رواية بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

بخطوات خجولة لا تليق إلا بروحها..
ورغم وجعه..شعر بقلبه يفيق قبل جسده.
ابتسمت دينا حين رأتهما كانت تعرف بقدومهما ولكنها لم تعلن حتى تفاجئه حاولت كثيرا إقناع ميرال رغم أن ميرال لم تكن تريد المجيء إلا أن ضغط ابنتها كان أقوى من رفضها.
اقتربت شمس من فراشه بعينين لم تبك بل نظراتها تنوب عن جرح قلبها من حالته حيث أنها لم تستطع إخفاء الألم..لا منه ولا من نفسها.
طالعته للحظات
ألف سلامة عليك يا كابتن...
خرجت كلماتها متقطعة..وكأن كل حرف يشق طريقه بين جرح وآخر.
حاول أن يعتدل فورا كأن قربها يوقظ حياة كاملة.
أسرعت دينا لتساعده وعدلت وضع وسادته.. نظر لوالدته نظرة أدركت معناها أومأت ثم اعتدلت واستدارت 
تربت بيدها على كتف شمس برقة
وأشارت لها بالجلوس.
ثم سحبت يد ميرال هامسة
_خليهم خمس دقايق
ترددت ميرال للحظة رفعت نظرة طويلة نحو ابنتها..نظرة اعتراض خوف وضعف ابنتها أمامه..
لكن شمس اكتفت بهزة رجاء خافتة.
فتنحت ميرال مرغمة وخرجت.
بقيت هي وهو...
جلست أمامه لم يتحدث...
ولم يحرك ساكنا بل اكتفى بأن ينظر إليها كانت عيناه مرهقتين نعم...
لكن خلف الإرهاق كان هناك وجع حي
وشوق يشتعل كلما التقت نظراته بنظراتها.
لم تحتمل ثقل النظرة فحاولت أن تزيح عينيها بعيدا لكن شيئا أقوى منها أعادها إليه قوة تشبه الاعتراف الذي لم يقال والاشتياق الذي لم يمت.
ابتسم عندما شعر بذلك فأمال رأسه قليلا حتى تألم 
وصوته لم يكن صوت رجل فقط..بل رجل عاش ومات ثم عاد
_عارفة..قلبي وحياتي كانوا واقفين قبل ماتيجي..
مكنش فارق معايا لو قومت ولا لأ.
بس أول ماشوفتك..حسيت إني لازم أرجع لأن لسه في حاجة نقصاني حقي حياتي إنتي.
نظرت اليه وهي جالسة على المقعد..
ضمت يديها كي تسكت ارتجاف أصابعها
_الأول حمد الله على سلامتك يا كابتن... اهتم بصحتك وخلي بالك من نفسك.
رمقها بنظرة طويلة لم ترف
_ماتقوليش كابتن قولي اسمي أنا حمزة حاليا ولكن وعد هكون حياتك.
أطرقت راسها وكأن الأرض أصبحت المكان الوحيد القادر على احتمال عينيها.
مال نحوها بعين رجل لم يعد يحتمل
_إنتي ليه مصرة تحطي أسوار بينا أنا بقولك أنا كنت ميت يا شمس...ولما فتحت عيني لقيتك افتكرت إن ربنا لسه بيحبني.
ارتجفت أنفاسها وخافت من قلبها أكثر منه
_بلاش تقول كده..اللي حصل كان صدفة ونصيب.
أومأ لها و جاء صوته منخفضا مبحوحا..صوت رجل اشتاق حد المرض
_إنتي عارفة قبل ماتيجي مكنتش مهتم أقوم ولا لأ بس لما دخلتي رجعت أتنفس.
أغمضت عينيها للحظة ليس هروبا
ولكن محاولة للوقوف أمام هذا الاعتراف الذي لا تقال كلماته. شعرت بأن نظراته لا تنظر إلى وجهها ولا لعينيها فقط بل إلى قلبها مباشرة.
وكأن كل محاولاتها السابقة للاختباء
كانت بلا جدوى.
_وبعدين يا كابتن لو سمحت ماتضغطش علي.
رفع يده ببطء حذرا وكأنه يلمس جرحا مفتوحا..وهو يشير على قلبه
_دا بيوجعني قوي يا شمس.
نظرت إلى يده التي أمسكت قلبه
ثم إلى عينيه..وفي تلك اللحظة
توقف الزمن وشعرت بنبضها البريء يعلن عن تمرده لينبض له لم تر سوى كفه الذي يضغط على قلبه ونبرة صوته التي شقت صدرها ليتوقف كل شيء ولم يظل سوى قلبان يعترفان دون صوت.
نظر لعينيها المرتبكة الضائعة ثم همس
فقالت بصوت خافت يخرج بصعوبة
_حمزة لو سمحت بلاش تصعبها علينا.
هنا صمت ولم يعد للحديث أهمية يكفي قولها اسمه دون ألقاب
_شمس أنا بحبك بجد مش عايز منك غير تبادليني ربع الشعور اللي حاسس بيه.
هنا انهارت وضاعت باعترافه للمرة الثانية حتى غامت عيناها بالدموع من مستقبل لطخ بسواد الماضي.
وقفت ببطء ثقيل ترنح جسدها وشعرت بصخب قلبها لكن نظراتها لم تفلت عينيه..وكأنها لو أفلتتها سيسقط كل شيء..جرت ساقيها مرغمة وعيناها مازالت متعلقة بعينيه..
تحركت إلى أن وصلت الباب فتوقفت على صوته المرهق 
_هتوحشيني هكلمك يبقى ردي عليا وافتكري إنك هتكوني لحمزة الجارحي حتى لو حاربت العالم كله.
التفتت..ونظرت إليه نظرة اشتياق من الآن لوم وحب. 
أومأ لها بابتسامة رغم عيناها الضائعة
وطالعها بنظرة كلها وعود خافتة..لا تحتاج كلام.
خرج من شروده على وقوف السيارة أمام بوابة الجامعة ظل يراقب الطريق يبحث عن سيارتها تحدث عمران
_كلمها شوفها فين.
التقط هاتف عمران وقام بالرنين عليها توقف بعدما وجد السيارة تدلف إلى الحرم الجامعي ظلت عيناه تراقب السيارة ينتظر نزول جنيته الصغيرة ماهي إلا لحظات حتى ترجلت من سيارتها ببدلتها البيضاء وحجابها الفيروزي ياالله ماهذا الجمال الذي سيوقف قلبي ويحبس أنفاسي دارت بعينيها حتى وقعت نظراتها على وقوف عمران أمام سيارته يهز رأسه إليها شعرت بالخذلان من نفسها لا تعلم لماذا فعلت ذلك ثقة أبيها وأمها بها تراجعت سريعا بعدما أيقن عقلها أنها واستدارت للداخل سريعا تهرب من كل شيء يحاوطها كأن جميع النظرات ترشقها باتهامات الغضب على ماتفعله كيف سمحت لنفسها بذلك.
