رواية بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز


يوم مماتي.
لا أفرح...ولا أحزن.
هناك شعور غريب يشبه الوقوف على حافة لا ترى مابعدها.
تم عقد قراني على ابنة عمي.
كبرنا معا...
كنت أعدها أختا لا أكثر
روحا تتنفس بجانبي دون أن أفكر يوما بما وراء ذلك.
لم تكن بيننا مشاعر تشبه مايكتب في الكتب عن

الحب لكنني كنت أحب شيئا فيها لا أعرف كيف أسميه.
كنت أحب تمردها.
عنادها الذي يشتعل إذا فرض عليها شيء.
غرورها الذي يشبه كبرياء من يرفض الانكسار.
ثقتها بنفسها التي كانت تسحق خوفي وتظهر هشاشتي في داخلي.
كنت أراقب كل هذا بصمت
وأقول بيني وبين نفسي
إن تزوجت يوما..فليكن شبيها لها.
لكنني لم أكن أريد الزواج أصلا.
كيف أنجب طفلا يشبهني فيأتي إلى هذا العالم حاملا مرارتي
كيف أسمح لروح صغيرة أن تتذوق الفقد نفسه
كنت أريد أن أكرس حياتي لمرضايا فقط...
لإنقاذ مايمكن إنقاذه من الآخرين...
بعدما فشلت في إنقاذ نفسي.
لذلك..بدأت أبتعد عنها.
على الرغم من أنها كانت ضيائي الوحيد في تلك الوحدة الخانقة
على الرغم من أنها كانت تقتحم حزن روحي بشقاوتها...
وتغسل جراح قلبي بضحكتها...
إلا أنني شعرت بشيء آخر حين رأيت الأعين كلها تتجه نحوها في احدى الحفلات هنا وخز قلبي.
وكأن شيئا داخلي انتفض خوفا..أو غيرة..أو اعترافا مبكرا لم أجرؤ أن أراه.
هل هذا نذير!
هل هذا إنذار!
هل هي ضوء يسبق العتمة..أم العتمة نفسها
أنا لا أعلم.
لكني أعلم شيئا واحدا
أشعر أنها يوما...
ستكون عتمتي الكبرى.
العتمة التي لا أهرب منها...
ولا أستطيع النجاة منها...
ولا أريد النجاة منها... 
انسابت دموعها وهي تقرأ كلماته التي تسللت إلى قلبها راحت عيناها تنظر إلى نومه العميق 
_أنا بحبك أوي يا يوسف وزي ماقولت عليا متمردة أوعدك تمردي دا هيخليني حياتك كلها وزي ماقولت ياحبيب قلبي أنا قدرك اللي مكتوب مش عتمتك أبدا يعني مكنتش عايز تتجوز علشان متخلفش!
لقد فعلها أبي...
فهمني من بين السطور التي مزقتها ورميت بها بعدما قرأ الكلمات التي حاولت إخفاءها...
ورأيت آثار الدموع في عينيه.
حينها فقط...كرهت نفسي.
كيف استطعت أن أجرح رجلا مثله
كيف سمحت ليدي أن تكتب وجعا يطعن قلبه
أي عقوق هذا الذي يتخفى باسم الألم
أي حزن هذا الذي يجعلني أقتل من احتواني حين تخلى عني العالم
قلت لنفسي
هل هذا جزاء إلياس الشافعي
الرجل الذي حملني حين كنت هشا
وحاول أن يبني لي حياة من أنقاض لم يكن هو سببها
كيف أرد له الحياة..بالموت!
كيف أكسر سندي
شعرت بألم ضاغط في صدري
كأن ضلوعي تنكمش لتبتلع قلبي.
ذلك الألم الذي لا يأتي من جرح خارجي...
بل من خيانة النفس لنفسها.
كنت أظن أنني أفكر بنجاتي فقط
أن الرحيل حل صامت...
حتى أدركت أني كنت على وشك قتل أبي قبل أن أموت أنا.
ولم يكن أبي وحده من انتشلني من تلك الحافة...
كانت هي نعم...عيناها.
عيناها التي كانت تغلق على قلبي بطريقة لا أستطيع الهروب منها.
كلما فكرت في الرحيل كدت أختنق...
كمن غاص تحت الماء وفقد تنفسه.
كلما أغمضت جفني رأيت تلك النظرة...النظرة التي لم تعد عابرة
ولا بريئة ولا عادية.
كانت نظرة حياة.
هي لم تكن ضيائي فقط...
بل كانت الحياة نفسها.
وأنا...لأول مرة...
لم أرغب في الرحيل.
لم أرغب إلا بنظرة واحدة...
نظرة عيناها التي أصبحت لي الحياة 
تقول 
لا أريد سواك إنني أحبك أحبك فقط
لحظة صمت باغتتني وأنا أدون هذه الكلمات...
وقفت أمام وجع لا أملك اسمه
وتخيلت عينيها وهي تقول لي أنا أحبك.
هل ستقولها كما كانت تلقيها سابقا بلا وعي
أم ستقولها هذه المرة بطعم العشق. وقد عرف القلب طريقه..
لا أعلم.
كل ماأعلمه أن قلبي يخفق بعنف يهدد صدري بالانفجار.
تمنيت في تلك اللحظة فقط...
أن تكون أمامي.
لو كانت أمامي ماتركتها تمر دون أن أبوح
لقد أصبحت خطرا على قلبي...
فقد بدأت أراها لا أختا كما كنت أحاول خداع نفسي.
من سيخبرها
من سينطق بالسر الذي يضج داخلي
كيف ستكون المواجهة بعد شهر من عقد القران
كيف أواجه نظراتها التي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي
صفحة أخرى تنزلق بين أناملها ومازالت تقابل كلماته بالدموع
كأنني لو ابتعدت ثانية واحدة...
سأفقد الحياة من صدري.
ولكنني..أفسدت كل شيء.
أحزنتها... كسرت كرامتها.
وأطفأت تلك الأنثى
ندمت...نعم ندمت لأنني خفت من شدة الحب.
خفت حتى ظننت أن نجاتي في الهرب..
