلفه تغالب دموعها هامسة بوجع لا يقال
_اللي بيحبه ربنا القدر دايما بيمتحنه في أغلى ماعنده...
نهض واتجه يجلس على الاريكة يحاول ان يكتم أنينه جلست فريدة بجواره فتمدد على الأريكة يلهث من ثقل في صدره كأنه يحمل الكون على أضلعه
_قلبي هيوقف من الوجع يا ماما... ولادي بيروحوا واحد ورا التاني...
أم أحرقتها التجارب قبل أن تطفئها السنين
_سامحني يا حبيبي ياريتني ما قابلتكم...كنتوا زمانكم عايشين في أمان الله...
اعتدل كمن يبحث عن طمأنينة في راحة يديها
_المرة دي الاختبار صعب أوي مش قادر أتنفس..مش بقولك كدا علشان أحملك ذنبنا بس ليه يحصل معانا كدا
أجابته بعين يختبئ فيها الإيمان خلف الحزن
_حبيبي على قد إيمانك بتتجازى... أكيد ربك عنده حكمة هو أنا اللي هقولك يا إلياس
هز رأسه والدموع تتساقط من عينيه كأنها اعترافات متأخرة
_بس المرة دي الوجع مؤذي أوي يا ماما...الوجع في ولادي ياريته فيا أنا... بصوت مرتجف
_استغفر ربك يا حبيبي ربنا عنده الأعظم والأحسن..ارجع بسنين عمرك وافتكر مراتك وبنتك كانوا فين ليه ماشكرتش على دا
بلاش تيأس من رحمة ربنا...
وشمس
عاقلة عارفة إنك مستحيل توقف قدام سعادتها ويوسف بكرة ربنا يهديه هو بس مشافش شوية ومتأكدة إن ضي هتفوقه عقلا وقلبا.
سكت لحظة ثم انتفض كأنه تذكر شيئا فجأة
_ماكلمتش يوسف واطمنت عليه...
قالها وتوقف عند الباب يلتفت إليها بنظرة مرهقة
_هكلمه..أطمن عليه.
خرج إلياس يبحث عن ميرال...
قبل قليل صعدت ميرال الى غرفة ابنتها بغرفة شمس كانت تجلس بشرود على فراشها تقلب صفحات الترجمة أمامها دون أن ترى شيئا منها.
دلفت إليها ميرال بهدوء يشبه النسمة رسمت ابتسامة خافتة على شفتيها
_شموس..فاضية ماما عايزة تتكلم معاها شوية.
رفعت شمس عينيها مبتسمة بخفوت
_أكيد يا ماما اتفضلي حضرتك.
خطت ميرال إليها وجلست بجوارها تمعنت فيها لحظة ثم قالت برقة تخفي خلفها قلقا
_بتعملي إيه يا حبيبتي
هزت شمس كتفيها بخفة
_عندي ترجمة صغيرة..حضرتك محتاجة حاجة
أشارت ميرال إلى ساقيها فابتسمت شمس وتمددت برأسها عليها كعادتها ابنتها بحنان أمومي
_حبيبتي..إنتي تعرفي حمزة من زمان
_لا والله يا ماما معرفوش أوي... اتقابلنا كام مرة بس.
تجهمت ملامح ميرال قليلا
_طيب إزاي يا بنتي دا بيقول بيحبك.
نظرت إليها شمس في دهشة ممزوجة بالخجل
_سمعته..بس ليه بابا كلمه كده
صمتت ميرال لحظة تدقق في ملامح ابنتها كأنها تحاول قراءة مالا يقال ثم همست
_إنتي بتحبيه يا شمس
نزلت برأسها إلى أسفل وقالت بصوت خافت
_مش موضوع بحبه يا ماما..بس هو شخص جذاب وحاسة إنه..يعني...