تجمد جسده للحظة حينما دلفت إلى كليتها دون التفاتة..دون حتى نظرة..
كأنها سحبت من صدره الهواء كله وتركت القلب وحده يتخبط موجوعا.
شعر أنه يريد الركض خلفها..يريد الإمساك بيدها أن يخبرها بصوته المبحوح كم أرهقته الفراقات التي وضعتها.
كم تتعبه المسافة حين تكون هي الطرف الآخر منها.
تبا لقلب لم يعد يعرف كيف يعيش بدونها تبا لنبض عالق في هواها لا ينضبط...
وتبا لتلك القاسية التي تركته معلقا بين الحياة والموت.
التقط هاتف عمران اتصل بها مرة و اثنتين و ثلاث...لكنها لم ترد بل أغلقت الهاتف.
أغلقت عنه كل ماتبقى له من نفس.
خرج من السيارة بعنف وجسده بالكاد يطيعه ليقف عمران أمامه كحاجز
_انسى يا حمزة بلاش تهين نفسك.
_وسع من وشي هتجنن.
أوقفه قائلا 
_إنت مش ماشي بالشكل ده...هتروح فين القاعة وقلبك واقع وهتستحمل لو هي رفضت تشوفك قدام الكل
_أنا..أنا عايز أشوفها...أكلمها حتى لو كلمة واحدة حتى لو بتكرهني.
قالها بصوت مكسور

مكسور بطريقة لا يطاق معها الألم.
أمسك عمران ذراعه بقوة كأنه يحاول أن يبعد عنه انهيار كامل 
_اسمعني..ارتاح يومين بس يومين..
ساعتها روح واحكي واصرخ وابكي... أنا معاك.
بس دلوقتي إنت هتوقع وهتكسر روحك بإيدك وبلاش تقلل من قيمتك وبلاش تخسر آخر جزء منك.
توقف حمزة ينظر إلى باب الكلية وبدأ جسده يرتجف ولم يعد لديه القدرة على التحمل.
أغمض عينيه تنفس وجعا ثم عاد للسيارة وقلبه مشتعلا حد الاحتراق.
وصل المستشفى بعد فترة...
كان إسحاق واقفا لا كوالد فقط بل كجبل ممتد من الصلابة والغضب
ماإن رآه حتى زمجر بنبرة لا تشبه تعقله
_عايز تقتلني يا حمزة إزاي تخرج وإنت لسه تعبان!
لم يرد...
لأن الكلام الآن يحتاج قلبا ثابتا وهو يشعر بأن قلبه ينهار حاول التحرك...
لكن توازنه اختل وسقط كأنه يهوي من قمة جبل ليرتطم جسده بالأرض القاسية ورغم آلامه بها لكن الألم الحقيقي كان في صدره لا في جسده.
صرخ إسحاق صرخة مزقت المكان _دكاترة!!! حد يلحقه!!!
ركضوا..رفعوه..بين ذراعي أب اعتاد أن يقف كقلعة والآن يرتجف كمن فقد العالم.
ينظر إلى ابنه الذي كان يحاول فقط أن يتنفس من دونها.
بمنزل يزن 
دلفت إليه تحمل قهوته وضعتها بهدوء كان منشغلا على جهازه جلست بمقابلته انتبه إلى جلوسها فاستدار يتطلع إليها باستفهام
_رحيل فيه حاجة 
أومأت تفرك كفيها ثم قالت
_فيه مشكلة لازم تعرفها.
أنصت إليها باهتمام اختنق صوتها 
_رولا. 
ضيق عيناه باستفهام فنهضت لدقائق معدودة ووضعت أمامه الهاتف وورقة مطوية بجوارها صورة لشخصين. 
قلب الهاتف بنظراته ثم تساءل
_دا تليفون بتاع مين. 
_رولا..
قطب جبينه بجهل وقال
_بس دا مش بتاع رولا. 
أومأت تنفي حديثه قائلة
_رولا عرفت إنك بتراقب تليفونها جابت دا المهم مش التليفون شوفها بتكلم مين على التليفون.
فتح الهاتف وعيناه تتفحصان الأسماء كأنها خريطة الموت
رؤى..تقى
توقف فجأة وارتجف صوته
_رؤى..مين أختي!
أومأت برأسها والدموع أغرقت خديها
_للأسف هي وتقى دي صاحبتها.
أشارت إلى الورقة المرتجفة بين يديها
واسم واحد مش معروف بقالي شهر بدور عليه..شكله مزور.
شعر باعتصار قلبه كأن الأرض اختلت تحت قدميه وأنفاسه صارت ثقيلة تكاد تخنقه.
فتح أزرار قميصه بعنف يهز رأسه بلا وعي يتمتم
_لا... لا..أكيد في حاجة غلط بنتي... بنتي ماتعملش كده...
وتبكي بنشيج يقطع الصمت
_عملت يايزن أنا روحت لطارق وواجه رؤى وقالت كل حاجة ضيعت البنت..أختك ضيعت بنتي..
_وياما حذرتك منها..قولت إيه بتغيري من البنت بنتي ضاعت يا يزن ومش متقبلاني.
_أختك مفهماها أنا السبب في دخولها السجن ومش بس كده مفهماها ..وأثبتت بصور خطوبتي على طارق.
تراجع يزن للخلف خانه جسده فسقط على المقعد بوجه شاحب وعيناه خالية من الكلام.. 
نهضت تركض نحوه وتهمس بحزن
_يزن...مالك! يزن..افتح عيونك.
لكن جسده لم يستجب فلقد فقد النطق واغروقت عيناه بالدموع وشعر بغمامة تحاوطه حتى هرب بها من واقع أليم اختلط قلبها بالعذاب من حالته فصرخت باسمه حتى دخل بلال مسرعا يسأل
_إيه اللي حصل هنا!
سمع صراخها واندفع نحوها قام بإسعافه بسرعة ونقله إلى الفراش واتصل بالطبيب..بينما هي تجلس على الأرض تبكي وتصرخ كأن العالم كله انهار حولها.
عند

يوسف 
عاد إلى منزله بعد عدة ساعات ساعده والده وأرسلان بنومه بينما هي تقف لدى الباب تراقب كل إنش به انحنى إلياس 
_حبيبي إنت كويس 
أومأ له وقال
_بابا شوية إرهاق هنام وهقوم كويس صدقني. 
