رواية بقلم سيلا وليد
وربت على كتف أرسلان
_طبعا يا حبيبي وفي العند في أي حد.
قالها وهو يرمق إلياس بنظرة يعرفها جيدا
تجول إلياس بعينيه في أرجاء المكان حتى توقفت نظرته على حمزة.
كان حمزة يتظاهر باللامبالاة يعبث بهاتفه
انحنى إلياس نحو ميرال
_فين شمس
بحثت ميرال بنظرها ثم نهضت
_هسأل ضي عليها
لكنها صمتت فجأة حين رأتها قادمة
كانت تتقدم بخطوات ثابتة ترتدي فستانا أحمر يلتف حول خصرها برقة وحجابا أبيض كالنور.. جمالها لم يكن مجرد مظهر بل حضور يخطف الأنفاس.. من يراها يظنها حورية خرجت
اقتربت من الطاولة حيث يجلس والدها والدتها وفريدة ومصطفى وآدم وإيلين.. قالت بخفوت
_آسفة يا ماما اضطريت أغير فستاني.
ضمتها ميرال
_إيه الجمال اللي يخطف القلب دا
جلست شمس في مقعد مقابل حمزة مباشرة لم تلاحظ جلوس رائد بجانبها...أشارت لها ضي
_شمس! تعالي هنا شوية.
لكنها هزت رأسها
_مرتاحة هنا يا حبيبتي.
التفت رائد إليها مبتسما
_إزيك يا شمس
لم تكن قد لاحظت وجوده أولا لكن خبث الأنثى بداخلها انتفض.
رفعت رأسها نحوه برقة مقصودة
_أهلا يا باشمهندس.
هنا فقط ارتفع رأس حمزة.
نظرة واحدة من عينيها لرجل آخر كانت كافية لنسف كل صبره.
كور قبضته وشد نفسه يعض على أعصابه كي لا ينهض ويمسكها من ذراعها أمام الجميع.
لم يكن يريد المجيء لكن إصرار والده كان أمرا نافذا والآن يكاد يفقد عقله.
مرت دقائق تحدثت شمس مع رائد بصوت هامس ضحكت قليلا بينما كان حمزة يغلي كبركان.
انتهى عقد القران.
نهضت شمس متوجهة نحو رولا وبلال
_ألف مبروك يا دكتور مبروك يا رولا.
ابتسمت رولا بامتنان بينما تمتم بلال
_ميرسي يا شمس عقبالك يا حبيبتي.
ثم جذب يدها وابتعدا قليلا عن الزحام. همس لها بنبرة حادة
_مش معنى إنه غلط يبقى نلعب بالنار يا بت. واخد بالي لمي الدور علشان ماقلبش عليكي.
ابتسمت بسخرية
ماشي يا دكتور لحظة أرد عالتليفون.
ابتعدت قليلا تضع هاتفها على أذنها لم تنتبه للظل الذي تبعها للشخص الذي اقترب خلفها بخطوات بطيئة.
_لا مش هاجي بكرة يا حبيبتي. عندنا مناسبة النهاردة وأكيد هنسهر. تمام.
أغلقت الهاتف استدارت
لتصطدم بجسد صلب..
رفعت عيناها الهادئة تقابل عيناه النارية فلقد فقد الصبر بمراحله
على بعد خطوات
توقفت سيارة حديثة نزل منها بعض أصدقاء بلال ومعهم فتاة تمشي بثقة وثبات وألما في عينيها.
اقتربوا من التجمع.. نهض يوسف فور رؤيتهم
_بلال
رفع بلال عينيه يستقبل أصدقاءه بابتسامة
_ألف مبروك يا بلال!
_الله يبارك فيك
لكنه توقفبل تجمد حين ظهرت خلف صديقه.
_مبروك يادكتور
كارما!
قالها مع اقتراب يوسف من وقوفه يتطلع اليهم بتقيم... نظرات فقط كانت على الأثنين ليرفع صوته هنا قائلا
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
ما أثقل أن تحمل قلبا مزدحما بالصمت يصرخ ولا يسمعه أحد
وما أشد أن تمضي بخطواتك فيما روحك واقفة في مكانها
وما أقسى أن يضيق صدرك دون سبب واضح كأن الهواء نفسه يهرب منك.
مؤلم أن تشعر بأن الأشياء من حولك شاحبة
والوجوه تمر بك بلا معنى
وكأن العالم صفحة فارغة لا تترك عليها بصمتك.
ويبلغ الألم ذروته حين يلاحقك شعور غامض بالذنب وتحاكم على شيء لا تعرف ملامحه ولا حتى اسمه
فتبقى عالقا بين سؤال لا يجاب ووجع لا يفهم.
قبل عقد القران بشهرين..
بمنزل إلياس تحديدا مكتبه.
دلف مالك وألقى تحية المساء بصوت هادئ رفع إليه إلياس نظرة منهكة ثم أشار له بالجلوس دون كلمة.
جلس مالك ووضع ملفا أمامه على المكتب قائلا
_هنا كل حاجة وكمان بالصور والفيديوهات.
قطب إلياس حاجبيه يردد بدهشة منخفضة
_فيديوهات!!
_أيوة لقطات دخول وخروج العمارة بس زي ماقولتلك قبل كده الكاميرات اتعطلت قبل دخول رولا بنص ساعة وفضلت كده لتاني يوم.
أطبق إلياس أصابعه على القلم وضرب به سطح المكتب علامة على بدء انشغال وتشوش عقله حتى شردت عينيه وهو يربط بين الأحداث المبعثرة.
_يعني وقت ماراحت لرؤى السجن نقول الكاميرات اتعطلت.
هز مالك رأسه مستغربا إصراره
_ليه مصر إن المكان ده مربوط برولا
نهض إلياس واتجه ليجلس مقابله
ماتربط الأحداث يا مالك...
واحدة خرجت من السجن وبعد كده راحت مكان أول مرة تروحه بدليل إنها ماكنتش عارفة الطريق وكلمت أوبر يوصلها وسايبة عربيتها قدام السجن..ده احتمال.
توقف لحظة ثم اخفض صوته بنبرة أعمق
_الاحتمال التاني..إن رؤى قالتلها ماتركبش عربيتها لأنها عارفة إني بحط جهاز تتبع وبرضه هنا رؤى هي اللي بعتتها.