رفعت ميرال ذقنها لتجبرها على النظر في عينيها وسبحت بعيني ابنتها بينما قلبها يتمزق بصمت
_عجبك مش كده
أومأت شمس بخجل طفولي ثم أسرعت لتبرر
_بس والله ماقولت له حاجة ولا اتكلمنا غير مرتين صدفة..وإمبارح في الفرح لما لمحلي كده حضرتك عارفة عمري ماخبيت عنك حاجة..شخصيته جذبتني وكمان حاسة إنه فعلا..يعني مش بيلعب.
سحبت ميرال رأس ابنتها وانسابت دموعها حارقة تكاد تهشم ماتبقى منها
_معرفش أقولك إيه يا حبيبتي..بدعي ربنا من كل قلبي يقدملك السعادة اللي تستحقيها...
بس يا شمس حاولي تبعدي قلبك عن اللي ممكن يوجعك.
نظرت إليها شمس باستغراب
_مش فاهمة حضرتك تقصدي إيه
لكن قبل أن تجيب قطع الصمت طرقات خفيفة على باب الغرفة.
دخل إلياس يحمل على ملامحه القلق وعيناه تتنقلان بين ميرال وابنته بشرود واضح
_ميرال..كلمتي يوسف
هزت رأسها نافية وقالت بصوت هادئ حاولت أن تخفي به توترها
_لأ لسه..قولت أكيد نايمين.
اقترب منها بخطوة مضطربة وصوته يتهدج بين الحذر واللهفة
_لأ يا حبيبتي كلميه..هو سافر من ساعتين شرم زمانه وصل طمنيه وطمنيني.
قالها نحو الشرفة هامسا بنبرة فيها استعجال
_بعد ماتكلميه خليه يديكي ضي وكلميها أكيد فاهمة قصدي.
ترددت للحظة وهي تنظر في عينيه
_طيب..بس ينفع كده يا إلياس ابنك صعب ولو عرف ممكن يزعل.
ربت على كتفها بنظرة رجاء صامتة
_مش هيعرف...المهم تطمنني.
أومأت وسحبت هاتفها..انتظرت لحظات قبل أن يأتي صوته عبر السماعة
_صباح الخير يا حبيبتي إيه كنتي بتحلمي بيا ولا إيه
ابتسمت بخفة متصنعة
_عامل إيه يا حبيبي ومراتك عاملة إيه
أجاب وهو يرمق ضي التي كانت تفرغ حقيبتها خلفه
_كويسة..وجدو عامل إيه النهاردة
قبل أن تجيب سحب إلياس الهاتف من يدها بنفاذ صبر واضح
_عامل إيه يا يوسف
_كويس يا بابا كنت لسه هكلمكوا وأطمنكم..آسف لو قلقتك.
_مش مهم يا حبيبي عارف إنك مشغول جدك كويس بس العملية هتتأجل أسبوعين كمان الدكتور شايف حاجة في التحاليل وعايز يظبطها.
_ابعتلي التحاليل دي أشوفها وبعدين التأخير ده مش كويس.
_سيبك من عملية جدك..وقولي إنت فين
_شرم الشيخ.
_ليه شرم مش كنت بتقول هتسافر برة
_علشان أكون قريب من جدو..وكده كده دي مش آخر سفرية.
_تمام يا حبيبي...خد ماما عايزة تكلمك.
تناولت ميرال الهاتف وهمس إلياس
_كلمي ضي.
_حبيبي إديني ضي أكلمها وأطمن عليها.
_هي في الحمام يا ماما أول ماتطلع هخليها تكلمك.
_تمام يا حبيبي..خد بالك من نفسك والبس تقيل الجو برد الأيام دي.
_حاضر يا ماما.
أغلق الخط والتفت ليجد ضي واقفة خلفه تنظر اليه بنظرات تحمل عتابا صامتا.
قالت ببرود حاد
_ليه قولت لها إني في الحمام
صمت للحظة ثم اقترب منها ببطء
_اللي بينا مايخرجش برة..مهما حصل حتى والدتك لحد مانشوف هنقرر إيه.