التفت إلى ضي وقال 
_حبيبتى جهزي حاجة لجوزك ياكلها قبل ماينام. 
هز رأسه بالرفض دون أن ينظر إليها وقال
_لا عايز أنام..قاطعهم دفع ميرال الباب تركض إليه 
_ماله يوسف إيه اللي حصل
قالتها واتجهت إلى فراشه ودموعها تسبق خطواتها وهي تراه طريح الفراش..أبعدت إلياس تنظر اليه بغضب
_لحد إمتى مش معتبرني أمه مكنتش عايز تعرفني بتعبه.
_ماما أنا كويس. 
_دايما يا حبيبي كدا يا يوسف يعني لولا بلال مكنتش أعرف إنك تعبان
_أنا مش تعبان صدقيني شوية إرهاق. 
التفتت إلى ضي 
_إزاي ماتقوليليش إنه تعبان خلاص هونت عليكم كلكم. 
_ماما قولت لك أنا كويس عايز أنام وبس. 
شدها إلياس بغضب 
_اهدي ماهو كويس قدامك أنا مش معتبرك أمه!! طيب يا ست ميرال قاطعهم رنين هاتف إلياس ضيق عيناه ينظر إلى أرسلان 
_دا بلال هو مش كان رايح ليزن..قالها وقام بالرد 
_عمو عمو يزن تعبان أوي تعال بسرعة.. 
لم يدعه يكمل حديثه وانسحب للخارج مع خروج أرسلان خلفه بعدما استمع إلى صوت بلال. 
_رايحين فين 
تساءل بها يوسف ولكنها لم تهتم وجلست بجواره 
_إيه اللي حصل معاك يا حبيبي ليه وقعت كدا 
وقعت عيناه على ضي التي اقتربت تنظر إليه بحزن ثم قال
_مفيش حبيبتى شوية إرهاق المهم ليه بابا خرج كدا متأكد فيه حاجة كبيرة حصلت.
_مفيش حاجة المهم اهتم بصحتك هقوم أعملك حاجة تاكلها رفعت رأسها الى ضي 
_خليكي جنب جوزك حبيبتى هعمله شوربة.
ماما أنا هنام..خديها واطلعوا برة.. مش عايز إزعاج لو سمحتم.
تجمدت في مكانها ارتعشت شفتاها
_ بتطردني يا بن إلياس..هو إنت ابن مين أصلا!
ابتسم ابتسامته الضعيفة التي تحاول أن تخفي كل ماانكسر بداخله ثم مد يده إليها
سقطت دموعها من تلقاء نفسها..
جلست بجواره
ياالله من ضمة أم تستطيع أن تعيد روحا إلى جسد.
كانت ضي واقفة تراقب المشهد بعينين مملوءتين بالدموع..
قلبها يعتصر ونفسها يختنق..
وبين كل دقة من دقات قلبها كان هناك سؤالا واحدا يصرخ
_كيف وصلنا إلى هنا
اعتدلت ميرال رتبت الغطاء فوقه بحنان ثم خرجت بهدوء..
خرجت لترى ضي جالسة على المقعد أمام الغرفة تبكي بصمت..
صمت موجع ثقيل يجرح الروح ولا يسمع.
جلست ميرال بجوارها دون كلمة.
ثم مدت يدها 
_هو كويس يا حبيبتي..ماتخافيش.
لكن ضي لم تستطع أكثر..
انهار صوتها..مبحوحا.. مشقوقا من الداخل
_أنا السبب يا طنط..أنا اللي زعقت له في التليفون..وقلت له لو مجاش.. هننفصل.
ارتفع رأس ميرال فجأة وطالعتها بصدمة في عينيها
_يعني إيه يا بنت أرسلان
سقطت بين يديها انفجرت بالبكاء
_أنا تعبانة..تعبانة أوي..قلبي موجوع.. ومش عارفة أعمل إيه.
رفعت ميرال وجهها بين راحتيها ونظرت لها بعمق يلامس الروح
أغمضت ضي عينيها والدموع انحدرت وصرخ القلب من الداخل
وكأن الصمت هنا كان اعترافا كاملا.
شحب وجه ميرال..انقبض صدرها..
كأن يدا غليظة أمسكت بقلبها وعصرته بلا رحمة.
همست ضي بصوت يختنق
_يوسف مابينامش غير على المهدئات.. 
توسعت أعين ميرال وارتجف جسدها
_ابني بيضيع..وأنا واقفة عاجزة مش قادرة أمد إيدي وأنقذه!!.
ياالله على وجع أم ترى جرح ابنها ولا تملك سوى الدعاء.
أمسكت ميرال ضي بلطف ورفعتها لتواجه نظرتها
_اسمعيني يا ضي..مفيش كلمة من اللي اتقالت تطلع برا..لا لعمك..ولا لأي حد.
هزت ضي رأسها بنعم كأنه وعد صامت.
اقتربت ميرال أكثر
_قربي منه..يوسف بيحبك..والله بيحبك أنا عارفة نظرة ابني إمتى تبقى حب..وإمتى تبقى وجع.
انفجرت ضي بالبكاء
_بس هو بيبعد عني..
مسحت ميرال دموعها بإبهامها
_هو مش بيبعد عنك..هو بيهرب من نفسه.
_أنا قرأت مذكراته يا طنط هو مش بيعاني بس هو عايز يموت نفسه بالبطيء. 
مسحت على رأسها ورغم اعتصار صدرها إلا أنها قالت
_اللي بيحب بيحارب وأنا متأكدة إنه حيحارب علشانك اسأليني أنا دا نسخة من أبوه ممكن مايتكلمش بس بيعاني من جواه
_عارفة إنك شايلة فوق طاقتك بس والله هو حنون ويستاهل أومال لو شوفتي عمك عمل فيا إيه.
أسبوعا آخر في محاولات التقرب منه ولكنه أخذ الصمت جوابا لكل ماحدث لهما..في إحدى الليالي دلفت إليه بقهوته كان منشغلا أمام جهازه تحركت ووضعت القهوة أمامه ثم جلست
_عايزة أتكلم معاك. 
_مش فاضي لو فيه حاجة مهمة أجليها لما أخلص. 