تاه مالك بحديثه ثم نظر إليه
_جايز بس ليه راحت هناك واللي عرفناه إن الشقة ملك لدكتور قاعد برة والبواب بيأجرها من وراه.
مط إلياس شفتيه ورد بنبرة خبير اعتاد المكر
_ ويبعد عنها أي عين ممكن تراقب.
وقبل أن يكمل انفتح الباب ودخل أرسلان بخطوات سريعة
_ميرال قالتلي إنك عايزني.
لوح له إلياس
_تعال يا أرسلان...
ثم أعاد نظره إلى مالك
صورة الراجل مش باينة بس نقدر نوديها لرسام محترف يوضح الملامح إيه رأيك
أومأ مالك
_تمام أه وفي حاجة كمان بالنسبة لفريق الأمن اللي في العاصمة بلغوا إن في شخص هاجم الفيلا كذا مرة وهدد صاحبتها بالقتل.
اشتد فك إلياس
شوف المطلوب واتصرف..مش عايز البنت تتأذي ولو وصلت إن تحبسوه احبسوه مش ناقص صداع.
تنحنح مالك بتردد
_ده متقدم لمجلس الشعب..يعني حصانة وشغل.
رفع إلياس عينيه إليه بغضب مكبوت
_مالك...دماغك مش شغالة ولا إيه إنت لسه بتقول متقدم يعني مش نائب ولا حصانة ولا زفت..
لو حاول تاني ارموه السجن بتهمة التهديد والسطو المسلح والكاميرات هتثبت..
أنا مش جاي أشتغل بدالكم... لازمتكم إيه
خفض مالك رأسه فورا
_آسف يا إلياس هتابع بنفسي همشي محتاج حاجة
أغلق إلياس الملف وأسند ظهره إلى المقعد ثم زفر من صدره ضيقة واضحة
_إنت حصل معاك حاجة بقالك كام يوم مش طبيعي.
لوح بكفه ورد بخفوت
_لا... أبدا إرهاق شغل بس يلا سلام.
قالها وهو يشيح بوجهه طالعه أرسلان بهدوء
_مالك غضبان ليه اهدى شوية أنا شايفهم إنهم مش مقصرين.
_مقصرين يا أرسلان لما يسألوا عن تفاهات يبقى مقصرين المهم سيبك من دا كله واسمعني كويس ومش عايز حرف من اللي بقوله يطلع بينا حتى غرام.
قطب جبينه بقلق وتساءل
_خير قلقتني
_بنت يزن.
قطب جبينه بجهل
_مش فاهم.
تنحنح الياس وتحرك من مكانه متجها إلى الأريكة جلس يستند بظهره عليها وعيناه للسقف
_رؤى...
توقف أرسلان مقتربا من مكانه وجلس بجواره
_مش فاهم إيه علاقة بنت يزن برؤى.
اعتدل ينظر إليه
_على تواصل مع رؤى يا أرسلان البنت زارتها من فترة مرة ومعرفش إيه اللي حصل بينهم في فترة تعب بابا وانشغالنا كلنا رؤى سحبت البنت لعندها.
هز رأسه بعدم معرفة
_يابني مش فاهم قصدك إزاي رولا وصلت لها وهي في السجن ولا التانية خرجت.
مسح إلياس على وجهه وقال
_فاكر يوم مابلال كلمك وسألك عن تليفون رولا..وإنها في عيد ميلاد.
حاول أرسلان التذكر فأومأ له وقال
_أيوة إنت وقتها اتصلت بمالك وعرفت مكانها وكمان خليتني أقولهم يسيبوا المكان وقتها سألتك فيه إيه بس ماما اتصلت بتعب بابا وانشغلنا وأنا نسيت.
حك إلياس جبينه بقوة حتى كاد أن يقتلع جلده
_للأسف انشغلنا الأيام دي أنا شكيت وأمرت الفريق يدور ورا الموضوع دا وللأسف لما حبوا يخبروني بابا تعب وسافرنا علشان العملية ولما رجعت عرفت بقى اللي وجع قلبي أوي
يا أرسلان.
طالعه أرسلان بعين متألمة يستفهم مايتلفظ به
_إنت تقصد إيه
صمت إلياس حتى شعر إن تكلم ستصبح الكلمات كثعبان سام يلتف حولهم..ورغم ذلك رفع عيناه وتمتم بصوت خافت وكأنه يخشى ردة فعله
هز أرسلان رأسه بعنف كأن الكلمة صفعة فاتسعت عيناه وتحولت للون الغضب المشتعل تترجمه ملامحه
_أوعى..أوعى يكون اللي فهمته صح...
أطبق إلياس جفنيه بقوة كأن الألم يطحن رأسه.
هب أرسلان واقفا يدور في الغرفة كوحش جريح يعض على شفته حتى تلونت بالدم
_آاااه يا بنت
ركل المقعد بغل ثم التفت إلى إلياس بنظرات تشتعل نارا
_كانت فين حراستك يا باشا..طيب إحنا انشغلنا هما كمان كانوا فين إزاي حاجة زي دي يعدوها..إزاي يقصروا بالشكل دا
رفع إلياس كفه بنفاد صبر
_أرسلان..أنا مش جايبك علشان تحاسبني اللي حصل حصل خلاص اقعد واسمعني.
_أسمع إيه! بلال النهاردة جاي وعايز يتجوزها!
سكت فجأة كأن ضربة غير مرئية أصابته.
راح يربط الأحداث ترنح قليلا ثم هوى على المقعد حينما أصبحت ساقاه لم تعودا تقويان على حمله
_يعني..بلال عارف اللي حصل علشان كدا..
قبض يده بقوة حتى ابيضت مفاصله يطالع صمت إلياس بتوتر يخنق
_وبعد كدا
تنفس إلياس بعمق وصوته خرج واهنا
_معرفش..اقعد مع ابنك وافهم منه قبل مانروح ليزن.
شهق أرسلان كأنه يختنق
_يعني البنت فعلا...
عجز لسانه عن نطق الكلمة..
أطلقت أنفاسه زفرة حارقة
_إزاي بلال مظنش..مش بلال!!