انتزعت الهاتف من يده بحدة واحتدت بنبرة جريحة
_ماتقوليش أعمل إيه وماعملش إيه..دي حياتي أنا مش محتاجة أوامرك.
خطت خطوة نحوه بعينين مشتعلة..
_أنا مراتك يعني أي قرار لازم تشاركني فيه مش تنفذه من ورايا يا دكتور.
قالتها وهي تتجه إلى الشرفة وتغلق الباب خلفها بعصبية فظل واقفا مكانه يرمقها بغضب يتمتم لنفسه
_وبعدين يا يوسف هتعمل إيه
سحب منشفته متجها إلى الحمام بينما في الخارج جلست ضي أمام الكاميرا تبتسم بدلال مصطنع
_والله كويسين يا طنط عارفة إنكم قلقتوا صحينا متأخر ويادوب لحقنا الطيارة.
_ضي...
تمتمت بها ميرال وصوتها بالكاد خرج وهي تلقي نظرة خاطفة نحو إلياس ثم عادت بعينيها إلى الشاشة تسأل بخفوت مرتجف
تجمدت ملامح ضي ورجفة قوية اجتاحت جسدها حتى ارتعشت شفتاها..حاولت السيطرة على دموع تمردت عند أطراف عينيها ثم سرعان ماارتسمت على وجهها ابتسامة واهية تخفي مايعصف بقلبها
_متقلقيش يا حبيبتي إحنا كويسين وكل حاجة كويسة.
تأملتها ميرال لثوان طويلة كأنها تصغي لما وراء كلماتها ثم أومأت بتفهم حنون وابتسمت بتعب واضح
_طيب يا حبيبتي...هسيبك علشان ماعطلكيش.
أنهت المكالمة وبقيت تنظر إلى الشاشة المظلمة للحظات كأنها تبحث في سوادها عن قلبها الذي يصارع بصمت..
في مطار القاهرة صدح صوت المذيع معلنا وصول الطائرة القادمة من لندن.
خرج آدم الرفاعي من الطائرة يتقدمه نجله رائد الذي بلغ السابعة والعشرين من عمره وخلفه فرح ابنته الوحيدة ذات الخمسة عشر ربيعا تتشبث بذراع والدتها إيلين الرفاعي جراحة هادئة القسمات تحمل بين ملامحها سكينة الأطباء وثقتها المعهودة
عبروا صالة الوصول بخطوات متأنية تتقاذفهم مشاعر العودة بعد غياب دام سنوات. وبينما كانوا يتجهون نحو سيارات الأجرة توقف رجل على بعد خطوات منهم يحدق في وجه آدم باندهاش متأمل.
رفع صوته بدهشة ممزوجة بفرح حقيقي
_معقول!.. آدم الرفاعي
استدار آدم مبتسما وكأن الزمن تراجع خطوة للوراء.
_أوووه!.. المهندس العظيم يزن الشافعي بنفسه!
تخللتها ضحكة رجولية خفيفة من أثر الشوق.
قال يزن وهو يربت على كتف آدم
_مصر نورت والله يا عم.
ثم حول نظره نحو إيلين بابتسامة ودودة
_ونورتيها كمان يا دكتورة.
ابتسمت بلطف وقالت
_بوجودك يا باشمهندس.
نظر يزن الى اولادهثم قام بالإشارة إليهما بفخر أبوي واضح
_رائد وفرح... على فكرة رائد مهندس كمان بس معماري مش ميكانيكا زيك.
ابتسم يزن بإعجاب
_ما شاء الله ربنا يحميهم.
قاطعت فرح بخفة مراهقة
_والصغنن فينا لسه أولى ثانوي.
ضحك يزن بخفوت ودعاها بحنان
_ربنا يحفظك يا صغيرة.
ثم التفت آدم مستفسرا
_كنت فين كده يا يزن
_كنت في النمسا... عند إيمان بقالي شهر تقريبا.