قامت بدفع الجهاز حتى سقط على الأرض وثارت حالتها كأن من يراها يظن أن مسها مسا جنونيا
_إنت

بتعمل معايا كدا ليه عايز تعاقبني على إيه
اقتربت تدفعه بصدره وازداد بكاءها تصرخ به
_أنا حبيتك أعمل إيه موتني يا يوسف علشان ترتاح موتني وريحني من العذاب دا أنا كدا كدا ميتة في كلتا الحالتين سواء طلقتني زي ماقررت أو كملت معايا بالطريقة دي أنا عايزة أحس إنك باقي عليا علشان كدا قولت لك الكلام دا. 
كان يستمع إليها بصمت إلى أن سقطت على الأرضية تضم ساقيها إلى صدرها..تنظر بشرود وضياع حولها 
_مش عايزة حاجة غير إن حبيبي يحس بيا ليه مستكر عليا دا ليه دايما توجعني وتدوس عليا وكأني ماهمكش.
ا 
_مش إنتي اللي قولتي ننفصل عايزة ترتاحي مني خلاص اللي إنتي عايزاه. 
نظرت لعينيه بدموعها
_أنا لو قولت لك تطلقني دلوقتي هطلقني يا يوسف
ارتجف جسده وزاغت عينيهحتى شعر بتوقف قلبه وهو ينظر إليها دنت تنظر لمقلتيه 
_هطلقني يا يوسف لو طلبت يعني إنت مكنتش بتحبني
هز رأسه رافضا حديثها وهمس بتقطع 
_لا..مش هعملها ضي أنا بحبك بس.. 
تنظر لعينيه
_بس إيه يا حبيب ضي قولي وأنا مستعدة أستناك العمر كله بس ارحم قلبي وعرفني نهاية حياتنا إيه ولا خلصني من حياتي علشان متألمش في بعدك أنا بموت يا يوسف مراتك بتموت ومعرفش إنت حاسس ولا لأ
_لا..مقدرش أعيش من غيرك.. صدقيني مستحيل أطلقك. 
_خلاص مبقاش ينفع البعد يا بنت عمي. 
_تعرف منمتش بقالي كام يوم
كأنها كانت تنتظر تلك الكلمات لتذهب بنوم عميق.
بعد فترة نظر إلى وجهها الذي مازالت أثار الدموع تزينه نغزه قلبه يهمس بخفوت 
_آسف..فتحت عيناها بتململ ثم اعتدلت بعدما أفاقت وجدته ينزل من فوق الفراش
_إنت رايح فين 
سحب جاكيته وقال
_هشوف بابا اتصل تلات مرات.
توقفت أمامه تعترض نزوله
_مش هتنزل طيب كلمه. 
وقال
_مينفعش مبيتصلش كدا إلا لما يكون فيه حاجة مش هتأخر وعد. 
تلألأت الدموع بعينيها ثم رفع عيناه يغرق بعينيها الحزينة
_أول ولد هسميه إلياس لازم تكوني عارفة دا شرطي والتاني أرسلان إنما أول بنوتة هسميها صمت ينظر لعينيها التي ابتسمت فقالت 
_ميرال مش كدا 
_تؤ..ضي القمر 
_كدا مش هنزل لإلياس الكبير. 
..أغمض عيناه يتنهد بألم
_ضي ممكن أطلب منك طلب 
تنظر إليه تنتظر حديثه فقالت
_أؤمر.
توقف أمامها وعيناه تحملان ذلك البريق الذي لا يخطئه قلب عاشق.. كانت تنظر إليه بفضول بينما كان هو يرمق تفاصيلها كما لو يراها للمرة الأولى وقال
_عايز أطلب منك طلب.
اقتربت بخطوة صغيرة وقالت بنبرة هامسة منخفضة
_أؤمر.
رفت رمشيها تلتقط أنفاسها ببطء
_قصدك التاتو
هز رأسه رافضا وعيناه لا تزال معلقة عليها
_لأ..أرسم حنة التاتو كلمة أجنبية وأنا عايزها بطعمنا ريحتنا إحساسنا.
ضحكت بخفوت خجول محاولة الهروب من سطوة قربه
_ماعلينا..بس مينفعش هتقولي ليه هقولك بتبقى مفاجأة إحساس مختلف وبصراحة..أنا بتكسف.
ضحك هو ضحكته الرجولية المعهودة تلك التي تربكها وتطمئنها في آن واحد ا
_بتتكسف! علي أنا دا أنا جنبك عايز برقع.
شهقت بخفة وهي تضربه على كتفه
يعني إنت شايفني كده
_أنا شايفك كل حاجة حلوة..في عقلي وقلبي ونظري وكل مرة بشوفك فيها بحبك من جديد.
لمعت عيناها بسعادة وكأن كلماته أشبعت قلبها بحبه.
تراجعت خطوة بخفة تشير له بمرح محبب
_طيب يلا بقى..روح لعمو ومتتأخرش.
ابتسم..تلك الابتسامة التي تقال بدل آلاف الكلمات.
توقف فجأة واستدار إليها
قال بصوت منخفض لا يخلو من الدفء
_نسيت حاجة مهمة.
سارت بجواره بخطوات بطيئة متسائلة حتى وصلا إلى صندوق ورقي أنيق مزين بعناية حمله ثم قدمه إليها
_الحاجات دي جبتها لك..اأمنى تعجبك.
_إيه دي
_لما تفتحيها هتعرفي.
قالها ومضى تاركا خلفه الفضول في قلبها.
جلست تفتح الصندوق ببطء...
كانت رائحته تشبه حضوره تشبه كلمة أمان.
رفعت أول علبة تنظر إليها قائلة 
_معقول برفيوم!! بس دا كله
فتحت زجاجات العطور..مزيج من روائحها وأخرى تشبه رائحته عليها كأنه اختارها بقلبه لا بعينه.
ابتسمت وشهقة صغيرة تسللت منها دون إرادة.
انتقلت لعلبة أخرى..أدوات تجميل تحتوي على أحمر شفاه بلون نبيذي عميق..ضمت شفتيها بمرح وهي ترفعه أمامها ثم أعادته برفق وكأنها تخبئ لحظة مؤجلة.
ثم صندوق ثالث..إكسسواراتها تلك التي يعشق هو بريقها الهادئ عليها.
وأخيرا..صندوق أكبر فتحته تجمدت وشعرت بتوقف قلبها وثقل أنفاسها.
وقعت عيناها على اسم حبيبها الذي كان مطرزا في الأعلى كأنه يؤكد لها أنه رسمها وقضي الأمر
لتصبح ذاكرة لا تنسى.
ضحكت..ضحكة خرجت منها بصدق... ودموع فرح تلمع في عينيها.
وقفت فورا ورفعتها بين أصابعها وضعتها أمام جسدها دارت لبعض اللحظات ثم اندفعت إلى الحمام.