أخفض إلياس صوته
_أنا قولت لك إمبارح الولاد بيخططوا لحاجة..وشكي زاد بعد زيارة يوسف لرؤى..إزاي يروح لها بعد اللي عرفه ده المفروض كان قتلها الزبالة دي.
_هنستفاد إيه دلوقتي يا إلياس
اقترب إلياس وقال بصوت محمل بحذر ثقيل
_متخافش هتتحاسب بس دلوقتي لازم نفهم بلال وصل لفين لازم نعرف هنقول إيه ليزن..مش عايزين نفكك العيلة بلال شايفها شهامة بيحاول يعمل اللي يقدر عليه..بس هل هيقدر يتحمل بعد كدا
رفع إرسلان نظره إليه وقال بنبرة تختلط فيها الأب والقائد
أنا مستحيل أظلم ابني ولا أظلم البنت..دي بنتي ودا ابني البنت اتأذت ودا اللي وصل يزن للحالة دي.
_هتقول ايه ليزن
_اعرف قرار بلال الأول الموضوع مش سهل ممكن عملها شهامة وممكن يكون يزن طلب منه أو اتفاق مع رولا.
تجمد أرسلان يغلي من الداخل لكن في عينيه بريق خوف..خوف من القرار الذي اتخذه ابنه وخوف أكبر من الحقيقة التي ستصفعه بعدما يتذكر ماصار.
انحنى أرسلان بكتفيه قليلا كأن الحمل أثقل من صدره صوته خرج متقطعا
_مش عارف أقولك إيه..حقيقي مش عارف بس مقدرش أغصبه على حاجة.
لم يتركه إلياس يهرب من المواجهة
قال بحزم هادئ
ماقولتش تغصبه..قلت تقعد معاه وتشوفه..واجهه..الجواز دا عن حب ولا لأ
اقترب خطوة ينبش داخل خوف الأخ والأب
_أنا مش هلف وأدور عليك يا أرسلان... اتمنيت بعد جواز يوسف إن بلال يتجوز واحدة من البنات سواء شمس أو رولا..علشان العيلة محبتش بنتي تخرج برة وموضوع حمزة قلب علي المواجع رغم فرق السن اللي بينه وبين شمس بس دا ابن عمها..ومهما حصل بينهم مش هيجرحها ولا هيقول لها أمك ولا أبوكي وخصوصا بظروفنا دي.
توقف لحظة وكأنه يزن كلماته قبل أن يرميها
بس معرفتش أوصلها له إزاي... خصوصا بعد علاقته بشمس وتعلق شمس بابن إسحاق ورولا اللي هو شايفها أخوية أكتر من أي حاجة تانية.
انخفضت نظرات أرسلان نحو الأرض وكأنه يحاول إيجاد جواب لم يخلق بعد
_طيب وبعدين
أشار إلياس بإصبعه
بعدين دي عند ابنك..هل الجواز دا تحسين لصورتها قدام المستقبل ولا حصل مشاعر بينهم..هل بلال شايف إ ولا بيختارها
ابتلع أرسلان ريقه بصعوبة والصراع بدا واضحا في صوته
_خلاص هشوفه وهرد عليك.
ترد علي قبل مانروح ليزن علشان نعرف هنقول إيه.
هز رأسه بتعب ثم نهض بخطوات أثقل مما يحتمل جسده كأنه يجر قلبه خلفه.
بعد فترة طويلة من الشرود ظل أرسلان جالسا في حديقة منزله يحدق في الفراغ وكلمات إلياس ماتزال تخنقه كحبل يلتف حول عنقه..عقله غارقا فقط في سؤال واحد
هل يستطيع ابنه أن يكون رجلا رجلا بحق..
اقتربت غرام وهي تحمل فنجانين من القهوة ابتسامة خفيفة على ثغرها
_عملت قهوة نشربها سوا من زمان قوي مقعدناش قعدة صافية.
رفع عينيه إليها بضياع كأنه يسمع ولا يفهم..كل مايشغل ذهنه كان أثقل من أن يشاركه مع أحد.
مالك يا أرسلان
التفت إليها..نظرة واحدة لرجل ينهار بصمت لحظات صمت خانقة ثم همس بصوت مخنوق
_مفيش..مش كنتي رايحة لضي
ابتسمت بخفوت
_أه كلمتني وقالت هتروح مع شمس يعملوا شوبينج.
أومأ لها بلا كلمة بقيت تحدق به لحظات ثم ضاقت عيناها شكا
_إلياس قالك حاجة زعلتك مش المفروض كنت رايح تكلمه في موضوع بلال
أخرج تنهيدة طويلة..تنهيدة تحمل ثقل مايشعر به
_كلمته وقالي موافق بس قالي اتأكد من قرار بلال...مينفعش يرجع بعد كده في كلامه إحنا أهل والرجوع بعد الموافقة هيشتت العيلة.
هزت رأسها باقتناع ثم قالت بصراحة لا تخلو من القلق
_مش هضحك عليك قرار بلال فاجئني خصوصا وإحنا عارفين دلع رولا وعصبية بلال بس دي حياته مقدرش أتدخل مدام هو حابب البنت خلاص.
مرر يده على وجهه بقوة وكأنه يحاول أن يحرق الأفكار التي تنهشه كان الصمت داخل صدره صراخا يشتعل ويأكل كل شيء.
_ياالله..كيف يتحمل أب جرما كهذا جرما يأتيه من شخص هو أقرب له من أنفاسه...
كيف يتعايش مع سر قادر على أن يعصر قلبه حتى الرماد
تمتمت غرام بقلق وهي ترى ملامحه تتمزق
_أرسلان..فيه إيه وليه شكلك كده
أغلق عينيه بشدة
_غرام عندي صداع صدقيني مش قادر أتكلم دلوقتي.
ولكن قطع اللحظة صوت بلال
_حضرتك طلبتني يا بابا
رفع أرسلان رأسه ببطء...دقق النظر في وجه ابنه طويلا نظرة فاحصة..نظرة أب يحاول أن يقرأ أبعد من الملامح يحاول أن يعرف إن كان ماسيقدم عليه ابنه هل طريق نجاة..أم طريق هلاك
أشار له بالتقدم ثم التفت إلى غرام
سبيني شوية مع بلال واعمليلي قهوة غير دي بردت.