ثم تابع بأسف خفيف
_حتى يوسف اتجوز امبارح وما حضرتش الفرح.
تبدل وجه آدم بدهشة خافتة
_يوسف مين تقصد ابن إلياس
أومأ يزن مؤكدا قبل أن يفتح باب سيارته التي توقفت بجانبه وقال مبتسما
_نتقابل بعدين
عاد إلى القصر كجندي مهزوم من معركة خاسرة تتساقط الهزيمة من عينيه قبل أن تنطق بها شفتاه.
دخل بعنف وبدأ يحطم كل ما تقع عليه يداه كمن يريد كسر العالم بأكمله ليتوقف وجعه.
فزعت دينا من صوت تحطيم الزجاج وصراخ ابنها ركضت نحوه والهلع يسبق خطواتها.
_حمزة!.. مالك ياابني
استدار نحوها يلهث كوحش مطارد وأشار بيده مهددا
_بابا لو مصرفش
سمعتيني مش عايز الوظيفة دي ولا عايز أي حاجة منه خليه يتصرف مفيش مستحيل عند إسحاق الجارحي!
لم تمض لحظات حتى وصل إسحاق بعدما بلغه من أرسلان ما جرى.
ارتفع صوته يجلجل بالهيبة
والغضب
_مالك يا لا فيه إيه محدش قادرك أبوها رافض خلاص! والبنت نفسها مش عايزاك افهم بقى
انتفض جسد حمزة كأنما اشتعلت النار في عروقه واقترب بخطوات غاضبة من أبيه حتى صار على بعد أنفاس منه.
نظراته تومض كشرارة خارجة من قلب يغلي
_هتجوزها يا إسحاق باشا حتى لو غصب عنك... وعن أبوها!
لم ينتظر إسحاق ردا عنيفة دوى صداها في أرجاء القصر.
شهقت دينا بفزع ورفعت يديها إلى فمها بينما تراجع حمزة ببطء الدموع تتجمع في عينيه كغيمة ثقيلة تسبق العاصفة.
تلفت حوله بأنفاس مختنقة ثم قبض على مفاتيحه بعصبية وخرج بخطوات متعثرة
قاد حمزة السيارة بسرعة جنونية كأن الشارع ساحة حرب مفتوحة بينه وبين عقله.
كل ما يراه أمامه لم يكن سوى ملامحها...
ضحكاتها الطفولية تتردد في أذنيه همسها وهم يتراقصون نغمة صوتها وهي تناديه لأول مرة باسمه دون ألقاب.. تلك الكلمة وحدها كانت كفيلة بإشعال العالم داخله.
لكن جاء صوت الياس يتسلل إليه قاسيا رافضا يصرخ في رأسه كعويل يطعن قلبه.
ضغط أكثر على دواسة البنزين وكأن السرعة هي طريقه الوحيد لإسكاته أو طريقه إلى الهروب اليها
_طلبك مرفوض يابني ربنا يسعدك بعيد عن بنتي..هذه ليست كلمات انما كانت قيودا من نار تلتف حول عنقه لتجعل أنفاسه تتلاحق وعروقه تتشنج ويداه تعضان على المقود بقوة كمن يقاتل القدر.
صرخة مكبوتة خرجت من صدره تبعتها انحرافة حادة...
لتنقلب السيارة رأسا على عقب تتدحرج على الأسفلت وصوت مدو يختلط بأنين مكتوم...
ثم سكون.
سكون ثقيل لا يسمع فيه سوى همسه باسمها
بشرم الشيخ
استيقظت ضي بعد نوم متقطع على رنين هاتفها الذي لم يتوقف.
مدت يدها بتثاقل تلتقطه ثم أجابت بصوت مبحوح من أثر النعاس
_أيوه يا ماما
_حبيبتي عاملين إيه عرفت إنكم في شرم بس مكنش له لزوم السفر في الوقت دا يا ضي.