فأبعدتها بكبرياء الرجل الذي ظن أنه قادرا على السيطرة على النار.
لكني كنت...شيطانا أحمق.
باليوم التالي نزعت عني ثوب الغرور وسرت إليها...
ولكنها كانت قد عاهدت قلبها على أن تذقني مرارة البعد.
ثلاثة أيام...
ولم أر ملامح وجهها التي صارت سمائي.... ثلاثة أيام...
لم أسمع صوتها الذي أصبح نبضا يجري في صدري.
ثلاثة أيام...
كانت أعواما تميت... تساءلت
كيف فعلت بي كل هذا!! من شهر واحد فقط
كيف صار وجودها هو حياتي
وكان الجواب أقسى من الاعتراف
كنت أعشقها منذ طفولتي...
ولكن قلبي الأحمق...
كان يخاف أن يقول الحقيقة.
شهقت تضع كفيها على فمها تمنع صوتها وكأنه سيصحو تهمس لنفسها
_هل مااقرأه صحيح... تابعت القراءة
بالأمس كان زفافي..
اليوم الذي طالما تخيلته ثقيلا كجبل يوضع فوق صدري ورغم ذلك ابتسمت لا أدري كيف..كنت أحاول أن أخرس الارتجاف الذي يسري في دمي والخوف الذي كنت أحمله منذ كنت طفلا أراقب أبي كيف كان يضع رأسه بين يديه ليخفي انكساره وكيف كان يضحك بضحكة باردة تخفي خلفها 
كنت شاهدا على الوجع كله.
وكنت أخشى أن أكون أنا امتداده.
فبعد عودة أمي..شعرت بشيء يشبه الفرح لكنه كان فرحا موجوعا كمن شرب ماء بعد عطش طويل لكنه نسي كيف يبتلع..حاولت أن أحب نفسي مرة وكرهتها مرات..كنت متعبا من محاربة ظلي.
أوصاني الطبيب أن أدفن الماضي..
_ادفن الماضي...واصنع لنفسك حياة جديدة.
أومأت...وكذبت عليه...
لأن الماضي لم يكن جثة لأدفنها كان حيا في صدري..يتنفس.
قدمت المانع لها..
وكان ذلك كمن يكتب شهادة وفاته التي رأيتها بعينيها.
لم أحتج إلى كلماتها لأفهم غضبها...
لم أحتج أن أسمع شيئا.
الصدمة كانت في عينيها...
كانت كافية لتعيدني إلى السنوات التي كنت فيها الطفل الذي يخشى التعلق خشية الفقد.
في تلك اللحظة شعرت أنني خذلت شيئا طاهرا.
كأنني كسرت الطاولة التي وضعت عليها حياتي الجديدة.
انهار شيء بداخلي..
شيء كنت أظنه صلبا.
لم أستطع الدفاع عن نفسي...
ولا شرح خوفي...ولا تبرير ندبي.
فقط هربت من مواجهة ضعفي وضعفها.
وأدركت أن السعادة التي ظننت أني قبضت عليها...
كانت هشة كرماد يتناثر عند أول نفس.
لم تكن هي المخطئة..
ولا أنا المخطئ.
كان الجرح هو الذي حضر قبلنا...
وجلس بيننا...وقسم القلوب نصفين.
وهكذا...
أرتني أنني مازلت واقفا عند 
باب الماضي الذي مازلت أرتجف أمامه.
ولكنني لم أضعف ولم أنكسر كعادتي.
فكم من مرة ظننت أنني بلغت الأمان فإذا بالقدر يصفعني صفعة تسقطني من وهمي تجبرني أن أتعلم كيف أتنفس وأنا مكسور وكيف أبتسم وأنا أنزف بصمت.
كل صفعة كانت توجعني أكثر لكنها كانت أيضا تنضجني أكثر..تطفئ في داخلي شيئا طفوليا وتشعل مكانه رجلا يعرف أن البكاء لا يعيد ماانكسر وأن الله وحده يجبر ماعجزت عنه الأيام.
وها أنا اليوم..لم أعد كما كنت..
الصفعات علمتني ألا أثق بوعود تشبه النسيم ولا أركن إلى قلوب تتبدل.
علمتني أن أبتسم وأنا أحتضن وجعي لأن أقسى مايفعله القدر أنه يربينا بطريقته القاسية..حتى نصبح أقوى مما كنا نتخيل.
أغلقت الدفتر وانسابت دموعها بصمت..هنا شعرت وكأنها بقبر مهما تصرخ لا أحد يسمعها.
وضعت الدفتر
_إزاي كنت شايل كل دا جواك.. وبتضحك!
_إزاي ماحستش بيك
هو إحنا كنا بعيد للدرجة دي!.
لكن الصمت أوجعها حتى خشيت أن نومه مسافة اتخذها للبعد فعصرت قلبها 
فالآن فقط فهمت ماذا كان يحارب
ولماذا كان قاسيا لدرجة أوجعتها.
مضت ساعات طويلة قبل أن يفتح عيناه أخيرا.
وعقل يصرخ هي محرمة عليك..الآن.
كل شيء توقف..نظرتها تلك مابين النوم واليقظة.
ابتسمت قليلا وهمست بصوت مبحوح رقيق خفيف
_صباح الخير...
هل جرب أحدكم أن يكون العاشق أقرب إلى روحك من الدم
ولكنك لا تملك حق لمسه
هنا شعر وكأنه يختنق..نبضه يدوي في أذنيه ه
اعتدلت بهدوء..لم تسأله لم تكثر الكلام فقط اقتربت..
همست بصوت خافت
_صباح الخير...هنا ارتعش 
لكنها لم تمنحه فرصة للهرب أو المراوغة اقتربت أكثر كأنها تلملم ماتبعثر منها ومنه.
_طيب رد الصباح...
رفعت رأسها تنظر له نظرة تحمل من العتاب أكثر مما تحمل من الكلام
_هو مش الرسول وصاكم بالضعيفين
طب ماأنا قدامك..ضعيفة..ومكسورة القلب 
_كنت فين إمبارح
_

عايزة إيه يا ضي
_قولي..قولي اللي يريحك وأنا هعمله متفكريش إني مبسوط اللي بيحصل بينا بس إنتي عندك حق..