تطلعت إليه...نظرة صامتة لكنها مليئة بالأسئلة كانت عيناه ترجوانها للمرة الأولى..
أومأت دون نقاش ونهضت متجهة للداخل.
وبقي أرسلان ينظر إلى بلال بصمت يخنقه.
ساد الصمت فترة ثقيلة ونظراته تتفحص ملامح ابنه ثم قال بصوت منخفض لكنه نافذ
_عايز أعرف كل حاجة عن موضوع رولا أنا بثق في ابني ومتأكد إنه عمره مايخذل أبوه وكمان عرفت كل اللي حصل وكبرت أوي في نظري يا بلال..بس دا مايمنعش إنك تقولي إنت ناوي على إيه
توترت نظرات بلال ومرر أصابعه بقلق في خصلاته قبل أن يهمس
_مش فاهم حضرتك تقصد إيه
تنفس أرسلان بعمق ثقيل ثم قال
_أنا وعمك عرفنا اللي حصل لرولا.. ومقدرين موقفك بس لازم أفهم طبيعة الجواز دا.
أطرق بلال برأسه قليلا وقال بصوت خرج مزيجا من الحذر والصدق
_بابا..الأول دا مش جواز وبما إنك عرفت فالموضوع كله إنقاذ للموقف علشان محدش يكسر عمي يزن ولا رولا.
ودا اللي قلته لعمو يزن هو في الأول رفض بس أنا ويوسف أقنعناه..
ومحدش غيرنا كان هيعرف ولا كنا عايزين حد يعرف.
رفعت كلمات بلال شيئا من قلق أرسلان لكن لم تطفئ النار في عينيه
فقال بحدة هادئة
_بس دا مش صح يا بلال.
تحرك بلال من مكانه وكأنه يبحث عن الكلمات
_الكلام دا يا بابا لو أنا عايز أتجوزها بجد إنما أنا مش شايفها غير إنها أخت..مش شايف فيها زوجة ولا حبيبة.
أمال أرسلان رأسه قليلا
_ويوسف ما كان شايف ضي كده
هل علاقته بأختك زي ماإنت شايف رولا هل هيفضل شوية ويطلقها
تسمرت عينا بلال واتسعتا بصدمة مكتومة فشهق بخفة كمن لم يتوقع الضربة
_لا طبعا...على ماأظن علاقتهم غير.
اقترب أرسلان بنظره منه يضغط على موضع يعرف أنه مؤلم
_ليه يا دكتور مش كان الجواز إنقاذ للموقف علشان يوسف مايسافرش
هو ماقلكش حاجة عن حياته مع ضي
تجمد بلال وتسابقت دقات قلبه مع صمته..ثم رفع وجهه شاحبا وكأن والده يصفعه بشيء غير واضح
_لا يوسف غيري وأنا حاسس إنه بيحب ضي فعلا.
مسح وجهه بكفه بعنف
_لا. مش عارف يا بابا.
أومأ أرسلان برأسه بأسى ثقيل
_أكيد مش هتبقى عارف لأنك ما تختلفش عنه.
ارتفع صوت بلال قليلا لكنه ظل متزنا
_بابا رولا أخت زيها زي ضي.
تغير وجه أرسلان كأن الكلمات أوجعته من الداخل
_اللي بتقوله دا ماينفعش يابن أرسلان
أنا شكلي قدام يزن إيه وإنت ناوي تطلق بنته
..والبنت صغيرة تطلع مطلقة بعد فترة إزاي يتقبل دا
تراجع بلال خطوة وصوته خرج مكسور الإرادة
_طب مطلوب مني إيه دلوقتي
سأله أرسلان بصراحة جارحة
_يعني مفيش أمل تتجوزها
قالها بلال بسرعة دون تردد وكأنه يخشى أن يلين قلبه إن تأخر
_لا.
ثم وقف وثقل القرار يهبط على كتفيه.. وقال
_يوسف كان هيكتب عليها..وكان هيعمل اللي أنا هعمله
بس أنا رفضت علشان ضي..
فالموضوع مش محتاج ترتيبات
_يعني الكلام هيكون مع يزن على أساس فترة
_أه يابابا وكلامي مش هيتغير.
_تمام يا بلال..روح شوف شغلك
داخل منزل يزن وخاصة مكتبه..
جلس يزن خلف مكتبه بظهر منحني قليلا وكتفاه يهبطان مع كل زفير كأن روحه تسحب منه بالتدريج.
دخل إلياس بجوار أرسلان بخطوات هادئة لكنهما لم يستطيعا تجاهل ملامح يزن...تلك الهزيمة التي لم ير مثلها على وجه رجل مثله.
جلس إلياس أمامه يتأمله لحظة..ثم قال بصوت خافت
_يزن..أنا آسف منكرش عرفت الموضوع من فترة بسيطة بس كنت بتأكد من شوية حاجات.
لم يرفع يزن رأسه فورا..ظل ينظر إلى نقطة ثابتة بالغرفة كأن الإجابة تحتاج قوة لم تعد لديه.
ثم قال بصوت مبحوح متشقق بالحزن
_للأسف يا إلياس اللي حصل حصل مبقاش ينفع نعمل حاجة.
تبادل إلياس أنفاسا ثقيلة ثم قال
_طيب...ورأيك إيه في قرار بلال
إنت موافق على الجواز دا
هو بيقول فترة وكل واحد يرجع لحياته...دا هينفع
هنا
فقط رفع يزن عينه إليه ليست عين رجل.. بل عين أب كسرت إحدى ضلوعه.
هز كتفه ببطء بصوت يخرج وكأنه يخشى أن ينهار إذا تكلم أعلى
مضطر أوافق.
مرر كفه على وجهه وابتلع دموعا تأبى الاحتمال..
ثم تابع مختنقا
_لو عندك حل تاني قولي..
أروح أتحايل على رؤى عشان تقولي مين عمل كدا طب بعد كدا
ضرب بيده على صدره بخفة كأنه يطعن نفسه
_إنت ترضى
اهتز صوته ونزلت حدة نظره إلى الياس
_أنا عندي
قاطعه أرسلان لحظة والنيران تشتعل في قلبه ثم قال بنبرة ثقيلة
_يزن صح.
أنا متأكد إنهم عملوا كدا ..ومش بعيد يطلعوا يهددوا بحاجة تانية بعد كدا.