اعتدلت على الفراش تسند رأسها إلى الوسادة وصوت والدتها يأتيها محملا بوجع تعرفه جيدا.
_ليه يا ماما مش من حقي أفرح شوية
_ضي حبيبتي متنسيش إن جدك تعبان.
أنا متأكدة إن يوسف ماقدرش يرفض لك طلب بس لازم تكونوا هنا قبل العملية بأسبوع على الأقى
وبعد العملية سافروا براحتكم يا قلبي.
تعرفي جدو سأل عليكم النهارده.
أخفضت ضي رأسها بحزن وهمس خافت
_حاضر هكون هناك قبل العملية لو عايزة ارجع دلوقتي هرجع
ساد الصمت لحظة ثم جاءها صوت أمها مجددا
_ مش قصدي حبيبتي مش عايزة يوسف يزعل هو عندك عايزة أكلمه.
نظرت ضي إلى مكان نومه فوجدته خاليا فردت
_معرفش...
قالتها بغير وعي لتأتيها نبرة
_يعني إيه متعرفيش
_قصدي... لسه صاحية هشوفه حالا.
أنهت المكالمة بسرعة ثم أطلقت تنهيدة حارقة كادت تعصر صدرها.
تمتمت في سخرية مرة
_حلوة جوزك فين دي... مش لما يبقى جوزي علشان اعرف هو فين
نهضت ببطء من الفراش تتحرك بخطوات ثقيلة.
منذ مساء الأمس لم تره ولا تدري إن كان نام ام خرح كعادته
توجهت نحو الحمام وهي تتثاءب دلفت إلى الداخل .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ولولا الهوى ما ذل في الأرض عاشق ولكن عزيز العاشقين ذليل...
يقولون إن لكل قاعدة استثناء
ولعلي كنت ذاك الاستثناء الذي كتب عليه أن يحب أكثر مما يحتمل.
يا ليتني ما ذقت الهوى
فما ذل في الأرض عاشق...
إلا أنا.
مهما حاولت الهرب أجدك هناك...
بين روحي العاشقة وقلبي الولهان تسكن أنت لا كعابر في الشريان بل كنبض خلق ليذكرني أنك الحياة في دمي
وأنك.. رغم البعد.. ما زلت الأقرب.
ولولا الهوى...
ما كنت أنا.
فقربك دواء لروحي إن أثقلها الوجع وملاذ لقلبي إن خاصمه النور.
اقترب منها بخطوات بطيئة تحمل شيئا من التحدي بينما هي تتراجع غريزيا تتسع عيناها بتوجس وارتباك
_يوسف إنت ناوي تعمل إيه
.
تجمد مكانه وكأن كلماتها صفعت قلبه لا وجهه ابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت منكسر ضائع
_نواياي!! تمام اللي إنتي عايزاه يا ضي..
كأنها تلقت صفعة من كلماته ضج قلبها قبل عقلها وصرخت بعنف لا يشبهها
_أيوه صح! إنت صح دايما وأهي نفذت كلام عمي وسكت علشان تسافر وبعد كده تسيب البت الهبلة اللي صدقتك!
شهقت بأنفاس متقطعة ودموعها بدأت تبلل وجهها
_دلوقتي عرفت ليه ماكنتش عايز ولاد..
صرخ بغضب حاول كبحه
_اخرسي يا بت..وبطلي هبل!
خلعت حجابها بعنف سقط على الأرض كرمز لانكسارها وانهمرت دموعها أكثر كلما تذكرت مافعله بها اقتربت منه بخطوات متوترة
_ليه بتقتلني كده!!
_ضي..اهدي صوتك الناس هتسمع.
لكنها كانت خارج حدود وعيها تبكي وتلكمه على صدره تصرخ بصوت مبحوح ممزوج بالعشق
_عايز تهرب يا يوسف!
شهقت بأنفاس متقطعة وانفجرت
_هونت عليك كده!