أنا كنت أناني فكرت في نفسي وفي سعادتي أنا...
لم تنتظر أن يكمل.
قبل أن يسألها على إيه
رن الهاتف لا يعلم لماذا شعر أن العالم عاد يقسو عليه حينما ابتعدت عنه.
نظر إلى الشاشة رفع الهاتف وعيناه تحاصر نظراتها إليه نظرات كانت تبوح باعتراف لم يكتمل فقال
_صباح الخير يا ابني إيه..بتحلم بيا
_يوسف اسمع...لازم ترجع فورا..
جدو مصطفى حالته بقت خطيرة ونقلناه المستشفى التحاليل وحشة والقلب النبض ضعف والكبد بدأ ينزف.
أنا دخلت شفت الحالة..بس إنت عارف..لسة في أول الطريق...
لم يكمل بلال..
انتفض واقفا وقال بتقطع
_مسافة السكة.
نهضت هي أيضا مذعورة من تغير ملامحه
_فيه إيه
_البسي بسرعة..جدو تعب..دخل المستشفى.
_حاضر..حاضر..بس اهدى شوية...
لكنه لم ير شيئا.
كل ماأمامه صورة واحدة
انهيار والده ذم نفسه
كيف أتى إلى هنا
كيف سمح لنفسه أن يكون بعيدا
بالمشفى عند حمزة 
هدأت الأصوات عقب عودة النبض مرة أخرى لكن الهدوء لم يكن إلا ستارا هشا يخبئ عاصفة لتمر تلك اللحظات العصيبة حيث شعر إسحاق وكأن جزءا منه ينتزع.
الموت لم يكن يحوم حول حمزة فقط..بل كان ينهش روح أبيه ببطء.
خرج الطبيب أخيرا من غرفة العناية ركض إليه عمران وأرسلان بينما إسحاق لم يستطع التحرك نحوه.. شعر وكأن قدماه ثقلت وصدره يرتفع وينخفض كمن يسحب الهواء من الماء.
لقد فقد السيطرة على جسده تماما.. بعد تلك اللحظات التي أشبه بخروج الروح ليهوي على المقعد.
أوقفه فاروق بينما توقف أرسلان ينطق بالسؤال المختنق
_ليه القلب وقف يا دكتور
أجاب الطبيب بنبرة مهنية هادئة لكنها انغرست في قلوبهم كسكين
_ده طبيعي يحصل في العمليات الكبيرة..لكن الحمد لله قدرنا نسيطر.. حالة المريض مستقرة نسبيا وهنراقب بدقة..سلامته إن شاء الله.
قالها ثم غادر..تاركا خلفه قلوبا تتشبث بالحياة.
ارتجف جسد اسحاق وسقطت دموعه ببطء شديد...
دموعا لم تكن بكاء بقدر

ماكانت انهيار أب.
اقترب أرسلان منه سريعا أمسكه بقوة تشبه الرجاء
_عمو لازم تقف أنا عارف إنه صعب والله عارف..بس بص حواليك..بابا بيحارب علشان ماينهارش عمران خلاص بيموت خايف على أخوه ودينا مش قادرة توقف على رجليها...لو إنت وقعت إحنا كلنا هنقع..
_فين إسحاق الجارحي
رفع اسحاق عينيه ببطء كانت عيون رجل رأى العالم كله يتهاوى أمامه
_حمزة عايش يا أرسلان
هز أرسلان رأسه بإصرار مؤلم
_عايش وهيقوم بإذن الله.
أسند إسحاق رأسه على كتفه وخرج صوته مبحوحا
_عايز أدخله.
تحرك بخطوات ثقيلة...
كل خطوة وكأنها تسحب من قلبه لا من قدميه أشارت له الممرضة
خمس دقايق بس يا فندم.
هز رأسه ودخل وقف عند الباب 
تجمد..وهو يرى ابنه هناك على الفراش الأبيض قطعة من روحه ممتدة أمامه كجسد بلا روح جسدا ينازع..
تقدم وهنا ركبته لم تحتمل المشهد فسقط عليها بقوة جعلت صوت ارتطامها كأنه صرخة مكبوتة.
مد يده المرتجفة وأمسك يد ابنه
كمن يحاول أن يعيد النبض بيده.
لو استطاع أن يزرع الحياة بأنفاسه لفعل.
..وخرج صوته متقطعا كأنه يخرج من صدر يموت
ماتكسرش أبوك يا حمزة...
أبوك مات كتير...وكان كل مرة يقوم لأنه كان قوي بس المرة دي هتوصل لروحي هتكسرها وتدفني وأنا حي.
وضع رأسه عند طرف الفراش...
وانفجر بكائه بكاء لا يخص رجلا بل يخص اب ينهار أمام قطعة منه.
آااه يا حبيبي يا وجع قلبي ياريتني أنا... ياريتني أنا وإنت لأ.
مضت ساعات طويلة وهو ينتظر أن يفتح عينيه...كان الوقت أثقل من الروح.
كل فترة يدخل إليه..مرة أرسلان ومرة فاروق..كلاهما يخرج بنفس النظرة رجاء لا يملك أن يتحقق..وخوفا لا يمكن الهرب منه.
إلى أن خرج الطبيب أخيرا...
لكن صوته هذه المرة لم يحمل أي طمأنينة
_كنت متأمل يتحسن لكن للأسف دخل في غيبوبة.
الكلمة سقطت كالسيف صرخة دينا شقت جدار المستشفى لم تكن صرخة..كانت احتضارا.
سقط جسدها أرضا تبكي بنحيب يمزق قلب إسحاق أسرعت ملك إليها بقلب يخاف أن ينهار هو الآخر
_طنط دينا..إن شاء الله هيفوق.
لكن دينا لم تسمع كانت تغرق في ألم الخوف من فراق ابنها وهي تتخيل أنه لن يعود.
أما إسحاق...
فاستدار ببطء شديد نحو الزجاج نحو الجسد المسجى هناك.. 
لم ير فراشا لم ير أجهزة بل رأى ابنه..روحه..قلبه المعلق
اقترب أكثر...