تشنج فك يزن ثم مد يده إلى درج مكتبه فتحه ببطء كأن كل حركة تحتاج إرادة يصعب تجميعها..أخرج ورقة مطوية ويداه ترتجفان برعشة واضحة وضعها أمامهما
_دي الورقة اللي بلال لاقاها معاها الليلة دي
ارتجفت شفته السفلى فشد عليها بأسنانه ليحافظ على ماتبقى من تماسكه..
وأضاف بصوت بالكاد يسمع
والاسم اللي جنبها اسم مش موجود رحيل دورت...أنا كلمت ناس كتير
بس في الآخر قولت مش هدور تاني.
توقفت أنفاسه نصف ثانية ثم أشار بإصبعه المرتعش إلى التوقيع
الإمضاء مطبوع مش بخط إيدها.
ثم أغلق عينيه لحظة طويلة لتنزل دمعة واحدة سريعة مسحها بيده قبل أن يروها.
لقد حاول أن يكون قويا...لكنه لم ينج من أن يكون أبا مكسورا..
_بلال صح..نجوزهم فترة وكل واحد يرجع لحياته مستحيل أمنها لحد تاني أخوها ميعرفش حتى ميرال لما جت تسألني..ماعرفتهاش.
توقف أرسلان وسكب بعض المياه وقدمها إليه ثم قال
_ووعد مفيش حد غيرنا يعرف ولا حتى غرام هقولها حاجة رولا زيها زي ضي..وأنا بوعدك هجيبه وتاخد حقك منه
كان إلياس يستمع إليهما بصمت إلى أن قال
_لو كنت ناوي تروح لها بلاش أوعى تعبرها بكرة هروح لها وأشوف أخرتها إيه.
عند رولا ويوسف..
دلفت معه إلى أحد المقاهي المطلة على النيل جلست بصمت بينما هو يحاول أن يلتقط أنفاسه
_تشربي إيه
_أي حاجة..مش فارقة.
حل بينهما سكون ثقيل لا يسمع فيه سوى ارتطام الماء بحافة النهر..ظل كلاهما يحدق في صفحة النيل إلى أن قطع يوسف ذلك الصمت المخنوق
_يوم مابابا فرض علي جوازي من ضي..كنت حاسس زي اللي اتكتب عليه الإعدام الدنيا ضاقت بيا وكل ماموعد الفرح يقرب...قلبي يتقبض وكأن حد بيطفي نوري بإيده كنت بسأل نفسي إزاي أتجوز واحدة مش شايفها غير إنها أختي
تنهد بعمق قبل أن يكمل
_مع إن شخصيتها كانت عاجباني... بس القلب له أحكام تانية وإنتي شايفة مكنش بينا حياة أصلا.
كانت رولا تستمع إليه بإنصات حقيقي كأنها تستعيد معه أطياف الماضي المؤلم..التفت هو إليها فجأة
_فيه فرق كبير بين حد تشوفيه قريب وزي أخوكي وبين إن نفس الحد دا بعد فترة يبقى ملكك حياتي اتقلبت مليون درجة..حاولت أقبل فكرة إنها مراتي وإن دا أمر واقع..لحد مابقت ضي هي الحياة ذاتها.
ارتسمت على ملامحه ابتسامة هادئة دافئة
_رغم جنانها...رغم قوتها...سكنت روحي ساعات بسأل نفسي إزاي البنت اللي كانت زي أخت تبقى واخدة كياني كله!
أفلتت منه ضحكة خفيفة والذكرى تلمع في عينيه
_حبيتها بكل حالاتها وبقيت مستعد أتنازل وأسيب شخصيتي كلها تتكسر بس ماشوفش دموعها المهم أشوف ابتسامتها.
تنهد وعاد ينظر إلى النيل الذي يشبه داخله
_أنا بحكيلك كدا علشان أقولك شوفي إحنا كنا فين وبقينا فين ليه أنتوا كمان متبقوش زينا
هنا انفرطت كلمة رولا كأنها حجر سقط في قلبه
_يوسف...بلال فيه واحدة في حياته.
رفع رأسه إليها بسرعة و تغير وجهه بالكامل كأن صاعقة ضربته
_إيه اللي بتقوليه دا!
لم تستطع أن تمنع ابتسامتها الحزينة من أن تظهر...تلك الابتسامة التي تولد من الخذلان لا الفرح
_شوفت في جيب البالطو بتاعه سلسلة لبنت وفيها صورتها ومكتوب عليها كارما.
صمتت بعد كلماتها...بينما شهقة غير مسموعة علقت في صدر يوسف لا يعرف إن كانت دهشة أم خوف على صديقه...أم خشية مما سيأتي بعدما علم بمن تكون.
رفع عيناه إليها
_حتى لو زي مابتقولي فيه قدامكم فترة مش يمكن..
قاطعته سريعا
_ممكن مانتكلمش في الموضوع دا.
_رولا فيه حد في حياتك
لمعت عيناها بالدموع وقالت
_حتى لو..هل لي الحق إني أحب واتحب بعد كدا يا يوسف
_أنا مش عايز أجرحك وأقولك دا من صنع إيدك بس لازم تقوي مش هنبكي على اللبن المسكوب.
أومأت بحزن وقالت
_دا اللي ناوية أعمله بس في الأول لازم أواجه عمتو ليه عملت في كدا
زم شفتيه ساخرا وكأنها طعنته
_علشان واطية للأسف وضعيفة لدرجة إنها طعنتك في ضهرك بلاش تواجهي إنتي أكبر من إنك تضيعي وقتك معاها رغم اعتراضي على تصرفاتك في الأول لكن رولا يزن الشافعي لازم ترجع ومبقاش عندك خيار إلا إنك ترجعي أقوى من الأول أولا علشان باباكي ومامتك وثانيا علشان نفسك بنت الشافعي محدش يكسرها سمعتيني والجواز هيتم مش علشان إحنا مكسورين علشان نبني حياة تليق بينا ومش عايز فكرة إن بلال بيحب واحدة تانية فلازم أتنازل علشان أنا مكسورة إياكي تعمليها تبقي متستهليش اسم أبوكي.
بمنزل إسحاق الجارحي..