_باااس..إنتي بتغلطي اهدي..مفيش حاجة من دي
لكنها لم تسمع كانت تبكي بصمت مكتوم والدموع تتساقط بحرارة خافتة على قميصه بينما هو يقبض عليها كمن يخاف أن تنهار إن أفلتها.
كل الغضب الذي بينهما تهاوى في تلك اللحظة ليكشف عن خوف أعمق خوف من الفقد..ومن الوجع الذي لا يقال.
وهرعت إلى الحمام تغلق الباب خلفها كمن تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه.
أما هو فخرج بخطوات متثاقلة جسده يترنح وثقله ينوء بحمل لم يعد يحتمله.
كانت كل مشاهد طفولته تمر أمام عينيه كشريط لا يريد أن ينتهي
بكائه وهو يصحو مفزوعا ينادي على والدته صرخاته التي كانت تفزع نوم والده حتى صار الأخير يضطر أن ينام بجواره..عله يسكته حين يهمس باسمه وهو يطلب امه كل ليلة.
ظل يسير في شوارع شرم الشيخ حتى أنهكه التعب ووجعه أكبر من أن يحتمل.
وحين صدح الأذان من مسجد قريب توقف قلبه قبل قدميه شعر بأن النداء يناديه
دخل المسجد وأقام صلاة الفجر... صلاة الخاشعين لا صلاة المنافقين.
خرج بعدها يلفه سكون غريب وراحة مؤقتة تشبه الهدنة بينه وبين نفسه.
عند ضي
ظلت تنتظره في الشرفة والبرد يتسلل إلى جسدها الهش حتى خذلتها أطرافها من شدة البرودة.
لحظات وسمعت صوت الباب يفتح..
التفتت فرأته يدخل بخطوات صامتة ينزع ثيابه دون أن ينظر إليها ثم تمدد على الأريكة بجسده المرهق
كانت تعلم أنه لم يغف.
اقتربت بخفوت متردد
يوسف...
رد بصوت خافت خال من الحياة
_عايز أنام.
قالها وذهب بنومه حتى أنه لم ينزع حذائه ظلت تتابعه بصمت حتى ذهب بنوم عميق نظرت إلى هدوئه المستكين بمرارة بعدما علمت أنه تناول إحدى المهدئات.. توقفت وتحركت إليه نزعت حذائه وقامت بإعدال رأسه جلس تجلس_ياترى إيه حكايتك يابن عمي وإيه الكلام اللي إنت كاتبه دا
تذكرت أمر ذاك الدفتر نهضت بهدوء وسحبته تكمل قراءة مابه..اتجهت إلى الفراش وجلست بجواره .التفتت إلى نومه ثم فتحت الدفتر تقرأ مايحتويه.
يوسف السيوفي..أم يوسف الشافعي
سؤال واحد كفيل بأن يربكني حتى النخاع.
كلاهما لم يمثلني يوما.
قضيت طفولتي أختبئ خلف لقب أثقل ظهري قبل أن أشتد
لقب صاخب كالسيوفي كأن الحروف فيه تشبه السيوف...تقطع ولا ترحم
ثم..في لحظة عابرة محوا اسمي القديم
ورسموا لي هوية جديدة بلون غريب عن ملامحي.
صرت الشافعي...
دمية تبتسم حين يطلب منها
وتنحني لتنجو
بينما في داخلي صبي صغير يصرخ من أكون وأين والدتي ولماذا اختفت ضحكتي
أنا لست قويا مثل والدي
ولا ضعيفا مثل والدتي...
أنا خليط صنع من الخوف والكبرياء
من صمت يئن ووجع لا يجد سبيلا للخروج.
بل أنا العقاب يا نفسي...
عقاب يمشي على قدمين
لم يقيدوه بالسلاسل
لكنهم ربطوا عنقي بقيود من ذهب..