وكأنه يخاطبه من خلف جدار الغرفة
ماتعملهاش يا بني..ماتعملهاش...
أنا اللي بموت!! 
إنت سامع
إنت اللي ماسك روحي لو سبتني... هتموتني..أنا مش قد فراقك يا حمزة...
انسابت دموع دينا بلا توقف اختلطت بحشرجتها ولم تعد قادرة على التنفس من الألم.
انحنى إسحاق إليها 
اقتربت الممرضة بسرعة تحقنها بإبرة مهدئة...
بينما كانت عيناه معلقتان على فراشه.
هناك...
حيث تنام الروح التي إن غابت
تنهار الحياة كلها.
عند مصطفى 
كان يجثو بجوار والده يشعر بثقل جسده من شدة الوجع بينما إسلام على الجانب الآخرط
لم يعد يرى أحدا...ولا يسمع إلا صوت أنفاس أبيه البطيئة بعدما لم يشعر به.
هنا يأتي القهر...
قارئاتي الوجع ليس في جسد المريض فقط.
الوجع الحقيقي يسكن قلوب من يحاولون أن يتماسكوا أمامه.
أحبائه الذين يتمنون لو يدفنون أحياء معه بدلا من أن يشاهدوا روحه تنطفئ أمام أعينهم.
كان ينظر إلى جسد والده...
ذلك الجسد الذي عرفه يوما قويا ثابتا لا يميل ولا ينكسر.
أما الآن..
كأنه ظل كأن الحياة تسحب منه قطرة بعد قطرة.
لم يكن رجلا حينها.
بل طفل
بينما إلياس شعر بأن الهواء يضيق وأن شيئا في صدره يتفتت ببطء موجع وكأن حياته كلها تسحب من حوله من عظامه من لحمه..من قلبه.
ومن يخبر الناس...
أن فقدان الأب ليس حدثا..
بل انهيار عالم كامل..
الأب ليس كلمة الأب بداية الحياة..
أول ضحكة أول سند أول يقين بأن هذا العالم آمن.
ومن فقد أباه فقد نصف الحياة..
ونصفه الآخر يمشي بعدها مشوها.
لم يكن يريد وداعا.. كان يريد عودة.
خرجت منه آااهلم تكن صرخة..
لم تكن كلمة كانت نارا تخرج من قلب ينتزع منه أبيه وتحرق ماتبقى منه حيا.. وهو يعلم أن الموت علينا حق
وصل يوسف من المطار إلى المشفى كان يخطو بخطواته كأنه يريد أن يقطع المسافات بخطوة واحدة بينما تتحرك بجواره ضي دون حديث فالوضع لا يحتمل شيئا توقف بالمصعد وقال
_هتطلعي نطمن عليه وخلي السواق يوصلك للبيت قعدتك هنا مالهاش لازمة وكمان علشان ترتاحي من السفر.
_مش همشي غير معاك. 
خرج من المصعد ورد باعتراض 
_ضي مش قادر أجادل لو سمحتي قعدتك هنا مالهاش لازمة. 
_لأ ليها جوزي هنا. 
_احتمال كبير نسافر الموضوع هنا مش نافع
_علشان خاطري خليني هنا لحد مانشوف عمو هيعمل ايه
فهو في حالة لايريد جدالها.
وصل إلى الغرفة التي يحجز بها مصطفى كان بالخارج بلال وميرال وغرام. 
اقتربت ميرال 
_حمد الله على السلامة حبيبي. 
_بابا فين 
أشار بلال للداخل ثم سحب ذراعه وتحرك به
_باباك كلم الدكتور والدكتور رافض يجي المهم حاول تتواصل معاه وتقنعه ودلف للداخل بعدما ألقى نظرة على زوجته 
بالداخل دلف وكأنه يعلم حالة والده وعمه.
مرت الأيام بل والأسابيع والحال كما هو سوى من عملية مصطفى التي أتمها ودخوله في غيبوبة مابعد العملية رغم نجاحها رغم سفره للخارج بطائرة مجهزة بينما اختلف الوضع عند حمزة الذي فاق من غيبوبته وكل مايردد على لسانه اسم محبوبته دلف إليها إسحاق 
_دينا روحي ارتاحي شوية وأنا هبات معاه. 
_مش مبطل يجيب سيرتها يا إسحاق..ماتكلم الياس
_الياس سافر يقوم بالسلامة وبعد كدا نشوف اللي ربنا يقدمه. 
اعتدلت تنظر إليه 
_يعني هتوافق على جوازه من شمس
_إسحاق أنا عايزة سعادة ابني وبس مش عايزة أي حاجة تانية..ولا مستقبل ولا ماضي المهم ابني يكون كويس. 
أومأ لها وتنهد بألم قائلا
_ربنا يقدم اللي فيه الخير يا دينا. 
_إن شاءلله حبيبي.
شهرا آخر...
دلفت الممرضة بابتسامة رقيقة
_صباح الخير يا كابتن.
لم يرد..فقط رمش بعينيه ببطء كأن الكلام يحتاج قوة لم تعد تسكن جسده.. اقتربت تفحص نبضه حرارته مؤشر الجهاز...
_النهاردة أحسن بكتير..الدكتور هيجي دلوقتي.
رفع ذراعه بصعوبة..كأنه يرفع جبلا
_تليفون.
انحنت نحوه لتسمع كررها بأضعف من الهمس...
فأخرجت هاتفها وقالت برفق
_والدتك كانت هنا..لسة نازلة من دقيقتين لو عايز أكلمها تيجي فورا.
هز رأسه هو لا يريد أمه..
هو يريد قلبه.
أمسك الهاتف بيد مرتعشة...
كتب الرقم الذي يحفظه القلب قبل العقل وانتظر للرد.
عند شمس
كانت
مستغرقة بنوم ثقيل كأن الجسد يعرف مالا تقوله الروح.
رن الهاتف طويلا...
دخل إلياس الغرفة يطمئن عليها.
فتحت عينيها تبتسم له تلك الابتسامة التي تشبه أمها تماما.
_صباح الخير يا بابا.
_صباح النور يا روحي...تليفونك بيرن من بدري إنتي كويسة
_الحمد لله...