دلف حمزة بعدما أذن له والده بفتور لا يخلو من القسوة.
ورغم عقابه وابتعاده عنه الأيام الماضية إلا أن إسحاق أومأ له بدخول المكتب.
دخل بخطوات تحمل عنادا لا يخفى وجلس مقابله مباشرة كمن يخوض حربا..
فيه موضوع عايز آخد رأي حضرتك فيه.
رفع إسحاق حاجبه ببرود لا يظهر ترحيبا ولا رفضا فقط صمت ثقيل يدفع حمزة للانفجار.
لم ينتظر بل ألقى كلماته دفعة واحدة
_أنا مش عايز أكمل في الحربية..وقبل ماترفض مش علشان شمس الموضوع دا خلص واتقفل أنا عايز أفكر في شغل حر مش حابب القيود... حضرتك حاسس إني مدفون مفيش حرية..كل حاجة بقيود.
تصلبت ملامح إسحاق وصوته بدا كالسهم
_بس دا مكانش رأيك يابن إسحاق في الأول.
_فعلا...قالها حمزة وهو يشد على كفيه بعصبية
_لأني كنت منبهر بالكيان الحربية حاجة كبيرة أوي.
_وإيه اللي اتغير
انكمش حمزة لحظة ثم انطلقت الكلمات من قلبه لا من عقله
_خلاص يا بابا...مبقتش عايز أكمل إحنا مبنشوفش بعض غير في الإجازات الرسمية!! غير إني بكرة هتجوز..مش عايز يكون في فاصل بيني وبين ولادي مش عايزهم يشوفوا أبوهم ضيف في البيت.
_ومين قالك كده إنت دلوقتي مضغوط دا طبيعي لسة في البداية.
_بابا قالها وهو يزفر بقوة كمن أوشك أن يختنق
_أنا أخدت قرار وفكرت في شغل حر ليا.
زوى إسحاق مابين حاجبيه وقال بنبرة حادة
_فكرت...وياترى إيه لزمتي
اهتز فك حمزة بغيظ مكبوت
_بابا لو سمحت...دي حياتي أنا أنا خلاص اتخنقت من الحربية وبقيت كاره يعني مش هتستفيد مني حاجة... وبدل ماأنفصل أخرج بكرامتي.
ارتفع صوت إسحاق بنبرة تهديد صامت
_يعني إيه يا حمزة
ابتلع حمزة ريقه ثم قال
_عايز أفتح شركة سياحية لكل دول العالم وكمان أستغل وظيفة الطيران دي بطيارات خاصة لبعثات وسفر خاص دا شغل هيمشي وهيكبر..إيه رأي حضرتك
صمت إسحاق طويلا يطالعه بنظرة لا تقرأ ثم استدار فجأة إلى جهازه
_هفكر...وأرد عليك.
وقف حمزة وكأنه فقد آخر خيط للصبر
_أوكيه...بس متتأخرش عندي تدريبات خارج الحدود ومش ناوي أحضر.
نطق تلك
الكلمات التي أصبحت كالانفجار ثم غادر تاركا خلفه أبا يختبئ في صمته وابنا يعلن تمرده الحقيقي.
بمنزل طارق..
توقف أمام المرآة يغلق أزرار حلته بعناية.
دلفت هند بخطوات هادئة تحمل فنجان قهوته بين يديها
_عملت لك قهوة.
استدار بنصف جسده نحوها لتتجلى ابتسامة دافئة في ملامحه رغم إرهاقه
_هاتيها يا حبيبتي لسة قدامي وقت.
اقتربت منه بحذر مفعم بالاهتمام وضعت الفنجان على الطاولة ثم وقفت أمامه بخفة لكنه لم يعلق..
_هتقعد كام يوم
يومين يا حبيبتي وهرجع أسبوع وعندنا افتتاح في شرم نص الشهر... وبعده هسافر.
قالت بهمس ونبرة تخفي خوف فراق جديد
_ترجع بالسلامة يا حبيبي.
ثم صمتت وعيناها تتنقلان بين أزرار بذلته تسأل قبل أن ترفع نظرها إليه
_اتكلمت مع الحرباية أم ابنك ولا لسة
كانت تحاول التظاهر بالصلابة لكن نبرة السؤال فضحت قلقها.
_اتكلمنا...وعملت كل اللي يلزم الطفل.
ارتجفت عيناها وانخفض بصرها إلى الأرض وهي تتمتم بصوت خافت
هتشوفه كل قد إيه
_هند الولد هييجي هنا ويكون مع أخوه كل أسبوع زي ماطلبتي.
ووافقت يا طارق
كان السؤال يحمل خوفا مكتوما لا غيرة.
_وهي تقدر ترفض يا حبيبتي
لم ينتظر ردها
_إنتي تؤمري بس هند متعرفيش إنتي بالنسبة لي إيه.
_ربنا يديم سعادتنا يا حبيبي يارب.
مضت عدة أيام والوضع كما هو..
بمنزل إلياس كان منهمكا على جهازه يحدق في الشاشة دون أن يرى شيئا بينما كانت هي تجلس بمقابلته وصمت ثقيل يحاصر الغرفة كأنه حاجز زجاجي يبعد كلا منهما عن الآخر.
همست قائلة
_إلياس..ماقولتش إيه اللي حصل عند يزن وليه بلال عايز يتجوز رولا
رفع رأسه بحركة بطيئة
_علشان دا اللي المفروض يحصل... مش عايز تفكك في العيلة وعقبال آسر وشمس إن شاء الله.
شهقت تضرب صدرها بذهول
_يانهار أبيض! إيه اللي بتقوله دا! اللي ناوي عليه دا مستحيل!!
ألقى قلمه بعنف على المكتب وطالعها بتحذير غاضب
_دا اللي لازم تقولي لبنتك عليه... تهيئيها لكدا ولا تتجوز واحد بعد كدا يعايرها.
قفزت من مكانها وكأن الأرض لفظتها
_مستحييييل! أنا مش موافقة..البنت
اقترب منها وصوته انخفض لكن وجعه ارتفع
_ميرال هتقدري تشوفي بنتك مكسورة المفروض إنتي أكتر واحدة عارفة المصيبة دي ممكن تعمل إيه.