خرجت بعد قليل بعدما أنهت ماأرادت فعله..رفعت هاتفها تطلب من إحدى الخادمات مايلزمها أقسمت لنفسها أن هذه الليلة لن تمر عابرة..ليلة ستحفر في الروح قبل الذاكرة.
وقفت لدقائق أمام فراشها ثم بدأت تزين الغرفة...
إضاءة خافتة تتوهج من شموع معطرة تضفي دفئا ووميضا على جدران المكان.
موسيقى رومانسية هامسة تلامس أشيائهم كنبض قلب عاشق.
ورائحة الفانيليا والورد تتسلل في المكان كأنها تكتب وعدا بالحنين.
ثم اتجهت إلى الداخل..
خرجت أمام المرآة الكبيرة.
ياالله..كل التفاصيل تعانقها كأنها خلقت لتكون عروسا تربك النور.
ابتسمت..ابتسامة مشبعة بالامتنان وبالخجل
أنهت لمساتها الأخيرة...
وعندما نظرت لنفسها لم تر امرأة عادية..بل رأت ملكة جعلت القديس
وفي تلك اللحظة فتح الباب ودخل هو..توقف عند العتبة...
رائحة الشموع تتسلل إلى رئتيه...
ناهيك عن الإضاءة الخافتة تلتف بالمكان وعيناه تبحثان عنها إلى أن وقعت عيناه عليها.
_حورية..كأنها سقطت للتو من جنان خلقت لمن يؤمن بالعشق.
اقترب بخطوات بطيئة ثابتة 
وهي ماتزال أمام المرآة خجولة
همس..بصوت لا يصدر من الحنجرة... بل من القلب
_ضي
..فالقلوب الآن تتحدث.
ذلك العشق لم يولد اليوم ولا منذ شهور...إنه عشق تكون في أعماق الروح منذ سنوات والآن جاء موعده ليتنفس.
توقف هو كذلك هي وتوقف الكون.
وحدهما عاشقان
اقترب خطوة ثم أخرى
وقال بصوت خرج خافتا مبحوحا مشتعلا بالعشق المكبوت
_معقول الجمال !
ابتسمت بعينين تلمعان وخجل يلون وجنتيها
_عجباك
سألته بصوت منخفض.
كأن الزمن اختار هذه اللحظة تحديدا ليكشف له جمالها جمال لا يهدأ منه القلب.
.
لا يكتمل العاشق إلا بمعشوقه ولا يكتمل المعشوق إلا بوله العاشق.
الآخر بنومه لأول مرة دون مهدئات فاليوم أيقن أنها مهدئه الحي للحياة. 
ورغم نومهما العميق لكن النوم لم يكن بداية النهاية...
كان لحظة يصدح فيها العشق بأعلى صوته لحظة تثبت أن هذه الروحين عاشقان
بمنزل إلياس 
كان جالسا بمقابلة ادم الذي يخبره بما حدث معه منذ عودته وفتح شركة صغير لابنه 
كان يستمع اليه بفخر فقال
_طول عمرك وانت شاطر غير امانتك يادكتور والله مكنش ليك الخروج من البلد دي 
قاطعهم دخول بلال ملقيا السلام 
طالعه الياس بتساؤل
_فيه حاجة ياعمو 
_ايوة.. حمزة الجارحي عايز يقابل حضرتك 
تنهد الياس بعدما علم بما سيقوله فتابع بلال 
_عمه اسحاق كمان معاه 
قالها بلال بنزل شمس وميرال ودخولهم غرفة المعيشة اقتربت من ادم بدلال انثوي 
_ازي حضرتك ياخالو
_حبيبة خالو الجميلة.. قالها ورفع عيناه الى الياس 
_وعلشان اللي قولته حابب نقوي العلاقة بينا ياالياس ومش هلف وادور عليك 
_بتمنى توافق على نسب بينا شمس العيلة مع الباشمهندس رائد 
قالها بدخول حمزة واسحاق اللذان توقفا على تلك الكلمات القاسية على قلب عاشق مجنون بعشقه.. رفع نظره الى شمس التي تقف ادم رمقها بنظرة لو تقتل لألقتها صريعة
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
أحيانا تلقي بنا الحياة في دهاليز غامضة
تسحبنا إلى طرق لم نخترها وتضعنا أمام مواقف لا نفهمها
فنقف بين الخوف والدهشة لا نعلم أهي تمهيد لنجاة قريبة
أم اختبار آخر علينا أن نعبره وحدنا.
لنقف عاجزين نرى الحب يذبل بين يدينا
لا لذنب اقترفناه بل لأن القدر قرر أن يكونا على ضفتين.
كم حاول أن يقاوم أن يتحدى العالم لأجلها
لكن العالم كان أقوى...
فبعض الحروب تخاض بالقلب وحده
وبعض القصص لا تكتمل... مهما حاولنا أن نكتب لها بداية.
كان آدم يتحدث مع إلياس ولكن خفت صوته بمجرد دخول إسحاق..هنا ساد الصمت احتراما يليق بثقل إسحاق وحضوره تقدم إسحاق بخطوات هادئة فنهض آدم سريعا يحييه بمودة تليق بمقامه بينما اكتفى إلياس بإيماءة هادئة تظهر تقديره وميرال التي تبادلت معه ابتسامة رقيقة
_أهلا بحضرتك.
أومأ لها برأسه وبادلهم التحية بنظرة تحمل وقار السنين.
ثم انتقل إلى إلياس
_آسف جينا من غير موعد. 
أشار إليه إلياس بالجلوس ورد بنبرة وقورة تليق به
_إحنا بينا موعد برضو البيت بيت حضرتك يا باشا.
قالها إلياس ورفع عينيه على حمزة الذي ظل واقفا عند الباب
_واقف كدا ليه يا حمزة ادخل حبيبي. 
هكذا تمتم بها إلياس ينظر إلى ميرال التي علمت مقصده رفع آدم نظراته عليه
_دا ابن حضرتك يا إسحاق باشا
تجمد إسحاق للحظة وعينيه تسافر لابنه الذي وقف كالطيف لا روح فيه. رأى الانكسار في عينيه وتلك النظرة التي تشبه الغريق غامت عيناه بصمت حزين قبل أن ينطق بصوت خافت
_أيوة ابني الكبير حمزة.
_ماشاء الله ربنا يباركلك فيه.
اقترب حمزة بخطوات بطيئة وكأن كل خطوة تجر خلفها وجعه من تلك القاسية وهو يراها بل يتحدث معها عن شخص آخر هنا شعر بأن قلبه لم يعد يسكن صدره بل كان يتخبط بشراسة يريد أن يصرخ بها ويبعدها عن الجميع ولكنها مازالت واقفة ثابتة في مكانه لا تشعر بانهياره الصامت.