نظرت للساعة قليلا تنهدت
_عندي محاضرة بعد ساعتين..بس بجد مليش نفس أروح ممكن أروح بكرة
_ولو مش عايزة الكلية خالص... متروحيش.
ضحكت وهي تخفي 
_لا مش للدرجة دي...النهاردة بس.
ضحك عليها ضحكة هادئة
ثم أمسك وجهها بين كفيه
_ضحكتك عندي بمال الدنيا يا شمس.
_ده علشان شموسة..ولا علشان شبه مامي
_حد جايب في سيرتي
قالتها ميرال وهي تدخل الغرفة بابتسامة هادئة.
رن الهاتف مرة أخرى.
مد إلياس يده والتقطه..
نظر إلى الشاشة التي ظهر الاسم عليها من خلال معرفة الأسماء
صفاء. 
_مين صفاء دي
هزت كتفها بعدم معرفة وكأن السؤال لا يعنيها لكن إلياس أشار لها أن ترد.
التقطت الهاتف وضعت الهاتف قرب أذنها وقالت بصوتها الناعم
_السلام عليكم...
لم تنتظر كثيرا حتى جاء صوته...
ذلك الصوت الذي تعرفه الروح قبل الأذن
_وحشتيني.
تجمدت..فالكلمة لم تكن حرفا..كانت سهما.. ارتفعت عيناها سريعا إلى والدها.. رأت عيونه المستفهمة..
تابع حمزة حديثه
_هستناكي قدام الجامعة...
عارف عندك محاضرة بعد ساعتين...
ولو ماشفتكيش هزعلك.
شمس..سمعاني
جف حلقها..صوته على الهاتف نظرات والدها..عيون ميرال التي تراقبها..
والقلب بينهما يختنق ولا يجد مخرجا.
_شمس..حبيبتي هاتي التليفون مين اللي بيكلمك
قالتها ميرال التي اقتربت لكن شمس سحبت الهاتف للخلف كمن يحمي شيئا سينكشف... ارتجفت يدها وارتجف الصوت مع خوفها من أن ينكشف أنه هو.
_دي..صحبتي..أقصد..أختها...
بتقولي عندنا محاضرة مهمة...فكانت..كانت بتسألني هاروح ولا لأ علشان تقنع أختها.
كانت الكلمات تتعثر لأنها تكذب بقلب يرت غير مدركة لما تخفيه
_وطبعا بعد تخطيطك إنك هتنامي وتغيبي عن المحاضرة زي بابا ماهو مدلعك.
قالتها ميرال وضحكت ضحكة صغيرة خرجت من فمها..
بينما شعرت شمس بالاختناق كأنها لا تتنفس.
أغلقت الهاتف..
حاولت أن تنظم أنفاسها..
لكن صدرها كان ضيقا..ضيقا جدا...
حتى إنها لم تستطع الكلام فاكتفت بتحريك رأسها.
اعتدل إلياس وقال بصوت هادئ لكنه مراقب
_لو هتروحي..خلي السواق معاكي..
أنا هعدي على عمك قبل ماأروح المستشفى.
أومأت بلا كلمة.
خرجت ميرال خلفه.
ظلت شمس وحدها...
هنا تركت الهواء يدخل أخيرا كأنها كانت غارقة في الماء..
أمسكت الهاتف بيد باردة همست
_معقول..خرج من المستشفى
ارتسمت ابتسامة صغيرة...
ابتسامة وجع لا فرح.
تذكرت يوم ذهبت لزيارته...
بعد توسلاتها لميرال وبعد سفر والدها مع مصطفى ويوسف وإفاقته بعد زيارتها..ابتسمت وتذكرت عينيه يومها..التي أقسمت أنها له حتى لو باع العالم.
أغمضت عيناها مبتسمة 
_معقول حبيته!
عند يوسف 
بعد عودته من السفر بيوم لم يذهب لمنزله بسبب مرافقته لمصطفى بالمشفى للاطمئنان على حالته ولكنه أصر على ذهاب والده للراحة تحرك إلياس إلى منزله مع إسلام على وعد له أنه سيعود بالمساء وهو يعود إلى منزله الذي غادره منذ أكثر من شهر.
جمع أشيائه لاستعداده للعملية استمع إلى رنين هاتفه نظر إلى الشاشة التي أنيرت باسمها سحب نفسا يحاول فلقد فاض القلب بالاشتياق فمنذ عملية مصطفى ومرافقته له اتخذها هروبا منها بعدما ضعف رفع الهاتف وأجابها
_أيوة يا ضي
_الحمدلله إنك لسة فاكر اسمي. 
_ضي أنا مشغول وعندي عملية ممكن نتكلم بعد العملية اسف بجد مشغول 
صرخت به
_أه وبعدين يا دكتور تقدر تقولي هنفضل على الوضع دا لإمتى طيب إنت رجعت من السفر إمبارح بالليل هل قولت أشوف مراتي اللي هتموت من القلق عليا.. 
_ضي إنتي شايفة الوضع إحنا جينا من المطار على المستشفى على طول مكنش ينفع أسيب جدو لحد مانطمن على وضعه. 
صرخت به بعدما فقدت السيطرة
_وأنا

فين من حياتك يادكتور قولي أنا فين..شهرين سفر ويوم ماترجع ماتحاولش تطمن عليا. 
_طيب ممكن تهدي انا كلمتك اول ماوصلت بس ماردتيش 
_لاني زعلانة فكرتك هتيجي على البيت
_ضي ممكن نتكلم بعدين عندي عملية مهمة دلوقتي وعايز تركيز بالليل نتكلم أنا مضغوط وإنتي عارفة.
_إنت مش مضغوط يا يوسف إنت عايز تهرب مني بدليل جيت من إمبارح ماحاولتش تيجي لو اهمك كنت تركت كل حاجة يوسف أنا تعبت حاولت والله بس تعبت أنا خلاص قررت ننفصل أحسن ولحد لما تبقى جاهز أنا في بيت أبويا مش مستعدة أجري ورا واحد كل اللي بيعمله بيصدني وخلاص. 
قالتها وأغلقت الهاتف دون أن تسمع رده.