تبهر العيون ببريقها
لكنها تخنق أنفاسي كلما حاولت أن أتنفس بحرية.
بدأت أتساءل..ولا ينتهي السؤال
لماذا حرمت من أشيائي الصغيرة التي كانت تشبهني
لماذا كان علي أن أعيش في جلد إنسان آخر لا أعرفه
كنت طفلا..نعم لكن قلبي كان ينادي باسم لم أجد له صدى.
كل يوم يمضي أتساءل...
ولا ينتهي السؤال الذي يطاردني في كل لحظة سكون
لماذا تركت
لماذا خلقت لأحمل هذا الفراغ الشاسع الذي لا يمتلئ
كطفل لم أكن أطلب الكثير...
كنت أريد يدا تمسك بيدي.
حضنا أختبئ فيه حين أخاف.
وجها أعرفه وصوتا يخصني.
لكنني استيقظت في الحياة بلا أم.
قالوا إنها غادرت لتتلقى العلاج...
فكنت أنتظرها كمن ينتظر المعجزة.
أحسب الأيام أعد الليالي وأبني في خيالي ألف لحظة لعودتها.
كنت أركض إلى الباب كلما سمعت طرقا...
ظنا مني أنها هي.
ياالله..كم انتظرت.
كبرت وأنا
أحادث غيابها وأتوسل للسماء أن تعيدها ولو لثانية...
ثانية واحدة فقط لأقول لها لا تذهبي مرة أخرى.
لكنها لم تعد!!..
ولا أحد أخبرني لماذا!!
كنت أرى الأطفال يتشبثون بأمهاتهم
يختبئون خلف أثوابهن
ويبكون حين يوجعهم أحدا
وأنا
كنت أبكي وحدي.
أضم ركبتي إلى صدري...
وأخشى أن يسمع أحد صوت انكساري.
فالآن أتساءل يا أمي...
هل كنت تعلمين كيف تركتني
هل كنت تعلمين أن غيابك لم يكن غياب جسد...
بل غياب وجود...
غياب هوية...
غياب معنى..
لم يصمت الألم لهذا الحد بل تفوق على قسوة المرار حين انتزعني أبي من مدرستي ومن ذكريات بيتي
شعرت كأن العالم كله يتآمر على محو كل أثر لك في حياتي.
كنت أصرخ داخلي
لا تأخذوا عني رائحتها..لا تأخذوا عني ماتبقى منها.
ثم جاء ذلك اليوم...
حين اتهمني رفيقي بالتزوير
وقال
أنت تسرق حياة ليست لك.
حينها فهمت شيئا واحدا
أنني لم أفقد أمي فقط...
بل فقدت نفسي معها.
عدت إلى أبي أحمل خوفي
فأعطاني شهادة ميلاد لا تحملني
واسما لا يشبهني
وأصلا لم أعشه.
وعندما قال لي صوته المكسور جدك ليس جدك!..وأبيه الحقيقي رحل قبل أن يراه.!!
سألته بصوت ظننت أنه لن يخرج مني أبدا
وأمي
ماذا عن أمي
هل كانت تعرف
هل تركتني وهي تعلم أني سأكبر بلا ماض بلا اسم بلا صدر أعود إليه
لماذا تركتني أواجه العالم بهذه القسوة
لم يجبني أبي.
ظل الصمت ينهش ماتبقى من صبري...
حتى جاءت خالتي تلك التي حسبتها يوما مرفأ أمان
فإذا بها تلقي بي في غياهب الجب بيد واحدة.
قالتها ببرود لا يشبه البشر
كمن يبصق حقيقة كانت تنز في الظلام
أمك ماتت..وتركتك وحدك تذبل.
في تلك اللحظة...
انشق داخلي صوت لم يسمعه أحد غيري.
سقط الماضي من كتفي
وانكسر الحاضر بين ضلوعي
وانمحى المستقبل كأنه لم يكن.
كنت طفلا...