وصل إلى آدم يحاول أن يبدو ثابتا يحاول أن يجمع فتاته
_أهلا بحضرتك ياعمو
نطقها بجمود كأن صوته يخرج من صدر متعب.
ابتسم آدم بحنو وهو يربت على كتفه
_أهلا يا حبيبي.
تحركت ميرال قليلا تمسك يد ابنتها محاولة تهدئة نظرات حمزة المصوبة إليها
_بعد إذنكم..قالتها وتحركت بعض الخطوات ولكنها توقفت على كلمات إسحاق نحو شمس بنبرة عتاب أبوي بسيط
_إيه يا عمو...مفيش إزيك
تجمدت شمس ورفعت رأسها ببطء تنظر إليه بدهشة طأطأت رأسها بعدما رأت نظرات الجميع مسلطة عليها شعرت وكأنها تختنق ولم تقو على التنفس كأن جدران الغرفة تطبق على صدرها بينما حمزة كان يحدق بها بعمق جارح كأنه يحاسبها بنظرة واحدة عن مارآه وسمعه.
خطت متجهة إلى إسحاق ولم تستطع أن تنطق أو أن تبتسم لم تشعر سوى بارتجاف جسدها رفع إلياس نظراته إليها هنا رأى ابنته قلبه النابض تقف في عين العاصفة وحيدة.
فنهض من مكانه بهدوء يشبه
_تعالي يا بابا.
كانت الكلمة كحبل نجاة امتد لها وسط الغرق.
تحركت شمس نحوه بخطا مرتبكة خطوات تخونها رغم محاولتها الثبات.
كانت تشعر بأن كل عين تفضح خوفها.
لكن أشدهم وقعا عليها كانت نظرة حمزة.
وقعت عيناها عليه وهو يطالعها بنظرة ليست غضبا فقط بل وجع حاد 
كأنه يقول بصمت موجع
_ليه
سحبت نفسا ثقيلا تحاول أن تسيطر على ارتعاشة قلبها وهي تمر بجواره دون أن ترفع رأسها ولكن زفرة حارقة أخرجها من جوف الوجع
ثانية..كانت كافية لتعيد كل شيء وكافية لتحرق كل شيء.
توقف فجأة عيناه تتشبثان بها كالغريق حين يرى طوق نجاته.
اقترب خطوة..ثم أخرى إلى أن صار أمامها تماما
_إزيك يا شمس
جملة بسيطة..لكنها كالسهم اخترقت صدرها.
غامت عيناها بالدموع وارتجفت أجفانها بارتعاش حاولت الرد لكن خذلتها الكلمات وشعرت بتوقف لسانها..
كل مااستطاعت فعله أن تبتلع ريقها بصعوبة وقبل أن تنطق جاء صوت والدها 
_تعالي يا حبيبتي.
قالها إلياس وهو يسحبها من أمامه بخطوة حاسمة وعيناه تشتعلان حذرا..ثم التفت إلى حمزة بابتسامة مصطنعة
_اتفضل يا حبيبي.
رفع حمزة حاجبه ببطء ونظرة الغضب تلتمع في عينيه بينما جلس إسحاق يحك جبينه بصمت على أفعال ابنه المتهور الممزوج بالعشق..رفع نظره بعدما استمع إلى كلمات ابنه التي جاءت كالصاعقة على الجميع
_بعد إذنك يا عمو إلياس..عايز أتكلم مع شمس وقبل ماترفض دا حقي. 
قالها بثبات رغم اضطراب أنفاسه التي كانت تفضح رجفة قلبه.
ابتسم إلياس بسخرية متحفظة واستدار ينظر إلى إسحاق وقال 
_اقعد وبعدين نشوف هتقول إيه.
لكنه لم يجلس ولم يتأثر بحديث إلياس بل رد قائلا
_لا معلش..هقول اللي عندي وبعدها نقرر.
ثم أشار إلى آدم ضاغطا عليها كأنه يثبت للجميع أنها ملكه وحده وأردف 
_شوف ضيفك متخافش عليها... محدش هيخاف عليها قدي.
شهقت شمس بصوت خافت وحاولت سحب يدها منه لكن قبضته كانت أقوى من إرادتها.
نظرت إلى وجهه باعتراض على مايفعله لكن كانت ملامحه تصرخ حبا واحتياجا 
تجمد إلياس ونيران الغضب تتأجج في صدره من وقاحة حمزة فتح فاهه للاعتراض ولكن أوقفه إسحاق وهو يومئ له بهدوء يحاول أن يسيطر على الوضع
_خمس دقايق بس يا إلياس.. 
_إسحاق..تمتم بها بعدم رضا ومازاد الموقف تعقيدا كلمات حمزة إلى آدم باعتراضه على مااستمع إليه فقال بصوت منكسر لكنه مملوء بالصدق
_أنا آسف يا عمو...بس حضرتك غلطت في العنوان عارف كان نفسك تناسب عمو إلياس..هو يستاهل الصراحة لكن معندوش غير شمس واحدة وشمس دي ملك لحمزة الجارحي.
قالها ونظراته الممزوجة بالرجاء والعتاب وكسرة رجل لم يعرف الهزيمة إلا أمامها..كانت كافية أن تزلزل إلياس حتى عجز عن مواجهته.
وقف إسحاق يتنفس بثقل ونطق بصوت خرج من صدر أثقلته الهموم على فلذة كبده
_حمزة بيحب البنت يا إلياس..ومش هقولك كان ممكن يموت..قالها وهو ينظر إلى آدم 
_ماتقول حاجة يادكتور.
تلفت آدم في حرج ثم نهض بخطوات بطيئة
والله يا إسحاق باشا مكنتش أعرف إن الموضوع كده..أنا جيت على طلب ابني.
_رد إلياس ونبرته تجمع
بين الكرامة والوجع
_بنتي لسه صغيرة على الجواز ومقدر حال ابنك..بس مش هينفع والله يا إسحاق لو بإيدي كنت أوصلها لحد بيتك بس الظروف أقوى مننا.
صمت ساد بالغرفة للحظات حتى شعر إلياس بتوقف تنفسه كأن الغرفة تحولت إلى ميدان معركة لا يسمع فيها سوى صوت القلوب الموجوعة.