نهضت رولا من جوارها
_دقيقة وهتلاقيه هنا عبيطة معرفش ازاي تسكتي اصلا على كدا انتي ناسية انك لسة عروسة
_دماغي هتتفجر يارولا أنا عذرته بعد ماقرأت مذكراته بس طاقتي خلصت ش
ربتت على ظهرها 
_هو بيحبك صدقيني بس الراجل مش بيحب اللي دايما تقول حاضر ونعم شوية وهتلاقيه جاي المهم لازم امشي عندي مقابلة شغل واخوكي اتأخر كالعادة 
عند يوسف نظر للهاتف الذي أغلق شعر بتوقف أنفاسه..تراجع على المقعد محاولا أن يسيطر على ارتعاشة أعصابه قاطعه دلوف الممرضة مرة أخرى
_جاهز يا دكتور دكتور حمدي وصل. 
أومأ لها دون حديث يحاول أن يسيطر على آلامه من كلماتها التي تصدح بأذنه كإنذار حرب نهض بهدوء يهمس لنفسه
_انسى..إنت دلوقتي بين إيدك حياة شخص.
خرج من مكتبه بخطوات واثقة واعتداد لا يخفى هيبته توحي لكل من يراه أنه تجاوز الأربعين بينما لم يزل في ربيع الثامنة والعشرين.
تلقاه أحد الأطباء العاملين تحت إشرافه ملامحه متوترة
دكتور يوسف حضرتك اتأخرت.. المريض جاهز للعملية.
أومأ يوسف بجدية وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل حزما
آسف..خمس دقايق وهكون في غرفة العمليات.
توقف..أغمض عينيه ثوان يسحب نفسا عميقا كأنما يستدعي كل ماتبقى فيه من قوة.
فتح عينيه وعلى جفنيه الأرق وقال بنبرة منخفضة ثابتة
ماينفعش تغلط..قلبه أمانة في رقبتك.
ومضى بخطواته..خطوات يعرف أنها أحيانا تقرر حياة.
دلف فأومأ لأستاذه الذي كان يعطي تعليماته بنبرة حاسمة لبعض الممرضات بعد أن أنهى طبيب التخدير حقن المريض بالمخدر.
اقترب يوسف من صدر المريض... عيناه تستقران عليه كأنه يرى فيه أبا روحا اخا
رفع الأدوات بين يديه وهمس ببداية العملية
بسم الله...
مرت الدقائق بتثاقل..حتى أصبحت ساعات تستهلك من أعصابه من قلبه..
كل خيط كل جرح كل حركة كانت معركة صامتة بينه وبين الموت.
ولكن جسده..جسده كان يخونه.
بدأ الدوار يفقده الرؤية للحظات... صوته الداخلي يصرخ اسند..امسك نفسك..كمل لكن يده ارتعشت.
توقف ونظر إلى أستاذه الذي التقط أداته قبل أن يكمل جملته تراجع خطوة بعدما ثقلت أنفاسه وتهاوت ملامحه..
حتى اصطدمت به الغمامة السوداء كستار يسدل فجأة.
و سقط سقط بكل وزنه وأوجاعه على أرض غرفة العمليات.
هرع إليه الممرضون..وأصوات متداخلة ترنو من بعيد
دكتور يوسف!!
اغلق عيناه على صوتها 
_تعبت ولازم ننفصل
عند إلياس
_الحمد لله المؤشرات بتستجيب الولاد تعبوا الشهر دا جدا.
ربت أرسلان على ركبتيه 
_الحمدلله حبيبي ربنا يبارك في صحته.
_الحمد لله عارف الموت علينا حق ياأرسلان بس الفراق صعب الحمدلله بس مش معنى كدا إنه خلاص بقى كويس هو طلب يكمل علاجه بالمستشفى هنا في مصر قطع حديثه عندما وجد ضي تركض إلى سيارتها
فيه إيه ضي بتجري كدا ليه!!
توقف أرسلان يهز رأسه بجهل ورد
معرفش..استنى هكلمها. 
لحظات وأجابت والدها 
مالك يا بابا بتجري ليه كدا! 
يوسف أغمى عليه وهو في العمليات بلال لسة مكلمني. 
يعني إيه! 
معرفش..قالتها صارخة وهي تقود سيارتها اتجه بنظره إلى إلياس الذي يتابع حديثه بصمت ثم سألها 
العملية فين المستشفى ولا في الجامعة 
المستشفى يا بابا. 
طيب اهدي يا بابا وخلي بالك وإنتي سايقة وأنا وعمك وراكي.
نهض إلياس من مكانه يتطلع له باستفهام 
مفيش حبيبي متقلقش أكيد مجرد إجهاد إنت عارف عمليات القلب بتاخد وقت وكمان سفره كان طويل وانت لسة بتقول... قاطعه الياس بحزم
إنت بتذوق في الكلام ليه..إيه اللي حصل..لم يكمل حديثه بعدما وجد آسر يقود سيارته بسرعة جنونية وخلفه شمس.

اللهم استرنا فوق الارض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
العيون بالكلام نواطق وآه وآه من عيناها...
تسرقان مني اتزاني كلما التقت بنظرتها عيناي
كأن الكون يصمت لينصت لهما وكأن النجوم تضيء لتغار من بريقهما.
فيهما وجعي وراحتي ضياعي

وملاذي
فسبحان من أودع في نظرتها جمالا يربك كل الحواس.
ولو أني خلقت بغير قلب... لأحببتها بعمق الروح وبصمت النبضات
كأن فيها شيئا من المعجزة وكأن هواها قدر لا يستبدل.
أراها في العيون وإن أغمضتها وفي السكون أسمع همسها
فكيف الهرب من حب يسكنني... حتى وإن لم أخلق له
وصلت بعد دقائق إلى المشفى.
ترجلت من سيارتها تركض بجنون لا ترى شيئا ولا تسمع شيئا سوى خفق قلبها الذي يكاد يتهشم بين ضلوعها.
لم تنتبه لكونها خرجت بملابسها البيتية ولا لشعرها المنسدل بلا ترتيب فقط كانت تريد الوصول إليه أن تراه أن تتأكد أنه مازال هنا أنه مازال يتنفس.