اتجهت نحوه بخطوات متعثرة وكأنها تسند روحها عليه برجاء طفل
_وحياتي يا إلياس..بلاش تقتل بنتك بالحيا...
_بإيدي إيه أعمله خرجت منه مبحوحة كأنه يعترف بعجزه لأول مرة في حياته..
ردت كالمستغيثة
_وافق يا إلياس على حمزة والله الواد بيحبها قوي.
اختنق صدره وهو يحاول كبح دموعه
_هو في أب بالدنيا مش عايز سعادة ولاده قوليلي إيه الحل أنا عارف الواد بيحبها بس هل الحب دا كافي يموت الماضي ماأنا حبيتك ارتحنا رغم إن حياتنا كانت غير...
_وحياة ربنا ماتكسر البنت يا إلياس.. مش شايف دبلت إزاي دي شمس..
لو جبتلها سيرة الجواز من غير حمزة ممكن تعمل في نفسها حاجة.
ارتفع بكاء ميرال فجأة وشعرت بتفتت قلبها
_أنا خايف عليها..خايف ترجع ميرال تاني وقلبي يوجعني مبقاش في حتة سليمة يا ميرال تعبت والله تعبت ومبقتش قادر أتحمل الوجع
_أسفة...أنا السبب في دا كله وكل يوم بدعي ربنا يريحكم مني.
قاطعها وهو يضع ودمعة تسللت غصب عنه
_إخص عليكي يا ميرو كدا تكسري حبيبك هونت عليكي تدعي عليا!
آاااه..خرجت منها ببكاء
_مش قادرة على الكسرة دي يا إلياس ماصدقت يوسف يرجع يضحك من قلبه..دي بنتي قطعة من روحي لو موتي هيعيشها سعيدة والله أتنازل عن حياتي.
_آآآه..خرجت من جوفه كأن قلبه يتمزق
دا قدرنا وقدرهم..والصبر هو الحل أنا راضي بكل حاجة يكفيني تكونوا جنبي..ابتسامة يوسف شقاوة شمس.... دول كافيين أدوس على النار وأعد
وبينما كانت تستند إليه..
دخل يوسف وتوقف في مكانه بعدما رآهما بهذا الحال محمحما ليخفف الموقف
_آسف لقيت الباب مفتوح..مكنتش أعرف إن الباشا رجع شبابه.
ابتعد إلياس سريعا يمسح دموعه حتى لا يرى ابنه ضعفه بينما اقتربت ميرال من يوسف تبتسم رغم دموعها
_هو إحنا كبرنا ولا إيه لا بقى أبوك أصغر منك.
رفع يوسف حاجبه بسخرية باردة
_أيوة ماأنا شايف..مش محتاج شرح.
قهقهت عليه بمرارة وتعلقت بذراعيه كطفلة تبحث عن أمان ضائع وليست والدته.
_تعال أعاكسك شوية بدل بابا أهو تفكرني بالذي مضى.
كلماتها لم تصرف نظره عن والده فعيناه بقيتا مشدودتين إلى إلياس المنكسر الذي بدا وكأن العالم كله انهار على كتفيه..التفت إليها يوسف فجأة ة
_عايز قهوة يا ست الكل من إيدك الحلوة دي.
وتمتمت بمحاولة مزاح لكنها لم تخف شعور قلبها بالخوف
_أنتوا بتطولوا كدا ليه
ضحك مشاكسا
_إنتي اللي قصيرة يا ميرو.
ارتجف قلبها من مشاكسته لكنها تحركت سريعا نحو المطبخ لإعداد القهوة بينما اقترب يوسف من مكتب والده وجلس مقابله وعيناه كالسكاكين
_عرفت إنك رحت لخالو..إيه الأخبار
_ليه خبيت علي موضوع مهم زي دا..مفكرني مش عارف
تساءل بها إلياس ليرد يوسف
_مش فاهم كلامك الصراحة..منين خبيت ومنين عارف
نهض الياس من مكانه ببطء كأن كل خطوة تكاد تقتلع روحه واقترب من المقعد ثم رفع ساقيه على المقعد المقابل محاولا التماسك أمام ابنه
_كنت بتعمل إيه في السجن عند رؤى
مط شفتيه يومئ برأسه كأنه يبحث عن كلمة تبرر مافعله لكن إلياس لم يترك له مجالا
_بقالي كام يوم مستغرب سكوتك... لدرجة شكيت إنك مابقتش تهتم.
صمت ثقيل ملأ المكان قبل أن ينهض يوسف ويقف بمحاذاة والده عيناه المتقدتان بالنار
_مادام حضرتك عرفت وأنا أصلا كنت عارف إنك هتعرف السؤال اللي بقالي كام يوم أسأله لنفسي إيه اللي يخلي راجل زي حضرتك هيبة ومركز وست جميلة بتحبها وتحبك يروح يخطط يكسر قلبها من واحدة إنت أويتها
اقترب خطوة وتعمق بالنظر في عين والده حتى كاد يقرأ كل جزء من ضعفه
_هل جوازك من أمي كان إجبار وانتقام..هل فعلا تيتا أجبرتك وعلشان ترضي غرورك يا إلياس باشا قتلتها بالطريقة دي
هنا شعر إلياس بأن قلبه يتوقف وساقاه لم تعد تحمله فسقط على المقعد متهالكا.
كان صدى كلمات يوسف يضرب صدره كالمطرقة كل ذكرى وكل ذنب يعود ليحرق روحه.
دخلت ميرال في اللحظة ذاتها وكل عصب بجسدها يرتجف كأن نيران الماضي العتيق قد انفجرت فجأة بين قلبها وقلبه أعادته إلى سنين من الألم والخيبة نيران سوداء تخنقه وتخنقها.
نظر يوسف إلى شحوب وجه والده وشعر بطعنة في صدره...لعن نفسه بصمت واقترب خطوة منه وكأنه يحاول انتشاله من السقوط
_أنا مكنتش عايز أتكلم بس لازم تدافع عن نفسك..أنا مصدقتهاش... لكن للأسف عرفت إن دا حصل..ليه تعمل في أمي كدا..ليه تدبحها يا بابا بالطريقة دي..علشان إيه
قبل أن يجيب إلياس جاءت القاضية التي لم يتوقعها بصوت مكسور مرتجف ممزوجا بين ذنب عمره وآلام لا تموت
_أنا السبب.