اقترب إسحاق خطوة من إلياس وقال بصوت أهدأ لكنه مليء بالهدوء
_اهدا وفكر..الولد متمسك بالبنت وصدقني مكنتش أعرف إنها شقلبت كيانه
لكنه قطع كلماته بصرامة ممزوجة بالحزن
_إسحاق لو سمحت بلاش شغل الضغط البنت لسة صغيرة وأظن سمعت آدم عايزها لابنه أنا آسف بجد مش بفكر أجوزها حاليا
_طبعا رأيك يحترم مقدرش ألومك كان طلب وخلص ومش معنى كدا علاقتنا هتتوتر بسبب الموضوع دا وكل شيء قسمة ونصيب.
التفت إلى إسحاق 
_آسف جدا مكنتش أعرف إن الموضوع كدا. 
_مفيش موضوع أصلا يا دكتور.. تمتم بها الياس
بالخارج
توقف أمامها وهمهمت بوجع مكتوم مما يحدث لها
_هتفضل تتعامل بالطريقة دي لحد إمتى ليه مصر تحرجني بالشكل دا
اقترب منها خطوة ووميض عينيه اشتعل بين لهب الشوق وجمر الغضب كأنه يريد أن يخرس قلبه عن النبض ورغم ذلك قال 
_اسمعيني..علشان أنا تعبان ومش قادر أجادل وقفت قدامك وقولت بحبك مرة واتنين ومستعد أقولها مليون..مش طالب ردك بس اللي يوجع إنك تدوسي على قلبي برجلك.
صمت لحظة وتابع بصوت منخفض لكنه كان كالسيف
_ سميها زي ماتسميها..أنا بحارب في كل الجبهات لوحدي وإنتي سايقة الدلال ومش حاسة.
اقترب حتىا بنبرة مبحوحة من العشق الضاري
_أنا متأكد إنك بتعشقيني زي مابعشقك وبقسم لك يا شمس الجارحي..كل وجع قلبي هخده منك
شمس... تمتمت بها ميرال بصوت متردد فتراجع حمزة ببطء يلتقط أنفاسه وزع نظراته بين الاثنتين 
هشوف آخرته إيه عمو إلياس! مش حجته أبويا أديني جبت له أبويا..
قالها بحدة ثم دلف للداخل بخطوات تشتعل غضبا.
اقتربت ميرال من ابنتها بينما الحزن يعتصر وجهها
_حبيبتي اطلعي أوضتك.
_ماما..قالتها بدموعها التي خانتها وتساقطت تحرق وجنتيها ا
_حبيتيه مش كده
خرجت شمس تنظر إليها بعين تتشبث بأمل يوشك أن يموت
_بابا ليه رافضه يا ماما
لم تجب ميرال ولكنها شهقت بخفوت كأن الماضي

عاد ليطعنها. 
وقبل أن تنطق وصل إلياس ينظر إليهم بوجه جامد كالصخر لكن ملامحه تفضح حربا داخلية تمزقه. 
نظر إلى ابنته وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة..ابتسامة أب يخفي وراءها جرحا لا يندمل.. وقال بصوت مبحوح
_حبيبتي اطلعي أوضتك..وبعد ما الضيوف يمشوا لازم نقعد مع بعض.
نظرت إليه للحظات بصمت وعيناها تنطق بالكثير من الأسئلة وأهمها ليه توجعني ورغم ذلك هزت رأسها وقالت 
_حاضر يا بابا.
تمتمت بها بانكسار ودموعها تكابر ثم انسحبت.
ظل إلياس يلاحقها بعينيه حتى اختفت عن نظره ثم أدار وجهه ببطء نحو ميرال وفي عينيه وجع رجل يعاقب كل يوم على ذنب لم يقترفه
_مش عايزك تتكلمي مع شمس في أي حاجة..أنا اللي هقعد معاها.
رغم أنه قالها بنبرة هادىة لكنها شعرت بأنها خرجت كأمر جاف ورغم ذلك أومأت في محاولة يائسة للسيطرة على انكساره..تنظر إليه بعين الأم الموجوعة فمهما تماسكا بحبهما سيظل الماضي قبرا لدفنهم اقتربت تحاوط نظرة الصراع وتساءلت بارتجاف شفتيها
_هنفضل لحد إمتى كده يا إلياس ذنبهم إيه الولاد البنت شكلها حبته والواد الصراحة يتحب.
ارتجف جفنه فشد على قبضته محاولا أن يخفي رعشة صوته
_ميرال..أنا مش ناقص وجع محتاج اللي يسندني مش اللي يهدني..نهدى شوية..مش عايز الماضي يوجع الولاد زينا.
صرخت بصوت مخنوق
_هو لسه ماأثرش! أنا قولتها لك زمان أنا لعنة ليك وللولاد..واللي كنت خايفة منه حصل.
أغمض عينيه كأنه تلقى طعنة.
اقترب منها ببطء وقال بصوت خفيض لكنه يقطر ألما
_وبعدين بقى يا ميرال الناس جوا اتصلي بابنك لازم يكون موجود ومش عايز ضعف..لو ضعفتي قدام البنت هتضيعيها.
ونظر إليها طويلا
_ميرال..محدش بيختار قدره اللي حصل خلاص حصل..لكن شمس ماينفعش تفكر في حمزة أنا أب واللي مرضهوش على ولادي مرضهوش على حد.
ارتجفت شفتاها وهي تهمس
_قلبي بيوجعني يا إلياس..وجع مش عايز يخلص هفضل لحد إمتى أدفع تمن حاجة ماليش ذنب فيها
_فيه إيه مالكم 
نظرت بضياع إلى فريدة 
_بنتي ذنبها إيه يا ماما ذنبها إيه تعيش مأساة أمها وابني..ابني اللي كبر وجواه مليون لعنة من أمه وخلاه يعمل اضراب عن الجواز الواد كره الجواز معندوش ثقة بسبب أمه. 
جلست فريدة بمقابلتها
_حبيبتى إيه اللي بتقوليه دا ابنك إتجوز ولو على شمس بكرة تنساه إنتي مش فاكرة غادة
تراجعت بجسدها تنظر اليهم بتيه
أنتوا مش عارفين حاجة..ولادي بيضيعوا بسببي أنا حاولت أفهمكم زمان أنا عليكوا محدش صدقني ياريتني مت أنا لسة عايشة ليه.
اقترب إلياس 
_ميرو..حبيبتى عايز قوتك أنا كنت حاطط احتمالات هنواجه مشاكل من دي ميرال.. راجح عمي أخو أبويا..فوقي إنتي مالكيش دخل.
هزت رأسها بانهيار والدموع تتساقط غصبا عنها لاتسمع في أذنها سوى صدى صوت حمزة
بحبها..ومش هسيبها.