اندفعت إلى الداخل تتنفس باضطراب موجع عيناها تجولان كالتائهة في ردهة المشفى تبحث عنه تبحث عن أي وجه يخبرها أنه بخير عن أي صوت يعيد نبضها الذي يتباطأ وكأنه يستعد للتوقف من جنون تفكيرها بأنه سيتركها دارت بتيه إلى أن رأت بلال يخرج من إحدى الغرف هرولت تصيح باسمه بتقطع
_ بلال...
نادته بصوت مخنوق فالتفت إليها وما إن التقت عيناها بعينيه حتى انفجرت الدموع رغما عنها ركضت نحوه وهي تشهق
_ فين يوسف
خرجت الكلمة من بين بكائها بانتفاض قلبها.
اقترب منها بلال 
_اهدي اهدي يا حبيبتي..هو بخير نايم دلوقتي مفهوش حاجة خطيرة.
ابتعدت عنه بقوة وكأن الكلمات لم تكن كافية لتقنع قلبا يتفطر على حبيب أصبحت دموعها تنحدر بلا توقف قالت بصوت متقطع
_عايزة أشوفه دلوقتي.
أشار بلال إلى الغرفة المجاورة
اندفعت تدفع الباب بكفيها المرتجفتين بقلب يصرخ أكثر مما ينبض.
توقفت كأن كل شيء تجمد برودة قاسية تتسلل إلى جسدها حتى ارتعشت أطرافها لتطالعه بأعين متسعة وقلب يصرخ..خطت إليه وعيناها على جسده المسجى فوق الفراش بأنابيب معلقة بمحاليل تغذي وريده.
توقفت وشهقت بصوت كأنها تنازع روحها وخفقان قلب يذبح وهو واع
هل هذا هو
هل هذا حبيبها الذي كان يملأ الحياة ضجيجا وضحكا وعنادا
هل هذا هو الذي كانت كل نبضة فيه وطنا لها
يبدو الآن كمن ترك معلقا بين الحياة والموت
هزت رأسها نافية وسالت دموعها ساخنة حتى أشعلت خديها.
اقتربت بخطوات تتعثر بثقل الندم كأن الأرض تشد قدميها عقابا على كل ماقالت..عن قسوة كلماتها التي كادت أن تودي بحياته خطت بأنفاسها المتقطعة وصدرها يعلو ويهبط وعيناها لم تعودا تبكي بل تنزف حتى اختفت وجنتيها.
وصلت إلى فراشه لم تمد يدها لم تتفوه بحرف حتى البكاء فقد جف بعد الوصول إليه ورؤيته بتلك الحالة.
هوت بجسدها على ركبتيها عند رأسه حينذ شعرت بأن قوتها تبخرت دفعة واحدة.
كأنها تستجديه أن يفتح عيناه لأجلها عل نبضها يعود علها تحاول أن تربط حياتها بحياته
رف جفناه ببطء ثم فتح عينيه وتمتم بصوت متحشرج
_ضي...أنا كويس.
ابتسامة حزينة فوق فمها الغارق بالبكاء لم تفكر..لم تسمح لعقلها بالتدخل
.وكأن كل ماقالته لا يعنيه يكفي أنها هنا.
دخل إلياس يلهث وخلفه أرسلان بينما توقف بلال عند المدخل عاجزا عن الدخول..ورغم وجودهم جميعا...
لم تبتعد..كانت تبكي فقط تبكي بوجع وكأنه فقد حياته.
_حبيبتى اهدي.

همست بصوت مخنوق 
آسفة حبيبي.
رد عليها بنبرة موجوعة 
اهدي خلاص.
خطا إلياس نحوه ببطء بقلب الأب.. ينبض قلبه بعنف كاد أن يحطم عظامه خوفا..
اقترب مع صوت ابنه الضعيف
_يوسف.
استدار له يوسف...
طالعه بعينين نصف مرهقتين ابتسامة خرجت رغم الألم ابتسامة تطمئن ولا تطمئن...
_آسف..خضيتكم كلكم.
كانت كلمة آسف تلك...
أشد وجعا على قلب أب يشعر بمدى معاناة نجله.
دنا من الطرف الآخر تاركا ضي بجواره مازالت دموعها لم تتوقف رفع إلياس نظره إليها ثم عاد إلى ابنه
_حبيبتى بتعيطي ليه ماهو قدامك حلو أهو. 
اقترب أرسلان وعيناه على جسد يوسف
_حمد الله على سلامتك حبيبي. 
أومأ له بعينيه قائلا
_الله يسلمك يا عمو أنا كويس خليها تبطل عياط.. 
هنا فاق الوجع حدوده كيف يقول لها هذا بعدما ذبحته بكلماتها وأيقنت أنها السبب فيما وصل إليه. 
خرجت تركض للخارج تضع كفيها على فمها تمنع بكاءها. 
أشار بعينيه إلى بلال 
_بلال شوف أختك. 
جلس أرسلان على طرف فراشه بينما انحنى إلياس يستند بذراعيه يحاوط ابنه بنظراته..يتفحصه بعين الأب
_إزاي حبيبي أغمى عليك كدا وفي عملية قلب كمان المريض حصله حاجة.
_عادي يا بابا ضغط عصبي لما حسيت بضعف خليت دكتور حمدي يكمل العملية. 
_طيب الحمدلله المهم يكون كويس وإنت ياريت تهتم بصحتك حبيبي مفيش أغلى من الصحة. 
_حضرتك مكبر الموضوع شوية إرهاق وضغط عصبي طبيعي الواحد يوصل لكدا. 
ربت على كتفه واعتدل 
_المهم إنك كويس حبيبي.. 
قالها وخرج متجها إلى طبيبه بينما دقق أرسلان النظر إليه 
_مش مخبي حاجة على عمك يا يوسف
_هخبي إيه يا عمو بقالي كام يوم منمتش كويس غير حالة جدو اللي موتراني
_ربنا يبعد عنك الأذى حبيبي. 
_اللهم آمين يارب العالمين.