تفوهت بها ميرال وهي تقترب تحمل قهوته بيد ترتعش وكأنها تحمل اعترافا ثقيلا..وضعت الفنجان أمامه وانحدرت دموعها بلا استئذان
_أنا السبب يا يوسف...أنا اللي وصلت حياتنا لكدا.
اختنق صوتها وكأن السنوات كلها عادت تخنقها دفعة واحدة
_أبوك كان صح..أنا كسرته وبدل المرة اتنين وتلاتة وكان طبيعي لشخصيته يثأر لرجولته.
انقلبت ملامح يوسف لصدمة حقيقية يشعر بأن الأرض تحت قدميه مالت فجأة
_يعني كلام رؤى حقيقي!! إنتي كنتي بتهربي منه..وحاولتي تقتليني وإنتي حامل فيا!.
شهقت ميرال وجحظت عيناها تهز رأسها بعنف
_محصلش! دا كذب..إزاي تصدق حاجة زي كدا
_مصدقتش يا ماما بس كان لازم قلبي يرتاح لازم أعرف إيه اللي وصلك إنك تدفنيني بالشكل دا
اقتربت منه كالمسلوبة
_عارفة إني ظلمتك وغصب عني..والله يابني غصب عني.
بعد اعترافها المنهار جاء صوت إلياس متعبا متحشرجا مثقلا بسنين عتاب لم يقلها يوما
_يوسف...
رفع رأسه إلى ابنه والنظرة في عينيه كانت أكبر من الحديث خليط من وجع وندم وجرح أب ينهار أمام حقيقة أن ابنه يحاسبه
_كبرت لدرجة جاي تحاسبنا!
هز يوسف رأسه بصلابة
_من حقي يا بابا.
هنا اقتحمت ضي الغرفة كشرارة ضوء وسط دخان كثيف
_أين أنت يا دكتور أنا جاي لحضرتك يا عمو علشان ناوية أق تل ابنك دا!
ابتعدت ميرال تجفف دموعها بسرعة اقتربت ضي من يوسف تلكز ذراعه بعنف مضحك
_ابنك المحترم بيضايقني وبيحرق دمي..قال إيه هروح أتجوز عليكي!!
لوحت بيدها
_أنا بعرفك أهو ممكن أمو ته ولا يهمني أبو عين زايغة دا.
رغم الحزن الذي يخترق صدر ميرال إلا أن ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهها..أما الياس فرفع عينيه إلى ضي بنظرة تحمل خليطا من السخرية والمرارة والاعتراف الخفي
_ميقدرش يعملها يا حبيبتي.
ثم أكمل وصوته ينفجر بحقيقة مرة
_كان قدر أبوه يعملها في خمس سنين عذاب.
ابتلع غصة ونظر ناحية ميرال قبل أن يكمل
_أبوه..لو فكر يقهره أو يقهر أمه وينتقم منها زي ماعقله بيقوله كان عندي فرص كتير.
ثم أشار إلى ضي ورفع يده لينهي النقاش
_خدي جوزك وروحوا اتعاتبوا بعيد عني.
سحبته ضي وهي ترسم ابتسامة تصنعت المشاكسة
_طيب محدش يلومني بعد كدا.
تحرك معها مسلوب الإرادة وكلمات والده تحرق صدره توقفت أمامه تنظر إليه بعتاب
_إيه اللي قولته دا!! إنت متعرفش باباك عانى قد إيه يوسف مش غبي علشان يغلط بالشكل دا.
تحرك دون أن يرد عليها خطوات تحت قدمه تهز الأرض...
لحقته سريعا
_يوسف استنى
لكنه لم يستمع اليها يشعر بالاختناق دلف الى منزله وهي خلفه ولكن توقفت على كلمات زهرة
_استاذة ضي فيه حد باعت للدكتور ورد اطلعه فوق ولا احطه في المكتب
ضيقت عيناها واستدارت تنظر للورود
_مين اللي بعته
هزت كتفها واشارت الى الكارت
_معرفش عليه الأسم
بمنزل كارما
تجلس بحديقة منزلها مع ابنة عمها تقلب في جهازها
_ايه رأيك في الفستان دا
نظر ابنة عمها للجهاز ثم قالت
_واو.. تحفة واللون ياخد العقل
عايز Jewelry بسيط هيكون واو
هزت رأسها واشارت الى بعض
الاكسسوارات
_معاها Accessories
حلوين اوي حبيبتي.. ياله هاتيه هموت واشوفه على القمر
قاطعهم صوت مشاجرة وصل الى اطلاق ضرب نيران.. وظهور طليقها الذي يدعى اسامة
تراجعت للخلف تحاول ان الفرار الا انه اوقفها وهو يشير اليها بالسلاح
_هموت بنت عمك لو سمعت نفسك
عند بلال كان متجها الى المشفى ارتفع رنين هاتفه
_ايوة..
_دكتور فيه هجوم على منزل استاذة كارما وللاسف مفيش غير اتنين بس من طقم الحراسة
توقف فجأة
_يعني ايه.. وفين طقم الحراسة
_استاذ مالك اخدهم اجتماع مهم
اتصل بيه فورا متصل بيا ليه انا في الطريق شوية وهكون عندك
قالها وهو يغير اتجاه السيارة وقام بمهاتفة الياس على الفور
_دا وعدك ليا ياعمو الحيوان طليقها هجم على بيتها ومعرفش عمل فيها ايه دلوقتي
_مالك راح على هناك كان فيه اجتماع مهم اكيد فيه حد من الخدم عندها مالك هيتصرف
_تمام ياعمو
قالها
اتجه للداخل وجدها تقف امامه
_خلاص سبها وانا هاجي معاك
_كارما... نطق بها بلال
لتستدير اليه سريعا تنظر اليه ببكاء
اقترب منهم
_بتعمل ايه هنا
جحظت اعين اسامة
_ودا بيعمل ايه هنا مش بقول انك واحدة شمال والله لاقت لك ياحيوان
جن بلال من كلماته واقترب منه غير مكترث بسلاحه
ابعد هموتك.. لكنه لم يكترث
_اضرب ياجبان انا قدامك بتتشطر على ست... لم يكمل بلال حديثه لتنطلق رصاصة من سلاحه تخترق