شهقت وهي تضرب صدرها بقبضتها
_ولادي الاتنين بيضيعوا البنت قالت بتحبه وأبويا بيعمل كدا ليه والتاني بيهرب من مراته بسبب أمه
ظلت ترددها وعيناها تجوب بالمكان كالتي فقدت عقلها.
همس برجاء خافت ممزوج بانكسار
_كفاية بقى يا ميرال..كفاية علشان خاطري إنتي مالكيش ذنب. 
_ولادنا يا إلياس قولي أعمل إيه علشان يرتاحوا أموت نفسي والله لو ينفع لأعملها.
كمن يتمسك ببقايا حياة تفر من بين يديه بينما في عينيه ألف دمعة محبوسة وألف لو تتشبث بالحلق ولا تخرج.
_اهدي خلاص..كله هيعدي حبيبتي اهدي
_طلعها فوق حبيبي وأنا هدخل عند أرسلان وإسحاق لم تكمل جملتها إذ وصل إليهما ارسلان 
_إلياس اتأخرت ليه عملت إيه مع إسحاق شايف الدنيا متوترة. 
رمقته فريدة تشير إلى ميرال بأن يصمت
أومأ متفهما بينما انسحب إلياس..التفت أرسلان إلى والدته
_إيه اللي حصل 
تنهدت بألم تهمهم
_ربنا يتولاها يابني تعال ندخل عيب نسيب الضيوف لوحدهم.
بمنزل يزن...
دلفت رولا إلى غرفة والدها بخطوات ترتجف كأن الأرض تهتز تحت قدميها مع كل خطوة..توقفت عند الباب لحظة تتأمل سكون جسده فوق الفراش..ذاك السكون الذي لم تعهده يوما رجل بحيوية يزن الشافعي وعقله المتوقد كيف انطفأ هكذا كيف سقط فجأة كمن سحبت منه الحياة دفعة واحدة!
اقتربت ببطء كأن قلبها يسحبها إليه سحبا..جلست إلى جواره 
دخلت رحيل خلفها فهوت دموع رولا على صفحات وجهها بلا مقاومة.
_بابا..حبيبي..وحشني صوتك أوي.
ارتجفت عيناه بثقل يحاول الرد أن يربت على خوفها كما اعتاد دائما...لكنه عاجز محبوس في جسد خان قوته يعرف أنها كانت الضحية...كبش فداء لحقد أخته الذي لم تداركه إلا بعد فوات الأوان.
اقتربت رحيل تضع طعامه بجواره ورسمت ابتسامة متعبة تحاول بها السيطرة أمام ابنتها
_حبيبي..يالا علشان معاد دواك..طارق كلمني وقال إنه جاي في الطريق يارب المرة دي تسمع كلامنا يا يزن...وتروح للدكتور اللي قال عليه بلال.
مد يزن أنامله المرتعشةا
_يزن..علشان خاطري اسمع كلامي لازم الدكتور أنا محتاجاك..وولادك كمان يا حبيبي.
رفع نظره بصعوبة إلى ابنته..نظرة حزينة عميقة تنزف وجعا أكبر من أي كلمات..كانت تبكي بصمت صمتا يشبه الانهيار المخفي خلف روحها.
ثم عاد ببصره إلى زوجته..نظراته كانت رسالة بل رجاء..فهمته رحيل..
هزت رأسها مطمئنة
_متقلقش هتقوم بالسلامة..وهتعرف كل حاجة بس بالله عليك ساعدني يا يزن.
أغمض يزن عينيه..لتسقط من طرفهما دمعة صامتة دمعة رجل يصارع عجزه أكثر مما يصارع المرض
ربت على كفها بارتفاع أنفاسه ينظر إليها بألم يفتك بقلبه الموجوع عليها ابتعدت وغادرت الغرفة ودموعها تسبق خطواتها
جلست رحيل بجواره 
_هي متعرفش أي حاجة خوفت تعمل في نفسها حاجة أنا معرفش هي اتعرضت لإيه دماغي مشلولة ومش قادرة أفكر إنت لازم تفوق علشان خاطري لازم نلحق بنتنا يا يزن لازم تعرف إيه اللي حصل طارق حاول يتفاهم مع رؤى ويعرف حاجة بس هي طلبتك إنت. 
أومأ بعينيه دون حديث في تلك اللحظة دلفت الخادمة تعلن عن وصول طارق. 
بمنزل مالك 
انتهى من ارتداء ملابسه 
_حمام الهنا يا روحي. 
ابتسمت واقتربت منه حتى توقفت أمامه
_عندك اجتماع ولا إيه فيه بدل رسمية 
حدجها بنظرة صامتة ثم قال
_مالك حبيبتي فيه حاجة 
رفعت عيناها إليه وترددت بالحديث ولكنها اتخذت قرارها قائلة
_والدتك كلمتني عايزة تشوف الولاد ونقعد كام يوم عندها زعلانة مني بتقولي يعني سافرتي شهر بالولاد وقولت حقها لازم تكون مع باباها بس فين أنا حقي. 
_بالنسبة لماما أنا هعدي عليها وأفهمها الوضع أما لو بتقولي كدا علشان تعرفي سببي ليه رافض الاستقرار مع ماما..فدا علشان عمي رجع مصر هو وبنته والبيت دا بيت جدي أه والدي له النص وعمي وعمتي النص التاني بس يعتبر بيت عيلة ماما متمسكة فيه علشان حياتها مع بابا كلها كانت هناك رغم محاولاتي قبل جوازنا نستقر بعيد بس هي كانت بترفض وأنا كنت بسكت علشان كان عمي مسافر لكن دلوقتي مينفعش. 
صمتت تنظر إليه ثم قالت
_علشان بنت عمك مش كدا 
نهض من مكانه واتجه إلى المرآة
يرتدي ساعته قال وهو ينظر من خلال انعاكسه
_هتأخر النهاردة في الشغل إلياس مبقاش يهتم خالص بالشركة وأرسلان كمان. 
توقفت مقتربة منه لم تجادله على إنهاء الحديث 
_هروح أبات عند بابا النهاردة.
استدار إليها سريعا 
_باباكي عند إلياس..إزاي تباتي هناك. 
_إلياس أخويا مش غريب يا مالك. 
سحب هاتفه وتحرك قائلا
_لما باباكي يرجع الفيلا باتي عنده براحتك لو عايزة تروحي تزوريه عند إلياس معنديش مشكلة لكن مبيت لأ. 
قالها وغادر دون أن ينتظر ردها.
بمنزل يوسف
تململ على رنين هاتفه مد يده بتكاسل يسحب الجهاز لكن الرنين كان
 

تم نسخ الرابط