بغرفة الطبيب 
دلف إلياس ملقيا السلام نهض الطبيب يحييه
_أهلا إلياس باشا. 
جلس بمقابلته 
_إيه اللي وصل يوسف للحالة دي
أجابه بابتسامة مطمئنة وطريقة مهنية 
_مفيش حاجة خطيرة هو الغلط إنه دخل العملية وهو مجهد من سفر وضغط عصبي وتوتر نفسي.
بالمشفى وخاصة بغرفة حمزة
اعتدل بجلوسه بعد إغلاقه الهاتف وقام بنزع الأبر بيد مرتجفة واحدة تلو الأخرى كأنه ينتزع وجعه..ينتزع خنقته..ليسيل الدم خفيفا هرعت الممرضة تمسك ذراعه
_لا! حضرتك مينفعش.
في تلك اللحظة فتح عمران الباب.. 
تجمد للحظة وهو يرى أخيه بتلك الحالة.
كان قد وقف حمزة بصعوبة بجسد يهتز عيناه المرهقة من الألم بل تلقي نظرات حرب جرح مما يشعر به.
اقترب عمران بسرعة 
_ حمزة بتعمل إيه!
بينما مدت الممرضة ولكنه انفجر كالعاصفة رغم آلامه إلا أنه زمجر.
_ابعدي عني..
جفلت الممرضة بخوف من حالته التي خلف شخصيته اختنق صوت عمران 
_وبعدين معاك.
التفت إليه وهدر
_إزاي كدا هي اتجننت!! محدش له الحق 
أغمض عينيه بقهر وكأن أي كلمة واحدة من أي شخص تكسر ضلوعه من الاشتياق إليها.
توسعت عينا عمران من كلماته من يقصد بتلك الهي التي لا أحد يقترب منه سواها!.
رفع حمزة يده المرتعشة يشير للممرضة دون أن يراها 
خرجها بالله عليك مش قادر أشوف حد غيرها.
هز عمران رأسه وهو يحاول ألا يغضبهفاستدار إليها
_لو سمحتي اخرجي...
غادرت الممرضة بخطوات خفيفة...
وبمجرد أن أغلق الباب كأن الجدار الذي كان يحمله انهار.
لينهض حمزة ويحاول أن يتحرك ولكنه سقط فوق الفراش أنفاسه تتلاحق خانه جسده الضعيف من مساندة نفسه.
ارتجف صدره ودمعة ثقيلة انزلقت من عينه دون أي مقاومة.
جلس عمران بجواره يحاول أن يهدئ من نبرة أنفاسه المضطربة 
_ممكن تهدى وتفكر في صحتك عايز تروح فين بالشكل دا
رفع حمزة عينيه إليه نظرة جريح متوسلة تكاد تنطق وحدها
_وديني عندها..وأنا هكون كويس.
قطب عمران جبينه
_تقصد مين شمس
أومأ حمزة وشرارة ألم واشتياق لمعت في عينيه
_شمس حياتي..وديني عندها وهكون كويس أوعدك..وحشتني يا عمران... والله وحشتني.
زفر عمران بضيق يحاول أن يكتم الغضب داخله من عناد أخيه
_طيب هتروح إزاي إيدك متجبسة... وراسك كمان يا ابني أنا لو مكانك أستحي حبيبتي تشوفني كدا لازم أكون في أحسن حالاتي قدامها.
كأنه لم يسمع منه حرفا..دفع جسده لينتصب واقفا اهتز جسده فاستند على يده السليمة.
أسرع عمران يوقفه
_تمام..تمام هاجي معاك بس اهدى
بعد دقائق دخل الممرض بكرسي متحرك..جلس حمزة مجبرا عليه.
تحركا معا نحو الباب
 هنا دلفت دينا..
شهقت 
_يعني الممرضة ماكنتش بتكذب! رايح فين يابني إنت لسه قدامك أسبوع لما تخرج.
رفع حمزة نظره إليها..لم يجادل لم يصرخ...فقط قال بصوت واهي لكنه ثابت 
_ماما علشان أكمل علاجي هتنزلي تحت وتخرجيني نص ساعة. 
كدا كدا هخرج..سواء وافقتي ولا لأ لازم أخرج.
بحنان أم تخاف أن تضيع ولدها ثانية _حبيبي إنت تعبان..إزاي هتخرج بالشكل دا قول عايز إيه وأنا أجيبه لعندك.
_ماما عايز أخرج وبس..مش عايز حاجة ولو قلقانة عمران معايا.
نظرت إلى عمران تبحث عن كلمة تمنعه..وجدته يهز رأسه مستسلما _ماقدرش أمنعه..خلاص هو قرر.
رفعت دينا يدها عن شعره وتنهيدة طويلة انزلقت من صدرها 
_رايح لشمس..مش كدا
رمقها حمزة وقال بنبرة موجوعة
_لا مش كدا..
رايح لحياتي يا ماما..
كلكم عايزين تخطفوها مني.
_إحنا! إحنا
قاطعها بكلمات الألم التي خرجت من فمه تضغط على كل كلمة
_ماما ماتخلينيش أدعي إني ياريتني ماخرجت من الحادثة لو
حياتي تهمك دلوقتي..هي هناك عندها.
ساد صمت موجع...لا أحد يملك الرد على قلب يتألم حد الذبول.
همست دينا ودمعها يلمع 
_مش عارفة أقولك إيه ياحبيبي...
ربنا يصلح حالك..ويهدي قلبك الموجوع.
استقل السيارة بجوار أخيه يجر معه ألما أثقل من أن يحتمله صدره..كان يتابع الطريق أمامه لكن العالم بدا ضبابيا..كأن السيارة ثابتة والطريق لا ينتهي كأنه في قارة بعيدة وهي في أخرى.
تسللت إلى ذاكرته يوم زيارتها له اليوم الذي ردت له روحه بعدما وجد النظرات التي أقسم حينها أنه سيحارب الكون من أجل تلك النظرات راحت ذاكرته حينما فتح عيناه كان مايزال يلتقط أنفاسه بعد خروجه من الغيبوبة..دلفت هي ووالدتها بخطوات خجولة لا تليق إلا بروحها..
 

تم نسخ الرابط