لا يعرف من الدنيا إلا رائحة ما لم ينله.
كنت أبني لعودتها ألف حكاية
أحلم بها وهي تفتح الباب
بقلب يعرفني...
ولو من بعيد.
كنت أعلم في قلبي أن احتمال العودة ضئيل...
لكني كنت أعيش على هذا الاحتمال.
كان حلمي بها هو الهواء الذي أتنفسه كي لا أموت.
فلماذا
لماذا قالت لي هذه المرأة تلك الكلمات القاسية!
لماذا سحقت آخر نافذة كنت أطل منها على الحياة
ليتها سكتت.
ليتها لم تقتلني وأنا مازلت حيا.
بعد تلك الحقيقة
لم يعد اسمي يشبهني
ولا وجهي يعرفني
ولا قلبي قادرا على حمل نفسه.
سرت وحيدا
أجمع شظايا هويتي التي وئدت قبل أن تكتمل.
مرت أيام...وشهور...وسنوات
وأنا أعيد خلق نفسي من الرماد
أدون لنفسي حياة لا يشرف عليها أحد
ولا يرسم معالمها سواي.
نعم..عانيت... تهت..بكيت حتى جف الملح من عيني.
تعثرت بذاكرة مشوهة..
وبقلب نصفه حي ونصفه قبر.
لكنني مع الوقت..وقفت.
لم أعد الطفل الذي ينتظر العودة.
لم أعد الوجه الذي يبحث عن ملامحه في الآخرين.
أنا...صنعت نفسي بيدي.
من دمي... من وحدتي.
من سؤالي الذي لم يجاب.
حتى أصبح كل من يراني اليوم...
يظنون أني بخير...
لكنهم لا يرون الدم الذي يختبئ تحت لمعان الذهب ولا يسمعون صرير القيود حين أبتسم.
اليوم أنهيت دراستي الثانوية أتمنى أن أحقق حلمي وأن أدخل الكلية التي أريدها حلمت بأن أكون طيارا حربيا ولكن والدي اعترض على هذا المجال لا أعلم لماذا ولكني تمنيته كثيرا.
فهل سينجو بي القدر وأحقق حلمي.
بدأت تقلب ببعض الصفحات إلى أن جاءت بيوم تخصصه بالكلية فلقد دون بعض الكلمات التي شعرت بأنها تزهق روحها.
أنا طبيب قلب يا سادة
أعيد الحياة لمن يموت
لكني..
أعيش ميتا بنبض لا يخصني.
أعرف كيف أرمم شريانا متعبا أو أوسع صماما ضاق عليه العمر...
لكن هناك وجعا آخر لا يقاس بالضغط ولا يرى على شاشة الإيكو..وجع يسكن خلف الضلوع يتسلل بين النبضات كأنه يختبئ من المجهر والعلاج.
أتجاهل صدى صدري أنا.
وأتظاهر بالثبات أكتب الوصفات بثقة وأنا في داخلي أحتاج وصفة تعيد لي القدرة على التنفس دون وجع.
كم مرة أنقذت حياة وأنا عاجز عن إنقاذ نفسي
كم مريض شكرني على شفائه بينما قلبي أنا يترنح في غيبوبة لا تفيق
القلوب يا سادة لا تموت بالسكتات فقط بل بالخذلان بالحنين بالخوف من الوداع.
تموت وهي تنبض...وتتنفس وهي تختنق تخفي وجعها خلف ابتسامة متعبة وصوت يقول أنا بخير.
ومامن دواء يعيد نبضها كما كان سوى صدق يعيد إليها الأمان
فبعض القلوب لا تحتاج طبيبا...بل رحمة حتى تهدأ..
قلبت صفحة اخرى وشهقة خرجت مع دموعها وهي ترى تاريخ عقد قرانهما على أعلى الصفحة يدون فوقه..لقد حدث ماكنت أخشاه.
فاليوم..لا أعلم هل هو يوم حياتي أم